هل ثمة من يجد نفسه معنياً اليوم بمزاولة النقد الذاتي بعد وقف إطلاق النار في غزة؟
بعد الهزيمة العربية في حرب الأيام الستة عام 1967 انوجد هذا النقد الذاتي، الذي لم ينحصر بكتاب «النقد الذاتي بعد الهزيمة» لصادق جلال العظم، و«الهزيمة والأيديولوجيا المهزومة» لياسين الحافظ. لكن النقد لم يكن «ذاتياً» تماماً، بمعنى أن القوى المسؤولة بشكل حثيث عن الهزيمة ومجموعة الأفكار والخيارات والحسابات المفضية إليها لم تكن هي من مارس فعل النقد، أو لم تخض فيه إلا بما قلّ ودلّ وبهت منه، أو ارتشفته من قبيل «رفع العتب» والتخفف من تحمل الوزر الأكبر من المسؤولية والاكتفاء بتحمل ما هو طفيف وبلا طائل، عزفاً على منوال «نحن هزمنا ولكن». وهذه تخريجةِ كثيرا ما تكون تتمتها: «نحن هزمنا، لكن… لم نهزم حقاً». لم نرسب. هو فقط امتحان تكميلي.
يبقى أنه عام 67 ولو سميت نكسة، تلطيفا للهزيمة، إلا أن المكابرة على واقعة الهزيمة كان أصعب، لأنها جاءت خاطفة، وبخارطة احتلت فيها إسرائيل أضعاف ما كانت عليه من مساحة في أيام معدودات، وأمام مجموعة بلدان، في طليعتها مصر، مركز العالم العربي وأكبر بلدان العرب من حيث عدد السكان، وفي مرحلة كانت تمثل فيها التجربة الناصرية محوراً وجدانياً لشعوب المنطقة وحلقة متقدمة من آمال العالم الثالث في التحرر الوطني والتقدم الاجتماعي وإيجاد ثقل «جنوبي عالمي» رغم كل تعقيدات الحرب الباردة.
تختلف الحال اليوم. بعد عامين على السابع من أكتوبر وحرب الإبادة وما اتصل بها من حرب إسناد ثم إطباق في لبنان ومن صواريخ الحوثيين والردود عليها.
دعك من أحاديث الانتصار اليوم في المعترك «التقاطعي» بين الممانعين والإسلاميين. ما يعترض اليوم سبيل وعي الهزيمة الحضارية يتجاوز مزاولة خطاب الانتصاروية بمسوغ ومن دون مسوغ. الكارثة نفسها هي التي تزج بنفسها لإخفاء الهزيمة الحضارية. للإيحاء بأنها قدر. بأنها منعرج ما كان من سبيل لتفاديه، وأنه ما كان بالإمكان أفضل مما كان. النقد الذاتي بعد هزيمة خاطفة كما حصل بعد 5 يونيو 67 أسهل أن يطالب به المرء من النقد الذاتي بعد… الكارثة. أما شرط النقد الذاتي هنا فيتعلق بفهم الكارثة من حيث هي هزيمة حضارية من دون أن يقلل هذا من الطابع الإجرامي لحرب الإبادة في شيء.
النقد الذاتي هذه المرة أصعب. لأنه لا يكون إلا بشرط أن يطاول كامل المنظار الذي على أساسه خيض الصراع مع إسرائيل، في شتى مراحله السابقة، وصولا إلى لحظة السابع من أكتوبر وما تلته من حرب إبادة، فيجري التحرّي عن موقع الحاضر والمستقبل من هذا المنظار وسؤال الكلفة والجدوى، وعن صالح العدد الأكبر من السكان ومآل العمران في «مجتمعات» المنطقة.
أما شرط النقد الذاتي هنا فيتعلق بفهم الكارثة من حيث هي هزيمة حضارية من دون أن يقلل هذا من الطابع الإجرامي لحرب الإبادة في شيء
البشر مزاجيون. في الوقت نفسه تبديل مواقفهم من أعقد وأصعب المسائل. منهم من يعدّل على موقفه ويصرّ بأنه ما زال على ذات الموقف هو هو. ومنهم من يدعي حيوية تغييرية قد تقتصر في واقع الحال على زخارف الخطاب. وسط هذه المزاجية، وسط هذه المكابرة والمراوحة، أنى للنقد الذاتي أن يحضر، والأهم، أنى للنقد أن يكون ذاتيا؟ حتى عام 67: صحيح أن المسؤول الأول عن هندسة المواجهة لدى العرب، جمال عبد الناصر، أقر بالهزيمة، في خطاب التنحي، إنما بالشكل الذي يفتح الباب رأساً أمام عملية التخفف من الثقل الحضاري للهزيمة، إلا أن من قام بالنقد الذاتي لاحقا لم تكن القوى التي قادت عملية المواجهة، وإنما أفراد على هامش المواجهة، تطوعوا إذا لتقديم «النقد الذاتي بالوكالة»، «النقد الذاتي بالإعارة». هذا النوع بالتحديد من النقد الذاتي ما عاد مجديا اليوم. بالتالي، إذا كانت القوى التي تصدرت مشهد الصراع الإقليمي في العقود الأخيرة غير قادرة، بأي شكل كان، على النقد الذاتي، ولا يبدو أنها قادرة، وتكتفي بدلا من ذلك في أحسن الحالات بالمراجعة اللوجستية، وإعادة التقييم، أو تعفي نفسها من المسؤولية وتحملها في نهاية المطاف للغيب، عندها لا يعود النقد الحضاري الضروري للواقع الكارثي الحالي يمكنه أن يسلك مسلك «النقد الذاتي».
في مقال الأيديولوجيات الدنيوية، الاشتراكية والقومية، كثيرا ما كان يحضر «النقد الذاتي» كمقولة، إنما لتصفية الحسابات على أرضيته، طمعا في إعادة إنتاج السردية ذاتها على حساب من لم يعودوا أهلا لتمثيل السردية وإذاعتها. هكذا حضر النقد الذاتي… الإملائي.. الذي يجبر بها الغالب المغلوب ضمن الحزب الواحد. مثلا. كثيرا ما بدت الأمور هكذا. إما نقد ذاتي «طفيف» للتهوين من أمر انهيار ما، وإما نقد ذاتي «عنيف» يتيح «للحزب أن يقوى بتطهير نفسه» ويجعل الأحزاب المقتبسة من «النمط اللينيني للتنظيم»، دون الروح اللينينية، هياكل من السادو-مازوشية بين الرفاق.
لكن، ماذا عن الإسلاميين؟ أقله تجربة مختلفة. لا تشبه المتواتر من «نقد ذاتي»شيوعي وقومي. لكن هل تتضمن تجربة الإسلاميين نقدا ذاتيا يفتح على النقد الحضاري؟ قلما حدث ذلك. هذا إن حدث. هناك مراجعات تقنية، إدارية. تقتصر على ملاحظة مقدار التكيف أو عدم التكيف مع الظروف. مقدار التحسب. إنما، أبعد من هذا؟ شيء من الاستتابة الذهنية؟ من الاعتراف بأن هناك منطلقات أساسية ينبغي أن يطاولها النقد عندما تكون الكارثة بهذا الحجم؟
قام رهان قبل عامين على أن إسرائيل ستقع في حيص بيص. فمن جهة عدد قتلى مرتفع، ومن جهة عدد أسرى مرتفع. فلا تعود إسرائيل تعرف ماذا تريد. الثأر لقتلاها أو التفاوض على أسراها. أما حماس فتدمج بين مشهدية «تحريرها بدأ» وبين مطلبية «تصفير السجون». تضرب عدوها في نخاعه الشوكي وتراهن على البراغماتية في نفس الوقت، لكن…
لم تقع إسرائيل في حيص بيص. شخصية نتنياهو لعبت دورا هنا أيضا. وإن كان موضوع لماذا لم تقع إسرائيل في حيص بيص وقتها، ومن وقتها، بإعطاء الأولوية للتدمير وليس لتحرير الأسرى يحتاج لمقاربة هيكلية، وليست مرتبطة بنتنياهو كشخص أو حتى كليكود. لم تقع إسرائيل بحيص بيص لأسباب أخرى. هي نفسها الأسباب التي تميزها عن أي مجتمع استيطاني كولونيالي في التاريخ الحديث. لأن الامور بصددها تفترض مقاربة جدلية: لا تختزل كل شيء في الواقعة الكولونيالية التأسيسية ولا تكابر على هذه الواقعة أو تعتبرها ماضيا فقط.
لأجل ذلك، وطالما لم يصل النقد لهذا النوع من المشكلات، سوف نبقى نمنع نفسنا عنه بحجة أن لا تنتصر علينا الانهزامية.. من بعد الكارثة.
كاتب من لبنان