بعد استعراض عسكري ضخم، مثقل بالرسائل السياسية لمن يهمه الامر، شهدته الساحة الحمراء في موسكو بمناسبة الذكرى الـ 69 للانتصار على النازية، توجه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الجمعة الى القرم في أول زيارة له لهذه المنطقة منذ أن ضمتها روسيا في مارس/ آذار الماضي، ووجه الشكر الى الحشود التي حضرت لاستقباله على ‘انتصارهم للحقيقة التاريخية’.
وقال بوتين ‘نعامل كل البلاد وكل الشعوب باحترام. نحترم حقوقهم ومصالحهم المشروعة بما في ذلك حق تقرير المصير واستعادة العدالة التاريخية’.
‘وكما كان متوقعا، اقتصر الرد الغربي على اعتبار هذه الزيارة ااستفزازا وانتهاكا للقانون الدوليب، بينما كان بوتين يضيف الجرح الى الاهانة عندما تذكر اانه لولا الجدار الفولاذي الذي اقامه الاتحاد السوفييتي في الحرب العالمية الثانية لتحول الغربيون الى عبيدب.
وكان بوتين سعى عشية الزيارة الى استعادة ‘الامجاد السوفيتية’ بحضور تجارب لاطلاق صواريخ بالستية احدها عابر للقارات، تزامنت مع تصريحات لوزير الدفاع اكد فيها ان الاسلحة النووية الروسية على اهبة الاستعداد في البر والبحر والجو.
ويبدو انه نجح في توظيف هذه المناسبة لاستحضار التاريخ، ثم توظيفه في تكريس ‘التهامه’ لشبه جزيرة القرم، مع توجيه تحذير جديد للغرب من مغبة الدخول في مغامرة عسكرية في حديقة روسيا الخلفية، خاصة مع الانباء عن حشود للناتو في اوروبا الشرقية.
الا ان احترام ‘العدالة التاريخية’ و’حق تقرير المصير’ يسقط من ذاكرة بوتين وسياساته ايضا عندما يتعلق الامر بالشرق الاوسط فيما يبدو، حيث لم يتردد يوما في تعزيز التعاون العسكري مع اسرائيل ‘صاحبة اكبر عملية تزوير للتاريخ في التاريخ’ والتي تصر على تجاهل حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير.
كما ان بوتين يبقى الداعم الاكبر للنظام السوري الذي يحتفل هذه الايام بنجاح الاسلحة الروسية مدعومة بتواطؤ دولي في استعادة حمص القديمة، وما لها من رمزية خاصة كـ’عاصمة للثورة’.
ولا يتعلق الامر هنا بمجرد ازدواجية في المعايير أو فشل اخلاقي، بل بانفصام سياسي يجعل لغة القوة، وليس التاريخ او عدالته هي العامل الحاسم في رسم المسارات.
ومن الغريب ان العرب الذين يتصدرون قائمة ‘ضحايا التسويات والصفقات التاريخية’ هم اخر من يطالبون بنصيبهم في ‘عدالة التاريخ’ سواء من جهة اعادة رسم الحدود التي مزقتهم اربا دون منطق غالبا، او افقدتهم اقاليم أو حتى بلادا كاملة.
ويكتسب الحديث عن ‘عدالة التاريخ الغائبة’ اهمية خاصة مع اقتراب ذكرى النكبة الفلسطينية، بعد ان وصلت المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية الى نهاية الطريق المسدود، فيما تتلكأ السلطة الفلسطينية عن اعلان العودة الى خيار المقاومة الشاملة لاستعادة الارض، حتى بعد ان اعلنت اسرائيل نفسها ‘وفاة المفاوضات رسميا’ كرد على اتفاق المصالحة مع حماس.
واذا كان من ‘درس روسي’ للعرب فان ‘عدالة التاريخ’ لا تنزل على الذين يصرون على ان يظلموا انفسهم بالتنازل المسبق عنها، ولايستحقها اصلا الا الذين يعرفون كيف يدعمونها بكافة وسائل القوة المشروعة في الدفاع عن الحق.
فهل يستوعب العرب الدرس لتصيبنا يوما ‘عدالة التاريخ’؟
أسرة التحرير