في تاريخنا المعاصر لا نتَطلَّع كثيرا إلى البحث عن الجديد، ولا محاولة صياغة العبارات التي تُنَوّه بالجديد، لأن الجديد في حد ذاته صار ظاهرة عادية، ومن فَرط التَّعود على الجديد صرنا أيضا لا نحفل به كثيرا، بل نحاول أن نتَكَيّف معه على خلفية أنه معروف وآيل إلى التَّواري والاختفاء في المستقبل القريب، ليَفتح مجالا جديدا. ولعلّنا لا نغادر مجال الحق والحقيقة إذا اعترفنا بأنه من فرط تراكم الجديد، لم نعد نحتاج الى حرب عالمية ثالثة، من أجل أن نُوضع العلامة الفارقة بين عصرين، ونبدأ نؤرخ لما بعد الحرب العالمية الثالثة، ونوعية التنظيم الدولي الذي يليق بالتاريخ الجديد.
ما يجري اليوم أننا نعيش في العالم كله وفي قلبه، وأن قوة شعوبه الفاعلة، التي صارت جماهير العالم، على حد تعبير المفكر الإيطالي الراحل توني نيغري، هي التي تصنع الجديد بصمت وهدوء، وفق ما تصنعه الصين الشعبية.
الصِّين الشعبية، ظاهرة لافتة في تاريخنا المعاصر، لم تَتَنَكّر لتراثها العريق منه والحديث، ألَّفت كل التاريخ وأنظمته في لحظة معاصرة، استبطنت فيها كل أبعاده من ماضٍ وحاضر ومستقبل، أو حاضر يجب ألا يَمرّ. ففي يوم 3 سبتمبر استعرضت الصين الشعبية آخر ما أنجزته في صمت وهدوء مجايلة لحظة بلحظة التاريخ المعاصر.. واستحق هذا العرض الرائع على أكثر من صعيد إعجاب العالم كله، بالقدر الذي بدأنا نفكر فعلا بانتقال المرجعية الدولية العليا إلى بلاد الصين العظيمة، التي كرست من خلال هذا العرض ريادتها العالمية مع الحِكمة والرزانة والمسؤولية المطلوبة لحماية الكوكب وصيانة سلامته، معلنة نهاية انفراد مَهَمة الولايات المتحدة الأمريكية الدولية، خاصة بعد الوصول إلى سدة الحكم من لا يفقه في عالم السياسة والتسيير والحَكَامة، أي أبجدية من أبجديات الحِكمة والأخلاق وحسن المعاملة.
يوم 3 سبتمبر 2025 هو يوم مشهود ليس للصِّين الشَّعبية فحسب، بل للولايات المتحدة الأمريكية والعالم كله، لأن الجميع وقف عند لحظة الانبهار بعظمة الصين الشعبية، وأن مؤشرات التاريخ العالمي يجب أن تضبط على وتيرة وفلسفة الصين الشعبية، خلاف أمريكا الإمبريالية والصهيونية والأصولية المسيحية.. التي صارت كلها عائقا يضر باقتصاد الدول والشعوب في كل بلاد الدنيا، ويهدد حياتها على ما يقوم به الكيان العِبْري في منطقة الشرق الأوسط. إسرائيل منتوج إمبريالي يتنافى مع الخطاب الاستعراضي، الذي صاغ فيه الرئيس الصيني ما يساعد على تحريم الظلم في المجتمع الإنساني المتجه إلى التَّشكل. حققت الصين الشعبية انتصارا عظيما في منازلة عالمية جرت بقوة السلام وخطاب الحِكْمة ونفسية الواثق من المستقبل والتعايش مع كل حضارات العالم وثقافاته، على خلاف سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي حاز «شعبية»، يؤكد بها درجة الفساد الذي انتاب مفاصل إدارة البيت الأبيض، ويسعى الى كشف التاريخ الأسود لأمريكا من مؤامرات ودسائس وانقلابات على الأوضاع الداخلية والخارجية، آخر مظاهرها اغتيال احترافي لداعية الفساد السياسي تشارلي كيرك، الذي كان يروج لعودة أمريكا العظيمة، وحراك جماهيري صامت وصاخب داخل الولايات الأمريكية، والإشراف المباشرة على حرب إبادة الشعب الفلسطيني، وعدوان نووي سافر وبغيض على دولة إيران. الاستِعراض الهائل والمُرْعب الذي أظهرته الصين الشعبية يوم 3 سبتمبر، هو بمثابة انتصار عالمي حققته بما يليق من روح العصر ومقتضيات العيش الإنساني السِّلمي وليس الحربي، على ما تصنع وتخطط أمريكا، التي لا تزال تعيش العصر الإمبريالي المتَخَلّف، افضى في نهاية المطاف إلى تراجع الغرب بصورة عامة عن حقيقة ما يتطلبه التاريخ في آخر لحظاته، كما تَبَنَّته الصين الشعبية وتعمل على الانتصار الكبير فيه عند موعد 2040، اللحظة التي يفتح فيها الطريق إلى كل العالم ليجترح سياسة دولية بقطب رئيسِ هو الصين الشعبية. العرض العسكري هو الأسلوب الجديد لإظهار التَّفَوّق والانتصار بديلا عن العنف والحرب والإرهاب والظلم على ما تصنع أمريكا بأداتها الإسرائيلية في منطقة الشرق الأوسط، وفي العالم.
العرض العسكري هو الأسلوب الجديد لإظهار التَّفَوّق والانتصار بديلا عن العنف والحرب والإرهاب والظلم على ما تصنع أمريكا بأداتها الإسرائيلية في منطقة الشرق الأوسط وفي العالم
ما يُلَفت حقيقة في هذا العرض العسكري هو مظاهر تَفَوّق لا يمكن أن تظهر في السياسة الأمريكية، وتُمَثّل نقاط الوهن والضُّعف فيها، نذكر على سبيل المثال، حالة الانضباط الشديد للتشكيلات العسكرية على أصنافها وأنواعها.. الدقة المتناهية والمتفانية في الظهور على المنوال المطلوب، مع قدرة أسطورية في الحفاظ على المسافات والأطر، وإحصاء الأنفاس مع الحركات.. وكل هذا يعكس بالضرورة انتصارا حقيقيا لو نشبت حرب تستعمل فيها آخر إنجازات العصر من الأسلحة البرية والجوية والبحرية. فقد انتصرت الصين الشعبية في حرب عالمية لم تدمر فيها أي شيء، ولم تقتل فيها أي إنسان، تلك هي حقيقة الانتصارات التي انتقلت إليها الصين الشعبية: الانتصار عبر «فن السلم» بدلا من فن الحرب على ما جاء في كتاب المفكر الإستراتيجي سون تزو.
الانتقال من فن الحرب إلى فن السلم على ما حققته الصين الشعبية في عرضها الأخير، يتواصل مع تراثها الرائع الضارب في التاريخ الذي يحايث كل لحظاته وأبعاده من ضمنها البعد الإستراتيجي، ويُعَدّ العرض أقوى نجاح لاستراتيجية الصين لعام 2040 وأقوى انتصار لمعاني فن السلم. جاء في كتاب سون تزو «فن الحرب»: « يربح المحاربون المنتصرون أولا، ثم يذهبون الى الحرب. بينما يخوض المحاربون المهزومون الحرب أولا ثم يسعون للفوز». هذا ما ورد في متن الكتاب منذ القرن الخامس قبل الميلاد، وهو يصدق على ما يجري اليوم بين الولايات المتحدة والصين الشعبية في عصر السلاح النووي والذكاء الاصطناعي، ليس لأن التاريخ يعيد نفسه، بل لأن الحكمة تلازم التاريخ وتنتصر لنفسها عندما يغفل القادة ورجال السياسة عن إدراجها في الاعتبار والتوقعات الاستراتيجية. واليوم، الحكمة ضالة الصين العظيمة بينما تعاند أمريكا في البحث عن مفردات العبرة والموعظة الحسنة ومُثُل الأخلاق والنَّفس الطويل وسِعة الصدر التي فقدتها عندما راح الحزب الجمهوري في مغامرة عابثة بكل القيم الإنسانية يخلط بين الصهيونية والنّزعة الإمبريالية ودوائر المال الفاسد ودسائس وغدر السياسة.
عبارة سون تزو، تؤكد من جملة ما تؤكد، أن الصّين الشعبية حققت انتصارا عظيما في عرضها الرائع، وقد صار العالم يدرك ذلك، الأمر الذي يعفيها من خوض الحرب الحقيقية، مخافة السلاح الفَتَّاك الذي لا يبقى ولا يذر، بل صارت تتطلع الى السِّلم وبَسْط سُبُله وتعليم فنونه كأفضل طريق إلى ازدهار العالم كله وليس جزءاً منه، على ما تفعل أمريكا وربيتها إسرائيل التي تُوْهم نفسها بتحقيق انتصارات تُعَبّر عن هزائم متلاحقة على ما تشهد عليه الوقائع التاريخية طوال النصف الثاني من القرن العشرين إلى اليوم. إسرائيل تنتصر في السماء، حيث تتقلص عليها الأرض، ليس فقط لأنها دون جغرافية ثابتة، بل لأن الخطر الجوي صار يصل إليها مثل حبات المطر.. وذلك هو انتصار المحارب المهزوم الذي يسعى الى الفوز.
كاتب جزائري