النقد الأدبي بين المنهجية والممارسة النصية

عادل ضرغام
حجم الخط
1

لعل أهم سؤال يؤرق الناقد الأدبي خاصة إذا كان صادقا مع نفسه سؤال المنهج، ويتجلى القلق في السؤال التالي: كيف ندرس النص الأدبي؟ والإجابة عن هذا السؤال تختلف بالضرورة طبقا لطبيعة الوعي بوظيفة الناقد الأدبي، هل تقف عند حدود الوساطة بين القارئ والنص أم تتعاظم على حدود تلك الوساطة محاولة بناء إطار معرفي يتجاور مع أفق النص ويحاول أن يكون سابقا عليه. فمحاولة التعاظم التي ترتبط بإسدال إطار معرفي سابق على النص تحمل في طياتها بعضا من التعالي، وكأن الارتباط بمقاربة النصوص رجوع عن الهيمنة وعن الصورة المرسومة للناقد الذي لا يكتفي بدور تفسيري، فأي متأمل للأسماء الكبيرة المؤسسة في مجال النقد الأدبي سيدرك بسهولة هذه الصورة لبعض الأشخاص الذين حاولوا ترسيخ ملامحها، والعمل عليها لتشكيل ملامح فارقة، لا تقنع بهذا الدور التفسيري، طمعا في الجمع بين الإبداع والتفسير وتشكيل حضور مزدوج في ظل حضور فكرة مقررة في الدرس الأدبي، تعطي الحضور اللافت لمحاولة التسامي التي أشرنا إليها.
والنظرة المتأنية لفترات الفاعلية لدور الناقد الأدبي، الكاشفة عن وظيفة الوسيط بين القارئ والنص الأدبي لا تظهر – لو استعرضنا بعض التجارب النقدية الممتدة في بدايات القرن الماضي – على هيئة واحدة، فطه حسين ورفاقه على سبيل المثال يقدمون شرحا للمعاني إلى القارئ، ولكن ذلك الشرح أو التفسير-على حد تعبير أحد النقاد- محدود بجزئيتي الصواب والخطأ، والمحمود والمذموم، دون اهتمام كبير بالقيم الجمالية المرافقة لعملية إنتاج المعنى والمضامين.
والمتأمل للمناهج السياقية (الخارجية) يدرك أنها تشكل مرايا معرفية تطل من خلالها على اكتناه المشهد وعيا للمحيط، الذي تتحرك فيه أدبية الأدب. وبداية من استخدام هذه المناهج ظهرت سمات العنف في التعامل مع النص، ذلك العنف الذي دفع بعض الباحثين في عقد مشابهة بين ما يقوم به النقاد من إسدال رؤية جاهزة على النص، وما كان يقوم به بروكست قاطع الطريق، مع أناس وعدهم بالضيافة وقطع أرجلهم وشدها، لكي تتناسب مع ما لديه من أسرّة. فالناقد الذي يطبق معياره المنهجي الجاهز ليس بناقد مبدع، وإنما شبيه إلى حد ما ببروكست بمنهجه القائم على معالجة كل المرضى بدواء وحيد، وإن كان لا يناسبه.
وكرد فعل على هذه المناهج السياقية الأيديولوجية، جاءت المناهج التي اصطلح على تسميتها باسم (المناهج الداخلية)، لتكشف عن محاولة إقامة دوائر نقدية مرتبطة بالنص ذاته، كاشفة عن البنية المهيمنة في حضورها وغيابها، فإذا كان النقد- كما يقول نادر كاظم- في يوم من الأيام أيديولوجيا محضا، إلا أنه أصبح اليوم وكرد فعل على ذلك شكليا محضا، وأصبحت هذه الشكلانية بمثابة متطلب أساسي من متطلبات علمية النقد وانضباطه المنهجي، وصرامته وموضوعيته.
إن هذه المناهج التي تفترض العلمية، بداية من الشكلية الروسية والنقد الجديد، مرورا بالبنيوية تحاول تخليص الممارسة النقدية من الشوائب العالقة بالطبيعة الأدبية والجمالية للنصوص الأدبية، وذلك من خلال غض الطرف عن كل الاهتمامات الخاصة بالظروف والمؤثرات الاجتماعية والسياسية. لقد فقد النقد الأدبي مع هذه المناهج القدرة على التدخل والاشتباك مع الخارج الحياتي، سواء أكان اجتماعيا أم سياسيا، وبدأ الاشتغال على موضوعه الأساس، وهو الأدب، وبنيته النصية كاشفا عن ضروب ترابطها وتكونها، وارتباطها بالنمطي، وابتعادها عن هذا النمطي في تجليها الإبداعي.
تعرض النقد في ظل سيطرة التوجه شبه العلمي على النقد، وارتباطه بالمناهج الداخلية – كما يقول تودروف – لاختزال عبثي، بعد أن صار النقاد يتعاملون مع أدواتهم ومناهجهم التحليلية على أنها غاية بحد ذاتها، لا مجرد وسيلة من بين وسائل أخرى عديدة لفهم الأعمال الأدبية، بحكم طبيعة النقد الانضباطية، وخضوعه لسيطرة المؤسسة وأغراضها.
إن هذه الفترة هي الأكثر خصبا في تاريخ النقد العربي المعاصر، فقد شهدت فورة التجريب المنهجي، كما عرفت – على حد تعبير سعيد يقطين – مشاريع نقدية كبرى، كتلك المتصلة بالتراث السردي، استنادا إلى نتائج الأسلوبيات والتأويل، أو نقد التمركز الذكوري في الثقافة العربية ارتكازا على منجزات النقد الثقافي.

المناهج النقدية تجاور أم تعاقب

إن النظرة المتأملة إلى التوجهات المنهجية السابقة، وهي مناهج متعاقبة زمنيا للوهلة الأولى، تثبت أن بينها بالضرورة مساحات كبيرة من الاختلاف، وأن بينها أيضا مساحات من التشابه، وأن بينها حضورا دوريا لبعض هذه المناهج في أشكال مختلفة وبتجليات مختلفة تشير إلى أهمية طرح بعض الأسئلة.هل تلغي هذه المناهج بعضها بعضا؟ أم أن هذه المناهج تتجاور فيما بينها، ويتم تطبيقها بدون وعي من الناقد الأدبي؟ وإذا كانت تتجاور هل هي دعوة للتوفيق؟
البنيوية تنظر إلى النص على أنه وثيقة لغوية مغلقة ومكتفية بذاتها، بينما تذهب مناهج النقد الثقافي إلى معاينة الأنساق السوسيوثقافية على حساب أدبية النص.فأحادية الجانب الذي يقف عنده توجه منهجي معين، تشير إلى نقص ما في جانب، وإلى حاجة ملحة لاستخدام إجراءات مناهج أخرى مترسبة في الذاكرة النقدية للباحث، وهذا يجعلنا نشير- كما يشير بسام قطوس-إلى أن المناهج الحديثة لا تلغي المناهج القديمة، كما أن المناهج الأحدث لا تلغي الحديثة، فالمناهج لا تموت، ولكن يتم تجاوزها، وتنبعث في مناهج أخرى.
وهنا قد يلح علي الذهن سؤال: هل هذا التجاور يكشف عن تعدد منهجي أم عن تعدد في استخدام الإجراءات التي قد تنتمي إلي مناهج متجاوبة أو متباينة؟ خاصة إذا أدركنا أن هذه المناهج لها حدود سواء أكانت حدودا زمانية أم حدودا إجرائية، ولكل منها جانب قوة، وجوانب قصور تتمثل في آثار سلبية ناتجة عن إهمال ما، أو ناتجة عن تركيز ما، وربما يفسر هذا القصور طبيعة التحول والانتقال إلي منهج آخر.
فالتعدد الذي نمارسه في النقد الأدبي، هو تعدد ناتج ومرتبط بالخبرة المنهجية، ويتمثل في التعدد المرتبط بالإجراءات التي لها قدرة على الاستمرار والوجود، وقد يستند هذا التعدد في وجه من وجوهه العديدة بفكرة الممارسة النقدية المستندة إلى النقد التطبيقي. فهذه الممارسة تكشف عن الآلية التي يتم من خلالها تحويل إجراءات منهج محدد إلى فاعلية قراءة، ومن خلالها يتم الاستناد إلى العنصر الفاعل، الذي يأتي بوصفه خيطا تتشكل الجماليات الفنية حوله، ويرصد الناقد من خلال هذا العنصر الفاعل فاعلية الاضطراد والانتظام، وفاعلية كسر هذا الاضطراد.

المنهج والممارسة النقدية

السؤال الملح لأي ناقد أدبي: ماذا يفعل الناقد عندما يراد منه الاشتغال التطبيقي على نص ما؟ هل عليه أن يتبنى منهجا دون سواه، ليكون بمثابة البوصلة التي يهتدي بها أم أنه يدخل إلى النص عاريا من أي منهجية مسبقة، بانتظار إشارات النص ذاته؟ والسؤال السابق يمكن أن يطرح بشكل آخر-كما يقول سعيد يقطين – هل النص الأدبي هو الذي يفرض علينا المنهج الذي بواسطته تتعامل معه ؟ أم أن تصورنا المشكل عن الأدب في ضوء تصورات أخرى متصلة بالإنسان هوا الذي بواسطته ندخل عالم النص؟
إن الإجابة عن الأسئلة السابقة ليست سهلة، لأننا لو تبنينا منهجا دون سواه يخشى الوقوع في جاهزية النسق والإطار، ومن ثم يؤدي ذلك إلى ممارسة العنف، ولو دخلنا النص مبتعدين عن أي منهجية، يخشى ضياع المنهج المعرفي الذي ننتظره والوقوع في قبضة الانطباع المباشر.
الممارسة النقدية ليست منهجا نقديا، وإن كانت تستند إلى آلياته وإجراءاته، فهي تزيد على المنهج بالمرونة في التعامل مع النصوص، فتطبيق آليات المنهج بحذافيره، ربما لا تكون مجدية في نهاية الأمر في الوصول إلى نتائج علمية كاشفة من جانب، ومن جانب آخر لن تكون مجدية في بناء إطار معرفي قائم على الاختلاف أو التشابه بين الشعراء أو الروائيين محل الدراسة. إن تطبيق آليات منهج جينيت في دراسة البنية السردية دون محاولة التعاظم على هذا المنهج بحذافيره لن تجعلنا قريبين من روائي محدد، لأن إجراءات هذا المنهج قائمة على مقاربة المتاح أو المتشابه بين الروائيين، ومن ثم لن يزودنا في النهاية بمعرفة أكثر قيمة عن روائي محدد، بل وتجعل المقاربة في ذلك السياق ثابتة، ومن ثم فنحن بحاجة إلى التماس تطويع هذه الإجراءات واجتراح فاعليتها في حدود الحركة الدائمة بين ثقافة الناقد ومعطيات النص الأدبي في تجليه المباشر والعميق، فالحركة الدائمة بين ما يتيحه النص من إشارات وما يختزنه الناقد من ثقافة وتجارب إنسانية لا تحصى ربما تكون الأساس الحقيقي الذي يستند إليه أي إجراء منهجي حتى لا نقع في قبضة الانطباع المباشر.
ومن هنا تأتي قيمة الممارسة النقدية، لأنها تختلف باختلاف الناقد، وباختلاف ثقافته، فهي تقيم أو توجد تعددا لأشكال التجليات المنهجية لمنهج نقدي واحد في التعامل مع النصوص. وربما كان من الصواب أن نشير إلى أن هذه الممارسة النقدية لا توجد تعددا منهجيا بقدر فاعليتها وارتباطها بتعدد إجراءات منهجية يتم الارتكان إليها واستخدامها. والناقد حين يستند إلى هذه التعدد في الإجراءات المنهجية، قد لا يكون مدركا لهذا التعدد أو واعيا به، لأن التحولات المنهجية التي مر بها النقد في السنوات الأخيرة تحولات سريعة ومهمة، ويتبقى منها إجراءات لها سمة الفاعلية والنفاذ حتى لو أصبح المنهج الذي أوجدها من الماضي، ولكنه يظل حاضرا من خلال هذا الإجراء المترسب في الوعي النقدي.
وعلى هذا فالتعدد الذي نمارسه في الممارسة النقدية ليس تعددا منهجيا بقدر كونه تعددا إجرائيا، يحاول التعاظم على نمطية المنهج الساكنة، ويحاول أيضا التعاظم على فكرة الاستلاب المنهجي التي يقع فيها بعض الباحثين، فيشعر القارئ في إطارها بنمطية مميتة في التناول والتبويب، ويفقد الفن معها حضوره الفاعل، وقيمته المشدودة في التفريق بين مبدع وآخر.
والممارسة النقدية لا تكفل هذا التعدد فقط، وإنما تكفل أيضا تعاملا خاصا أقرب إلى الهدهدة مع النصوص الأدبية بعيدا عن التوجه القائم على التشريح أو المنهجية في تجليها المثالي، الذي يمكن أن يكون سببا في القضاء على الفن برهافته الخاصة، التي تحتاج نظرة حانية للاقتراب منها، والإمساك بجوهرها المتفلت.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية