“النووي السعودي”.. من مشروع وطني إلى صيغة إقليمية تحت الرقابة

حجم الخط
0

يوئيل جوجانسكي

ولي عهد السعودية محمد بن سلمان عاد من زيارته الأخيرة لواشنطن مع تحقيق نصف غاياته. السعودية والولايات المتحدة لم توقعا على اتفاق التعاون النووي، والسبب تصميم السعودية على تخصيب اليورانيوم على أراضيها. هذا الطلب مناقض لتشريع أمريكي يحظر تخصيب اليورانيوم ومعالجة البلوتونيوم في الدول التي تحصل على المساعدة الأمريكية في مجال الذرة. ولكن السؤال الحقيقي ليس إذا كانت السعودية ستنجح في التقدم في المسار النووي، بل كيف يمكن القيام بهذه العملية بدون إشعال سباق تسلح نووي إقليمي.

معارضة إسرائيل لإقامة بنية تحتية نووية مدنية في السعودية ليست منطقية؛ الخيول هربت في السابق من الإسطبل. فالسعودية بدأت بالفعل في استخراج اليورانيوم، وبنت مفاعل أبحاث، وتستعد لبناء محطات طاقة نووية، وتستثمر في تدريب طواقم متخصصة لتشغيلها، وتقوم بإجراءات أخرى. ولكنها تمتنع عن توقيع “البروتوكول الإضافي” للوكالة الدولية للطاقة النووية، لذلك فإن نواياها في هذا المجال مثيرة للقلق. وقد ازداد هذا القلق في أيلول بعد توقيع السعودية على اتفاق دفاع مع الباكستان النووية، التي تنطوي على قدر من الغموض أكثر مما هو معلن.

السعودية والولايات المتحدة لم توقعا على اتفاق التعاون النووي، والسبب تصميم السعودية على تخصيب اليورانيوم على أراضيها

الموافقة الأمريكية – الإسرائيلية على تخصيب اليورانيوم بأيدي السعوديين ستكون سابقة خطيرة. ففي عهد الإدارة الأمريكية السابقة برئاسة جو بايدن، ظهرت تقارير تفيد بحدوث ذلك بالفعل. وقد تفتح هذه الخطوة الباب أمام سباق تسلح نووي في الشرق الأوسط. فقد تطالب تركيا ومصر، وحتى الإمارات، بحق مشابه، وستحصل إيران على مبرر إضافي لتوسيع نشاطاتها. وبسبب افتقار السعودية للشفافية في المجال النووي، فإن بناء منشأة تخصيب في المملكة، حتى لو كان ذلك تحت الرقابة، ينطوي على خطر تحويلها إلى منشأة عسكرية في المستقبل، أو تأميمها في حالة نشوب أزمة.

كيف يمكن إذاً الخروج من هذا الطريق المسدود؟ يمكن تحويل قضية التخصيب من مشروع وطني سعودي إلى إطار إقليمي، على شاكلة إقامة بنك وقود نووي في السعودية. بنك تقوده الولايات المتحدة، ويعمل تحت رقابة وثيقة من قبل الوكالة الدولية للطاقة النووية. هذا البنك سيخدم دول المنطقة الموقعة على ميثاق عدم انتشار السلاح النووي. مثل هذه المنشأة تعمل الآن بنجاح في كازاخستان.

هذه الميزة النووية المحدودة ستعطى للسعودية كمقابل استراتيجي، وستكون مشروطة بتطبيع العلاقات مع إسرائيل. وهكذا سيكون بالإمكان ترجمة تنازل نووي متحكم به إلى مكسب سياسي وأمني واسع النطاق، يتمثل في تعزيز اتفاق تطبيع إقليمي، والحد من اخطار انتشار النووي. أيضاً انشاء بنك إقليمي للوقود النووي يمكنه ان يقلل رغبة الدول الأخرى في تطوير مشاريعها النووية، وبالتالي، التقليل من خطر الانتشار النووي. هذا الإطار يمكنه أيضاً تعميق الرقابة الأمريكية على ما يحدث في المجال النووي في السعودية، وان يحد من أي توغل صيني محتمل.

بنك الوقود النووي سيمنح السعودية المكانة والهيبة المصاحبة للإنجازات في هذا المجال، وسيقلل من سعيها إلى تحقيق توازن نووي وحدها مع إيران. تفضل إسرائيل والولايات المتحدة شرعية محدودة وخاضعة للرقابة ومشروطة على دفع السعودية نحو مسارات مستقلة وأقل شفافية.

المعضلة لا تكمن في الاختيار بين الموافقة أو الرفض لتخصيب اليورانيوم في السعودية، بل بين التخصيب غير المقيد والتخصيب الإقليمي الخاضع للرقابة، والمدمج في عملية سياسية شاملة. إن إقامة بنك إقليمي للوقود النووي في السعودية كميزة مشروطة بالتطبيع مع إسرائيل وبرقابة دولية محكمة، ليست الحل المثالي، لكنها تمثل مساراً واقعياً. هذه خطوة تتيح استمرار الرقابة والتأثير وحماية المصالح الاستراتيجية الحيوية وتحويل نقطة خطر نووي إلى فرصة سياسية إقليمية.

 هآرتس 21/12/2025

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية