الجزائر ـ “القدس العربي”:
دعت سيغولان روايال رئيسة جمعية الجزائر فرنسا، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى القيام بـ”لفتة مصالحة واعتراف” تجاه الجزائر، معتبرة أن هذه الخطوة ضرورية لفتح مسار المصالحة بين البلدين.
وجاءت تصريحات روايال لقناة “تي أف 1” الفرنسية، عقب زيارة قامت بها إلى الجزائر الأسبوع الماضي، دامت خمسة أيام، تطرقت خلالها إلى عدد من القضايا، من بينها ملف الذاكرة، وحظيت بمتابعة إعلامية واسعة في الجزائر مع انتقادات كثيرة على الجانب الفرنسي.
وفي حديثها، قالت روايال، إن زيارتها إلى الجزائر جاءت بمبادرة منها في إطار مهامها على رأس الجمعية، موضحة أنها لم تطلب القيام بها، بل تم التواصل معها بسبب ما وصفته بصعوبات قائمة في تفعيل الحوار بين البلدين. وذكرت أن جمعية الصداقة الفرنسية-الجزائرية أُسست سنة 1963 مباشرة بعد استقبال الجزائر، بمبادرة من جرمان تيلون وبرعاية الجنرال شارل ديغول، وتهدف إلى تعزيز الحوار والتفاهم والإنصات والبحث عن حلول مستقبلية. وأضافت أنها توجّهت إلى الجزائر “للاستماع والملاحظة ومحاولة البحث عن آفاق للمستقبل”.
وحول الوضع القائم بين البلدين، أشارت روايال إلى أن القطيعة القائمة بين الجزائر وفرنسا، أضرت بجميع أشكال العلاقات بما في ذلك العلاقات الاقتصادية، حيث توقفت صادرات فرنسية في مجالات عدة، منها الزراعة والحبوب وتصدير المواشي، إضافة إلى تراجع العلاقات الدبلوماسية والقنصلية بعد سحب عدد من الموظفين، وهو ما أدى، حسب قولها، إلى إضعاف آليات متابعة ملفات الهجرة.
وفي ردها على سؤال حول تحميل المسؤولية للجزائر أو للدبلوماسية الفرنسية، شددت على أنها لا ترغب في تبني خطاب صدامي، معتبرة أن ذلك لا ينسجم مع دورها، مؤكدة قناعتها بأن البلدين يجمعهما تاريخ مشترك مؤلم، وأن تداعيات الاستعمار، على حد تعبيرها، “لم يُعترف بها بشكل كامل”.
وبخصوص لقائها بالرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، قالت روايال إن جميع الدول الأوروبية، مثل إيطاليا وإسبانيا وألمانيا، تقيم علاقات طبيعية مع الجزائر وتبرم معها شراكات، في حين تبقى فرنسا في وضع استثنائي رغم عمق التاريخ المشترك.
ولفتت السياسية الاشتراكية إلى أن الجزائر تشهد تطورا اقتصاديا ملحوظا، وأنها أصبحت، وفق قولها، تغطي نحو 80 بالمائة من احتياجاتها من الأدوية، كما أنها باتت وجهة استثمارية لعدة دول.
وأشارت إلى أنها لاحظت اهتماما دوليا متزايدا بالاستثمار في الجزائر، من خلال زيارات رفيعة لممثلي دول كبرى في سياق توجهات استثمارية، في وقت تنتظر فيه منظمات أرباب العمل الجزائرية منذ أكثر من عامين زيارة رسمية لوفد من أرباب العمل الفرنسيين.
وفي ما يتعلق بملف الهجرة، قالت روايال إنها طرحت مسألة أوامر مغادرة التراب الفرنسي (OQTF) خلال حديثها مع الرئيس تبون، مشيرة إلى أنه دعا وزير الداخلية الفرنسي إلى زيارة الجزائر، كما كان مقررا سابقا. واعتبرت أن وضع شروط مسبقة (من قبل نونيز) يعكس، حسب تعبيرها، عدم وجود إرادة حقيقية للذهاب نحو الحوار.
وأكدت روايال أنها تعتزم تقديم نصيحة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي طلبت لقاءه، تتمثل، حسب قولها، في القيام بـ”خطوة مصالحة واعتراف”، معتبرة أن الجزائريين لا يطالبون بتعويضات مالية، بل باعتراف رسمي، على غرار ما قامت به دول استعمارية أخرى.
كما دعت إلى إعادة الممتلكات الثقافية التي قالت إنها نهبت خلال الفترة الاستعمارية، ومنها مقتنيات تعود للأمير عبد القادر، ومدفع الجزائر الموجود في فرنسا، إضافة إلى الأرشيف، فضلا عن إعادة الرفات البشرية المحفوظة في المتاحف الفرنسية لدفنها بشكل لائق.
وفي إجابتها على الأسئلة، نفت روايال أن تكون مواقفها مرتبطة بحسابات انتخابية، معتبرة أن الانشغال بالجزائر “غير مربح سياسيا”، مع الإشارة إلى أن الصمت السائد في الطبقة السياسية الفرنسية يعكس، حسب رأيها، نوعا من التردد، في وقت تشهد فيه الجزائر تحولات وشراكات قد تجعل فرنسا، مستقبلا، خارج هذا المسار إذا تأخر التقارب.
يذكر أن سيغولان روايال التقت خلال زيارتها بالصحافي الفرنسي كريستوف غليز المسجون في الجزائر والذي تثير قضيته ردود فعل واسعة في فرنسا. وتعود وقائع قضية الصحفي إلى ماي 2024، حين دخل الجزائر بصفة سائح، قبل أن توقفه السلطات القضائية وتتابعه بتهم تتعلق بـ”تمجيد الإرهاب”، على خلفية اتصالاته بحركة “الماك”، المصنفة كمنظمة إرهابية في الجزائر منذ سنة 2021.
وصدر في حقه حكم ابتدائي بالسجن سبع سنوات في يونيو من العام نفسه، قبل أن تؤيد محكمة الاستئناف الحكم في ديسمبر 2025، ليصبح قابلا للطعن بالنقض أمام المحكمة العليا. وعقب تأييد الحكم، أطلقت عائلة غليز نداء إلى الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون من أجل منحه عفوا رئاسيا، مستندة إلى سوابق عفو، من بينها قضية بوعلام صنصال.
وكانت زيارة روايال قد أثارت حفيظة اليمين الفرنسي الذي يتبنى موقفا عدائيا اتجاه الجزائر. كنا قوبلت ببرود رسمي في باريس ، حيث ذكر الناطق باسم الخارجية في ندوة صحافية بأن رئيسة جمعية فرنسا-الجزائر لم تكن موفدة من قبل السلطات الفرنسية، وأن مبادرتها شخصية.
وتعتبر سيغولان روايال، المرشحة السابقة للانتخابات الرئاسية الفرنسية سنة 2007، من بين الأصوات السياسية الفرنسية التي تدعو إلى إنهاء الأزمة المتواصلة بين الجزائر وفرنسا منذ صيف 2024. وتزامنت زيارتها مع سياق فصل جديد من التوتر أشعله التحقيق التلفزيوني الذي بثته قناة فرانس 2 العمومية الفرنسية، اعتبرته السلطات الجزائرية “مسيئا” لرموز الدولة.