نواكشوط – «القدس العربي»: ذلك هو السؤال الأكبر الذي يتداوله جميع الساسة والمدونين الموريتانيين منذ أن تصدرت كلمة «الحوار» واجهة المشهد السياسي الموريتاني من جديد، في بلد أثقلته تجارب الحوارات غير المكتملة، وتراكمت في ذاكرته السياسية وعودٌ كبيرة ونتائج محدودة.
ولعل ما يميز الحوار المرتقب هو أن تحضيراته تسير بعناية كبيرة من طرف رئيس الجمهورية شخصيا عكس الحوارات السابقة التي كان الإعداد لها يمر عبر لقاءات سرية ووساطات تقليدية، فقد أجرى ولد الغزواني لقاءات مباشرة بقادة الطيف السياسي، بصورة مكّنته من جذب غالبية الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني.
من جهة القصر الرئاسي، تبدو الخطوات الأولى، وفق متابعين، محاولة حقيقية لتفادي تكرار إخفاق تجربة الحوار التي طُرحت سنة 2022، قبل أن يتم تأجيلها إلى أجل غير مسمى.
ويُنظر إلى هذا المسار الجديد على أنه تحدٍّ سياسي كبير للرئيس الغزواني، الساعي، بحسب مقربين منه، إلى أن تُسجَّل ولايته الثانية، كمرحلة مختلفة في التاريخ السياسي للبلاد.
وعلى عكس ما كان سائداً في تجارب سابقة، شرعت الرئاسة هذه المرة في إعداد مبكر لمسار الحوار، عبر تعيين منسق يعرف خبايا الساحة السياسية الموريتانية وتشابكاتها، كُلّف بإجراء مشاورات واسعة مع مختلف الفاعلين من أغلبية ومعارضة.
وقد منح الرئيس لهذا المنسق تفويضاً صريحاً للعمل من أجل حوار شامل لا يُقصي أحداً، وهو ما اعتُبر رسالة طمأنة أولية للطبقة السياسية.
وبعد أكثر من سبعة أشهر من اللقاءات والنقاشات، أعدّ المنسق موسى فال تقريراً تضمن خريطة طريق مستخلصة من مقترحات القوى السياسية، خلص فيها إلى أن معظم هذه المقترحات متقاربة، إن لم تكن متطابقة في جوهرها.
وقد سُلّم التقرير إلى رئيس الجمهورية منذ أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، غير أن الإعلان العملي عن انطلاق الحوار تأخر، ما أثار تساؤلات حول مدى جدية التنفيذ.
وخلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، كثّف الرئيس الغزواني من تصريحاته التي يؤكد فيها عزمه إشراك جميع الأطراف السياسية دون استثناء.
كما أجرى، في خطوة لافتة، لقاء مع مختلف الفرقاء السياسيين بشكل مباشر، متعهداً شفوياً بأن مخرجات الحوار التوافقي سيتم تنفيذها عبر آلية متابعة واضحة، وهو ما رآه كثيرون مؤشراً على اختلاف التحضيرات الجارية عن حوارات سابقة بقيت توصياتها دون تطبيق.
وقد انعكست هذه الأجواء الإيجابية على لقاء أقطاب المعارضة الديمقراطية بالرئيس الغزواني يوم 8 يناير/كانون الثاني الجاري في القصر الرئاسي.
فقد عبّر قادة المعارضة، عقب اللقاء، عن شعور بالارتياح، معتبرين أن الرئيس بدا منفتحاً وواضحاً ومطمئناً، وأظهر استعداداً للاستماع إلى انشغالاتهم والرد عليها.
ووفق قادة المعارضة، فقد تم خلال اللقاء التطرق إلى جملة من القضايا الحساسة، من بينها القانون الجديد المنظم لإنشاء وتسيير الأحزاب السياسية، وضمان ولوج المعارضة إلى وسائل الإعلام العمومية، ومعالجة النزاعات العقارية، وقضية الموقوفين على خلفيات سياسية أو تعبيرية، إضافة إلى المخاوف المتداولة بشأن احتمال طرح مأمورية رئاسية ثالثة ضمن نقاشات الحوار، تحت عناوين الحكامة والديمقراطية.
وبخصوص الجدل المتعلق بولاية رئاسية ثالثة، فقد حرص الرئيس، حسب قادة المعارضة، على تبديد هذه المخاوف، مؤكداً بشكل واضح أنه غير معني بهذا الخيار.
وشدد الرئيس خلال اللقاء، على أن هدفه الأساسي هو جمع الفاعلين السياسيين، من موالاة ومعارضة، حول طاولة واحدة للنقاش الصريح، والبحث عن حلول توافقية لأبرز الإشكالات التي تواجه البلاد.
ورغم ه التطمينات، تؤكد المعارضة أنها لا تزال تتعامل بحذر مع المسار، معتبرة أن جميع العراقيل لم تُرفع بعد.
وتقول إن هناك خطوطاً حمراء ما تزال قائمة، من بينها مسألة حياد الإدارة وقوات الدفاع والأمن، وضمانات تنفيذ مخرجات الحوار، إضافة إلى استمرار القلق، ولو بشكل محدود، بشأن ملف تغيير الدستور بولاية ثالثة.