النظام الإيراني المأزوم

أما وقد انتهت هذه الجولة من الصراع بين الكيان الصهيوني وإيران، فإن الحرب بين البلدين أبعد ما تكون عن هذا، بل هي استراحة أو هدنة؛ في يقيني أن المعارك لن تتجدد في القريب العاجل بينهما، إلا أن مرحلةً من تصعيد حدة الصراع بدأت، على الرغم من إدراك كل الأطرف (بما فيها الطرفان) على التدمير الهائل الكامن في هذا التطور.
كما أن هذه الجولة دشنت شوطاً جديداً من التحليل، وإعادة التقييم لملفاتٍ عديدة، تبدأ بقدرات البلدين العسكرية في المطلق، وبالنسبة إلى بعضهما بعضا، ولا تنتهي بمحاولة استشراف المستقبل والتوازنات على خريطة الشرق الأوسط ومن ثم العالم.
لعل الاتفاق الوحيد الذي يجمع كل مراقبٍ أو مهتم، هو السؤال الذي يشغل السواد الأعظم: من الذي خرج منتصراً في هذه الجولة؟ فترى البعض منحازاً لهذا الطرف والبعض لذاك وفقاً لتعريفه لـ»الانتصار» ومقاييسه.
فهناك من يرى إيران خرجت منتصرة، لأن النظام لم يسقط ومشروعها النووي لم يُدمر تماماً، كما أنها استطاعت أن تستمر في إمطار الصواريخ على إسرائيل حتى اللحظة الأخيرة، الأمر الذي استدعي تدخلاً أمريكياً، ما يؤكد، بطريقةٍ ملتوية، مدى نجاعة قدرتها على الرد وجرح وإيلام كيان الاحتلال. في المقابل هناك من يسلط تركيزه على الضربات الأولى الموجعة التي وُجهت إلى إيران، وما تكبدته من خسائر في منظومة دفاعها الجوي حتى انعدم، واغتيال صفوة علمائها وقادتها العسكريين والتهديد المعلق (المهين للغاية في الحقيقة) طيلة الحرب بالمقدرة الأكيدة على اغتيال المرشد الأعلى السيد خامنئي، متى شاءت إسرائيل كدليلٍ على هزيمتها.
في غمرة التفاصيل التي لا حصر لها (والتي يقيناً ستزداد في مقبل الأيام) يمضي كل طرفٍ منقباً عما يدعم وجهة نظره وانحيازه، لكن وقفةً قصيرةً ومحاولةً لالتزام الحياد والحكم المتجرد، كفيلةٌ لأن يثوب المراقب أو المحلل أو حتى المتابع والمشاهد إلى نتيجةٍ بسيطة: المعركة لم تُحسم، فكل الشواهد والقرائن والأدلة المذكورة أعلاه حقيقةٌ واقعةٌ، ولا تضارب فيها، بل تفاصيل في الصورة المركبة المعقدة.
فكما تبدت قدرات إسرائيل الاستخبارية الاستثنائية، وتأكد تفوقها الجوي الذي كنا نتصوره مزعوماً أكثر منه واقعاً، تبين أيضاً أنها ليست منيعة وأنها لا عمق لها.
لعل الأقرب إلى الصواب القول إن التراشق لم يتوقف إلا وقد أُنهك الطرفان، وتأكد لإسرائيل أن حساباتها ربما، بل على الأغلب، خاطئة وأن إسقاط النظام الإيراني، مهما كانت إشكالياته، ليس بالأمر الهين، وقد لا يمكن حدوثه دون اجتياحٍ بري لا تقدر عليه إسرائيل لأسبابٍ عديدة أولها، انعدام الجوار الجغرافي (ناهيك عن عدم قدرتها على ذلك) ولا تريد أمريكا أن تنجر أو تتورط فيه.
هناك فرضية أو تصور بأن أمريكا أوقفت الحرب حين أدركت أن المفاعلات لم تدمر تماماً، على الرغم من إسقاط «أم القنابل» التي صُنعت خصيصاً لذلك، وحين تبين استخبارياً أن مخزون إيران من الصواريخ أكبر بكثير مما كانوا يتصورون، ومن ثم مقدرتها على الاستمرار وإيلام إسرائيل، وهو ما أميل إلى تصديقه.

لئن هزمت إيران أو حتى احتلت أرضها فستظل كبيرةً جليلةً وإن مهزومة؛ أما إسرائيل فستنتهي تماماً مع أي هزيمة واجتياح، سيتبخر المشروع بالمعنى الحرفي للكلمة

أياً يكن، فإن ما يهمني في الأساس هنا هو إيران، وأردت تسجيل بعض النقاط الملحة والاستنتاجات الأولية التي استقرت في ذهني على ضوء ما تكشف في هذه الجولة.
لعل الخلاصة التي يمكن إيجازها هي، الشوط الطويل الذي قطعته في مشروعها التصنيعي العسكري، خاصةً الصاروخي والنووي، في مقابل التآكل المذهل، بل التعفن، في هيكل النظام.
لقد ذُهلنا (كما أُحبطنا) من كم الاختراق الإسرائيلي لإيران، لجهاز الدولة في كل مرافقه، كما على الأرض، الأمر الذي وصل إلى حد تصنيع وتخزين الأسلحة التي استُخدمت في ضرب إيران فعلياً من داخل أراضيها. كنا نعلم دائماً أن النظام لا شعبية عارمة له، بل هناك سخطٌ عميق ومتسع من قمعه للحريات وقسوته المفرطة أحياناً في التعامل مع معارضيه، إلى أن يصل ذلك إلى هذا الكم من توفر المستعدين الراغبين في العمالة فأمرٌ لم نتوقعه. لقد صدق أحدهم إذ علق بأنه بات أكيداً أن أجهزة أمن هذا النظام أثبتت أنها لم تفلح في ملاحقة من كان ينبغي ملاحقته، وأنها كانت تمسك وتحبس و»تطلع دين الأشخاص الخطأ»!
في المقابل، فإن قلب النظام الصلب (إذا جاز التعبير) ظل متماسكاً، رغم الاختراقات ونجح في امتصاص الضربة الأولى، وما فضحته من حجم الاختراق، بل نجح في لملمة نفسه بعد الصدمة وقام بالرد المدروس، المتدرج كما تبين من التدرج في نوعية الصواريخ المطلقة، ونجح في الصمود وتكبيد كيان الاحتلال خسائر فادحة. لقد أثبت حرفيةً ورباطة جأش مدهشين ويستحقان التقدير، خاصةً أن من قاد المعارك من الناحية الفعلية في أحيانٍ كثيرة هو الصف الثاني من القادة، بعد اغتيال الصف الأول (لم استطع طيلة الوقت الإفلات من استدعاء نموذج آخر، على النقيض إلا أنه أقرب إلينا، وهو عبد الحكيم عامر إبان حرب 67 حين انهار وأمر بالانسحاب الكارثي الأداء والتبعات). لقد أثبتت إيران، بعمقها وكبرها وثباتها، أمراً لم يكن قادة الكيان يحبون بروزه ويقيناً لم يقصدوه: أنها بنت المنطقة فعلياً، إحدى حقائقه الكبيرة الثابتة أياً كان خلاف بعضنا معها ومع مشروعها، وأنها لن «تمضي إلى أي مكانٍ آخر» وأن أهلها، وشعبها باقون، في استعارةٍ من الراحل درويش، في مقابل مستوطني الكيان الذين سارع مئات الآلاف منهم (وهم مزدوجو الجنسية) إلى الفرار.
لئن هزمت إيران أو حتى احتلت أرضها فستظل إيران، كبيرةً جليلةً وإن مهزومة؛ أما إسرائيل فستنتهي تماماً مع أي هزيمة واجتياح، سيتبخر المشروع بالمعنى الحرفي للكلمة.
لقد أبرزت هذه الجولة عوامل قوة وضعف النظام الإيراني: شعبيته المتآكلة وكراهية المتضررين منه له، التي أوصلتهم للعمالة مقابل تماسك بعض هياكله؛ لن أتحدث عن منظومة الدفاع الجوي وضعف سلاح الطيران فذلك أمرٌ تقني تداركه أسهل. إن الخطر الحقيقي الذي يهدد إيران هو ذلك الخلل العميق في هيكل النظام من ناحية، وفي علاقته بالمجتمع التي ينخره السخط ونفاد الصبر بالقمع الديني من ناحيةٍ أخرى. لقد تبين أن التناقض الأخطر ليس مع الخارج الرأسمالي الاستعماري، وهو موجود، بل مع المجتمع المقموع. لقد ترهلت الأطر السياسية التي يحكم النظام ويسيطر بها.
قد يملك النظام ترسانةً خارقة من الأسلحة، لكن الاختراقات بهذه الصورة قد توصل إلى أن يجلس أمام الجهاز أو السلاح من لا يضغط على الزر أو الزناد، وقد رأينا وما زلنا نذكر كيف انهار الاتحاد السوفييتي السابق. لقد فرط كالعقد أو المسبحة، ولو استمر الأمر بإيران دون تغيير فهي عرضةٌ لمصيرٍ مشابه. إن النظام الإيراني يواجه ويعيش أزمةً عميقة، بل خطراً وجودياً، فهو الآن أمام خيارين أو صوتين، وكلاهما في ما نعلم حاضرٌ على الأرض: إما أن ينفتح سياسياً على مجتمع ويسمح بالمشاركة الواسعة والحريات لترميم شرعيته، وإعادة بناء لحمة مجتمعه الممزق، وإما أن يلجأ إلى مزيدٍ من القمع والملاحقات الأمنية، أن ينكفئ آكلاً في شعبه ونفسه المزيد. لن أخفي رأيي بأن الطريق الأولى هي طريق النجاة، أما الثانية فهي ما تريده إسرائيل ولن يصب إلا في مصلحتها على المدى البعيد.
كاتب مصري

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية