قد يبدو تفصيلاً نافلاً الحديث عن جريمة أو جرائم طبية ارتكبها الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد، إبان فترة مزاولته مهنة طب العيون، منذ تخرجه من جامعة دمشق العام 1988 وحتى 1992 طبيباً في مشفى تشرين العسكري التابع لجيش أبيه آنذاك. فالجرائم التي راكمها فوق جرائم الديكتاتور المؤسس لا تعدّ ولا تحصى. معها تبدو محاولة التمحيص في ارتكاباته الطبية بلا معنى، وقد لا تضيف ثقلاً، اللهم سوى حكم إعدام جديد فوق الخمسمئة حكم إعدام التي يستحقها.
اختار بشار المشفى الأكثر دموية… هذا الذي سيسمّيه السوريون مسلخاً بشرياً، يستقبل السجناء المعذَّبين ليُعذَّبوا من جديد فوق أسرّة العلاج
هذه فرصة لاستكشاف ما الذي كان سيتغير لو أن الابن «الأكثر خجلاً ولطفاً» بين أشقائه بقي طبيباً فقط، وفيما إن كان الإجرام والتوحش قدراً لواحد من أبناء حافظ الأسد. إذ كان الأخير قد لاحظَ أن ابنه الأطول يميل إلى رخاوة فَسَّرَها على أنها طبعٌ رقيقٌ استحق عليه دراسة الطب، ولعل بشار صدّقَ وذهب في الفكرة أبعد حين قرر، كدارس للطب، أنه لا يريد أن يكون على اتصال بالدم. وعلى ما يبدو فقد كان الديكتاتور الأب تأكَّدَ من أن باسل، المتعجرف والعدواني، بحسب ما وُصف هنا وهناك، نازل على نحو قدري فوق كرسي الرئاسة، فيما كان يصعب التكهن بسلوك ماهر، الذي وُصف بالمخيف.
إذن فقد أكمل بشار دراسته لطب العيون، وصحيح أنه الاختصاص الأبعد عن مشاهد الدم، غير أن بشار، عندما أنهى سنوات دراسته، اختار المشفى الأكثر دموية، هذا الذي سيسمى بين السوريين مسلخاً بشرياً، واستقبل السجناء المعذبين، ليعذَّبوا من جديد حتى فوق أسرّة العلاج، بالإضافة إلى أنه كان المحطة الأولى للذين قضوا تحت التعذيب في المعتقلات قبل إرسالهم إلى مقابر جماعية، أو سواها من أمكنة مجهولة. ومن المستبعد أن يكون الطبيب الشاب لا يعرف شيئاً عن ذلك.
في واحدة من تلك السنوات التي عمل فيها بشار في ذلك المشفى العسكري كان أحد أصدقائي من أبناء المخيم على موعد (دون أن يقصد أو يكون له العديد من الخيارات) مع الطبيب الشاب الذي كان قد تخرج منذ عامين فقط.
قال لي إنه كان مستمراً في مراجعة الطبيب شاهين محيثاوي في عيادته الدمشقية، ولأن الصديق الشاب كان يؤدي خدمته الإلزامية في «جيش التحرير الفلسطيني» فقد أحاله الطبيب إلى ذلك المشفى العسكري، وكان يشغل فيه رئيس قسم العينية. قال الشاب لقد حددوا لي موعداً قريباً على الفور.
كان يعاني من توضّع صباغ على الشبكية إثر حادثة بعيدة في الطفولة عولجت على نحو شعبي وخاطئ، وأهملت لسنوات. وكان الحل (على أساس) عملية بسيطة في ذلك المشفى.
وعلى ما يقول اختصاصيون لم تكن هذه المشكلة بحاجة إلى عملية جراحية أساساً، ولو أجريت فسيكون من النادر أن يفقد المرء بصره نهائياً، إلّا بخطأ طبي فادح.
قال الصديق؛ عندما جئت في ذلك النهار أدخلوني إلى غرفة العمليات، أنزلوني من فتحة طاقة صغيرة على شريط كذاك الذي نراه في الأفران (التعبير بحسبه)، أو في المصانع، هابطاً بثوب العمليات. وبالإمكان أن نتخيل هنا إسماعيل ياسين، أو مستر بن، أو شارلي شابلن، من دون تفجّع كبير، فالصديق نفسه يروي ويضحك، بعد أن مرّ على الخسارة 35 عاماً.
بعد التدحرج على الشريط لا يعي العسكري الفلسطيني الشاب شيئاً آخر، لا يأتي على ذكر إبرة البنج، ولا نوع التخدير، ومن قام به، ما يعرفه أن التخدير كان عامّاً غير موضعي.
خرج الشاب من غرفة العمليات «مطمش» العينين (التعبير مستخدم أثناء التحقيق في فروع الأمن وفي مختلف السجون السورية)، وبيده ورقة مختومة توثق تفاصيل العملية ومن أجراها. وهو يتذكر بوضوح إلى الآن صوت الموظف (ربما برتبة مساعد) وهو يزف له ببطء (وربما بحسد) هذه العبارة: «هل تعرف من أجرى لك العملية للتو؟ إنه الملازم أول بشار حافظ الأسد».
أتخيل الآن صديقي الشاب دائخاً آنذاك في ظلمته العميقة، متألماً، ضائعاً بلا مُرافق من عائلته، كل أمنيته أن يسمحوا له بالبقاء في المشفى وقتاً أطول من 24 ساعة المسموح بها، فهو لا يعرف كيف سيتدبر أمر العودة إلى البيت من دون رفيق. قال؛ أوصلني رفاق المهجع إلى الطريق، وُضعتُ في سيارة أجرة، والله وحده يعلم كيف استهديت على الطريق: «يا عالماً بلا صديق، يا عالماً نموتُ فيه في الزفير مرةً، ومرتين في الشهيق»، أظن لسان حاله يردد.
العملية «البسيطة» لم تنجح، وأعاني حتى الآن من تبعاتها. أشعر دائماً أن خيوطاً عالقة مزعجة ومربكة بقلبها. يقول ولد المخيم: «كان عندي نسبة رؤية ضعيفة، وبعد الجراحة باتت صفراً. قال لي محيثاوي (الطبيب الذي أرسلني إلى هناك) الآن عندك استحالة شبكية».
بدل أن يشكّل قَسَم الطب رادعاً أخلاقياً، كان حاضراً في لغة بشار كتأكيد على أن الرجل يتعمّد هندسة الأذى وصناعة الترهيب
لا ندري كم من العمليات «البسيطة» الخائبة أجرى الملازم أول قبل أن يسافر إلى لندن للاختصاص في العام 1992، ليستدعى على عجل بعدها، عندما سيقضي باسل، شقيقه الأكبر، بحادث سير جنوني على طريق المطار، ثم يتبعه أبوه بعد أن يرسي له «حكماً دعائِمُه الجماجمُ والدمُ».
هنا سيقفل الطبيب نهائياً مهنته الأقل اتصالاً بالدم، وقد تنفع عودة الصحافيين والباحثين والكتّاب إلى قسم العينية في ذلك المشفى للبحث عن سيناريوهات أفلام ومسلسلات عن قصص الناس، مرضى العيون، وما يتذكرونه عن عمليات أجراها الملازم أول، حينذاك.
سيقفل، من دون أن ينسى أنه طبيب في الأساس، ولكن بدلاً من أن تكون مهنة الطب وقَسَمُها رادعاً أخلاقياً كانت حاضرة في لغته وخطابه وسلوكه كتأكيد على أن الرجل كان يتقصد هندسة الأذى، وصناعة الترهيب. في خطاباته ذكّرنا بأن تهجير السوريين من البلاد هو نوع من التطهير الذاتي، الجسم حين يتخلص من جراثيمه.
وعملياً، لم يتوقف عن استهداف المشافي، كانت تهمة «مشفى ميداني» من الكبائر، ولطالما استحقت القصف بطيران روسي وسوري بلا رحمة. كذلك تم استهداف الأطباء، أو العاملين في المجال الطبي المساندين للثورة، وثمة الكثير ممن قضوا تحت التعذيب بتهم الإغاثة الطبية، بإنقاذ مصابين، أو إيصال أدوية.
وبدل أن يشكل قَسَم الطب وأخلاقيات المهنة رادعاً، يبدو أن تَمَرُّس الوحش بفقء العيون واستئصال الأبصار جعل لديه من المران ما يعينه على المثابرة بالتوحش، إن كان ضميره يحتاج أصلاً إلى معين.
ربما ينظر الصديق، صاحب الحكاية، إلى خسارته كجزء يسير من ضريبة دفعها عموم السوريين، ومَن في حُكْمهم، وهي بعد هذا العمر حقاً أقل الخسائر إزاء ما سمعنا وقرأنا وشاهدنا، في بلد لم يكتف فيه الطبيب الوحش بـ»عملية بسيطة»، بل بجرائم مرعبة ودم ملأ الآفاق.
* كاتب من أسرة «القدس العربي»