في رواياته «برّ الدناكل» المكوّنة من أربع جزئيات، هي على الترتيب «بائعة الريحان» و«وداعاً صنعاء» و«وجه البورسلان» و«وداعاً عدن»، يعاود الروائي اليمني الغربي عمران طرح مناحيه الفكرية الأثيرة بداية من «مصحف أحمر» إلى لحظته الإبداعية الآنية، وهي مناح مشغولة بالإنسان في مواجهته لحاضره الراكد والثابت، وأيّة مواجهة لهذا الركود والثبات محكوم عليها بالفشل. ففي ظل وجود سلطة تسدل سطوتها من خلال تشكيل نمط حياة البشر بكل تداعياته، فتتحقق الرغبات لكن بوجه مختلف وإحساس مغاير بسبب لذّة الاختلاس التي تتماس مع طبيعة المجتمعات التي لا زالت قبلية منغلقة على ذاتها، لا تستجيب لإطار عام يجمع التباينات، ويوحّد الرؤى والآمال دون النظر إلى اختلاف العرق والمذهب والأيديولوجيا.
فوجود انتماءات أيديولوجية وقبلية في حضور سلطة قامعة يؤدي بالضرورة إلى تهشّم اليسار في مستواه النمطي أو المثالي، فيلح مهزوما في حالي التسامح والصراع، لأنه في كلا الحالين يصبح أهل اليسار أو الحزب الاشتراكي موضع قلق وريبة من الجانبين، فأصحاب الأيديولوجية الدينية لديهم اهتمام بالنصاعة الزائفة غير المتحققة لدى أفراد الحزب الاشتراكي، وأصحاب السلطة لديهم اهتمام بالتسليم التام والانضواء داخل أفق قبلي، وهذا أيضا غير متحقق لدى جماعات اليسار، ومن ثم يطل الهروب كما تجلى مع صفحات الرواية حاضرا وفاعلا مع بطل الرواية شنّوق.
الرواية بكل ما فيها من لهاث البطل، ومن تجاوب معه من شخصيات، وهروبه المستمر، وخوفه وظلمته المحيطة، قد تكون رمزا كاشفا عن وضع وطبيعة التفكير المغاير الباحث عن مقاربة جديدة للحياة أو الوجود، مقاربة ترتبط بالعقل والتحلل من النمطي والموروث والقبلي، فموت والده الذي أسس لديه التفكير والرؤية المغايرة على يد جنود صالح، أو موت ابنه الكبير وهو يقاتل باسم الله بعد أن باعه الشيخ معلم الصبية في القرية، وموت صديقه قانح في حربه ضد الأيديولوجية المذهبية الدينية المهيمنة، يشير إلى دلالة إن لم تكن مرتبطة بموت ونهاية هذا التوجه العقلي، فهي – على الأقل- تشير إلى الاضمحلال وتلاشي الأثر.
فمسار وسطوة الأيديولوجيا الدينية من المسارات المكونة للعمل، خاصة بعد إلماح الرواية من البداية إلى وجود (الشريفة) آية، ونسبها بالرسول الكريم، ليبدأ المتلقي في افتراض وجود هذا المنحى، ولكن تتأكد مشروعية وجوده في مشهد تاج الدين نجل طهناس، حيث تطل لافتات مكتوب عليها (لبيك يا حسين)، بالإضافة إلى النعوش المغطاة بالرايات الخضراء. لدى الغربي عمران رؤية قديمة وواضحة تجاه هذه التجمعات أو الأحزاب الدينية أو السلالية، ولديه شكّ واضح يتجلى في اختياراته وتحبيكاته السردية، مثل حديثه عن أنصار الله، أو حديثه عن المرأة/ الشيخة التي تستقبل البنات والنساء إلى طريق الله، فيقول على لسان غزال التي عاشت فترة زمنية في كنفها: (كان الظاهر عكس الباطن، فتلك الدروس تعدّ البنات لمآرب غامضة، وجوه تختفي وأخرى تظهر، وذلك الحضور كان فيه المصرية والشامية والسودانية).
يتحوّل برّ الدناكل الذي لم يرد في الرواية إلا في صفحاتها الأخيرة من خلال سطر أو سطرين، إلى أمل متعال، يمثل الوصول إليه وصولا للأمان، في ظلّ هذه السياقات المتناحرة، فهذا البرّ المقابل للبرّ العربي، يوجد في أثيوبيا وإريتريا وجيبوتي، ونسق الرحلة دائما يتمّ منه إلى البرّ العربي، فكأن الرواية هنا تصفي فكرتها من خلال الوداعين (وداعا صنعاء- ووداعا عدن).
استراتيجيات الصراع وأزمة اليسار
تبدأ الرواية كاشفة بالتدريج عن شنوّق الذي يعيش في دار الشريفة زوجة صديقه إمام المسجد طنهاس، وقد شكّلت الرواية شخصية شنوّق من خلال بنية خاصة قائمة على تقتير الخلفيات المعرفية والسياقية التي أدت به إلى حاله العجيبة في بداية الرواية وصولا إلى حال الابتعاد ومحاولة الرحلة إلى برّ الدناكل في نهايتها. فهناك صفات تمّ إسدالها في البداية تدفع للاستغراب والدهشة والإغواء بالمتابعة والكشف لشخص يعيش (عاريا) في بيته دائما، وكأن العريّ معادل للحرية التي علمته إياها البندرية في رحلتها في تأسيس مغايرتها في الحياة والوجود.
هناك دوال عديدة تؤسس وجودها في تشكيل شخصية شنوّق، منها الظلمة أو السواد، فاللون الأسود له وجود محوري في الرواية، فهو غالبا يقضي ليله خلف نافذته في ظلمة حالكة، ومنها الصمت فهو دائما ما يفشل في الحكي، وكأن في الحكي المباشر وجها لوجه نوعا من الضعف، ولكنه يكشف عن نفسه من خلال رسائل الماسينجر المتبادلة بينه وبين غزال، وبينه وبين البندرية، وأخيرا بينه وبين أروى. من خلال هذه الرسائل نستطيع تنضيد ملامح الشخصية في تشكيلها وانتمائها المحبوس بالخوف، وينتفي دال الصمت، وتتكشف الشخصية في ماضيها الاشتراكي، فقد تم سجنه مرتين، بعد مقتل والده الذي كان من مناضلي الحزب الاشتراكي الكبار، يقول: (خلال تلك التحقيقات طالبوني بتسليم ما تركه والدي من وثائق الجبهة الوطنية، وبالذات سجلات أعضاء الجبهة).
وإن كان التحزّب الديني أو المذهبي له أثر في مطاردة الفكر اليساري والعمل على انكماشه وتشريد من ينتسبون إليه، وفي اختفاء زوج الشريفة طنهاس، والقضاء على الفرانصي ممثل السلطة وعينها، فإن هناك سياقا آخر لا يقلّ أثرا في تحجيم اليسار وتقويض مشروعية وجوده، وهذا السياق يتمثل في السلطة بعسسها الرسميين والمتطوعيين، فأي سلطة تتدثر بأساليب ووسائل تتيح لها التجسس على البشر، يتجلى ذلك في مشهد دفن تاج الدين في لقاء عيني شنوّق بعيني الفرانصي ممثل السلطة بزيه المغاير: (فجأة التقت عينا شنوّق بعيني الفرانصي، انتابته رعشة، فكّر في العودة من حيث أتى).
في ظل هذا الوجود الثنائي الحدي يصبح وجود اليسار وجودا هامشيا، يؤيد ذلك أن كل الشخصيات التي ظهرت مؤمنة بهذه المبادئ من خلال حركتها قسرا أو طواعية في تحبيكها السردي انتهت نهاية تكشف عن المرض، فإيمان شنوّق – من خلال إرثه الثقافي والعائلي عن والده – بهذه المبادئ لم يؤد به إلى حياة أفضل، بل ظل على العكس في إطار الاستهداف من جانبي الانتماء المذهبي والانتماء السياسي السائد من خلال السلطة المستبدة التي ترى في كل رأي مغاير زعزعة لرسوخها.
البناء السردي وتقنيات المراجعة
البناء السردي في رواية «بر الدناكل» ليس سردا أحاديا تصاعديا، ولكنه سرد متقطع بين حركة للأمام وإن كانت بطيئة، وحركة للخلف من خلال آليات محددة، مثل الحكي بين الشخصيات والاسترجاع، وتقنية رسائل الماسينجر التي تكشف من خلاله عن ماض بعيد بوعي آني. وهذا النمط السردي يغيّب المركزية السردية، ويفتح الرواية على بعد حجاجي بين الشخصيات وبين كل شخصية وذاتها أو وعيها القديم لحظة المعايشة والمرور بالتجربة، ويجعل وجهات النظر المتباينة تتجلى بتعدد الشخصيات، وتعدد الأيديولوجيات.
وثمة تقنية بنائية كان لها كبير الأثر في تجذير الرواية في نسق المراجعة والحجاج للخيارات والسلوك والانتماء، ليتجلى شكليا من خلال العورات والثقوب التي تظهر. جاء الترتيب الذي يبدأ من الفصل (54) إلى الفصل الأخير (1) معكوسا وغريبا، ويمكن أن يكون الرقم الأول مرتبطا بعمر شنوّق، فيصبح مقصودا ومبررا فنيا. بهذا الوعي المغاير يتولّد التفتيت، وينتفي الاستقرار، ويتحول السرد من بنية أحادية ذات مركز إلى بنية متشظية تتباين منعطفاتها ووجهات النظر التي تشكلها. وإذا كانت الآلية الكبرى والأساسية في السرد تعتمد على الراوي العليم الذي يمثل معادل وحدة وسيطرة وسيادة، فإن هذه الوحدة السردية تعرضت للتفتيت من خلال الآليات التي تمارس دورها في تفتيت تلك الوحدة لتضعنا وجها لوجه أمام بنية متشظية للعوالم الداخلية للشخصيات، فكأن هذا الاستقرار أو الاستواء شكلي، فالاستقرار لا يكشف إلا عن حركة دائمة، يعمل خطاب كل شخصية فيها ضد خطاب الشخصية الأخرى.
فبناء الرواية في جزء كبير منها يعتمد تقنية الرسائل الخاصة بالماسينجر الذي يقوّض هذه الوحدة، ويهشم واحدية وجهة النظر، فمقاربة الحوادث متباينة بين شخصيتي شنوّق والبندرية. فأهمية السرد القائم على رسائل الماسينجر تتمثل في بتر خطية السرد، ويحيل حركة السردي إلى ثبات تأملي يعيد مراجعة ومقاربة الخيارات الماضية وأثرها. فالماضي في فعل التذكر – فضلا عن منطق الكشف وإتمام العناصر الغائبة – يوضع في إطار جدلي، نتيجة لتغيير المركز، وفي إطار لحظي لا يستقيم له نمو أو اكتمال نهائي في نسق فردي معهود، فكل نمو أو تبرير او تفسير لحدث أو لخيار من كل شخصية يقابله تعطيل وتقليم وتهشيم، ليظهر نمو جديد، لا يحمل مركزية أو ثباتا أو تشكلا واستمرارا كاملين، لأنه في معرض دائم للمعوّل الذي تحمله الشخصية المقابلة بوجهة نظرها.
في نص رواية «برّ الدناكل» يجد القارئ نفسه أمام صور لثلاث نساء، تمثل كل واحدة منهن حالة مغايرة لإطار أكبر في كل مرحلة زمنية، فالبندرية تأتي مصورة صورة لانعكاسات اليسار في مرحلة زمنية تمتد إلى حرب 1994، حيث تعرفت في رحلتها إلى صنعاء إلى عسكري أمن جعلها عينا تقدم التقارير عن المدرسين والدارسين في المعهد الأمريكي لتعليم اللغة الانجليزية، ثم عن الزملاء والأساتذة في كلية الطب بعد أن التحقت بها بفضل الأمن، ثم عن المنظمة الأجنبية لرعاية الطفولة والأمومة، وعلى السائق شنوّق نفسه، ليتأكد أن جزءا مما لحق به كان بسببها. بينما تأتي غزال في ظلّ وجود شخصية ثابتة مندمجة معها، وتؤسس من خلال هذا الاندماج صورة كاشفة عن اليسار وفاعليته، ينضوي في إطارها الجميع، ممثلة للحظة آنية، فكأن الرواية من خلال تقنيات المراجعة تضع هذه المرحلة داخل حيز الصمت والانزواء، وعدم القدرة على الفعل، والاستمرار في ظلمة مطبقة، كشف عنها التحبيك السردي لشخصية شنوّق في بداية الرواية.
في رواية الغربي عمران هناك اشتغال من خلال آليات بنائية محددة، لتؤسس قيمة المراجعة لخيارات الماضي، ومعاينة تشكلات حجم التباين لتجليات اليسار من فترة إلى أخرى، وبدون استحضار قيمة المراجعة المستندة إلى تقنيات بنائية تتفلت من الرؤية المؤسسة المتسقة مثل البناء القائم على التذكر وارتداده إلى الماضي، وما يشيعه في النص من وجود رؤية جدلية بوجود وعيين، وعي آني يقرأ الوعي السابق، وتقنية الرسائل في سياقها الجدلي التأملي، ما ظهر للقارئ ذلك التفسخ وتلك الثقوب المرتبطة بشخصيات في إطار يساري قديم وآني، مثل كون البندرية عينا على زملاء، وعلى البطل الأساسي في نص الرواية، أو كون البطل مشدودا لنسق ريفي لا يجاوزه إلى وعي حاد بالقيم والمبادئ الاشتراكية.
الغربي عمران: «برّ الدناكل»
نوفل، بيروت 2021
300 صفحة.