ارتبطت صناعة النماذج الأدبية بفن الشعر في شعرنا العربي الحديث، وربما يكون صلاح عبد الصبور شاعرا مهما في هذا التوجه في عنايته بصناعة النماذج من خلال المراقبة والرصد والتأمل في قصائد كثيرة، وتابعه شعراء كثيرون من جيله ومن أجيال لاحقة. ولكن صناعة النماذج في الكتابة الروائية ليست مشهورة، ولم تلفت النظر في التناول النقدي، لأن الرواية فن الكشف والتمدد والنمو حيث تصنع فرشة واسعة على العالم للإمساك به، في مقابل الشعر الذي يعنى بالسفر إلى الداخل والحفر والتمدد الرأسي المرتبط بالاختزان والتغييب.
في روايته «الناطور» ثمة كتابة خاصة يقدمها التونسي الأزهر الزنّاد، يصنع من خلالها ويشكل نموذجا بشريا بسيطا، لا يخلو من معرفة حياتية قائمة أو مبنية على تجربة ليست علمية أو ثقافية، بل تمثل تجربة وجودية قائمة على النزال، او النزالات العديدة التي تترسب معرفتها بالتدريج. فتظهر في الحركة أو الصمت أو في طبيعة النظرة أو الإيماءة أو في الجملة المقتضبة التي تغادر- بالرغم من بساطتها- دلالتها الأولى، لتغوص في معارف، تشكلها بنية مقطرة أو مقطبة، تجعلها أقرب إلى الحكمة أو المثل في معانقتها تجربة خاصة بالكون والوجود، بشكل داخلي قائم على الاختزان والرصد الصامتين، والبناء المعرفي الخاص بعيدا عن تحصيل العلوم والمعارف المتاحة بوسائلها المعهودة، فيصبح هذا النموذج البسيط أقرب إلى العارف أو إلى المتصوف.
يخايل القارئ دائما أنه يواجه نصّا يعنى بشخصيتي الناطور ومراقبها السارد الذي لا يخلو من سمات شخصية مشابهة، دفعت كليهما للاقتراب من الآخر، فكأننا عند التدقيق نعاين صورة لشخص- إذا حذفنا الاختلافات الشكلية والثقافية- تمعن النظر إلى صورتها في المرآة، ولا تكفّ عن التطلّع إليها. وكأن الرواية تلحّ في الكشف عن شبيهين أو عن نص وتأويل مستمر، ويصل كل واحد منهما إلى هذه المشابهة من طريق مختلفة، ولكن النهاية واحدة ترتبط بالفهم والوعي والعمق. ويتشكل كل ذلك داخل زمن ومكان، وكأن الناظر أو المتأمل يمثل طبقة عاكسة للحدث المروي أو المسرود، وكل ذلك يفتح النص الروائي على مساحات التأويل، وصناعة النموذج التأويلي.
النموذج والانتصار بالهزيمة
تقوم حركة البطل في النص الروائي على فرضية مضادة للخطاب الرسمي والأوراق التي تقرّ بانتحار الناطور، بافتراضه – وكأن ذلك عمل تأويلي – أنه قُتل. وفي سياق هذه الفرضية تبدأ مقاربة السابق والآني، من خلال قراءة الجلسات والحوارات السابقة مع الناطور، والتعرف على تاريخه وطبقات تكوينه الذهنية والمعرفية شديدة الخصوصية، وفي الوقت ذاته يعاين الوقائع والعلامات المحيطة بعملية موته، للبحث عن مرشدات دالة يمكن أن تكون ناجعة في إثبات الفرضية الخاصة بهذا المقارب أو المتأمل لحياته.
تتحوّل شخصية الناطور في ظل هذا الاهتمام إلى نموذج بشري، يطلّ مهيمنا في كونه نقطة الانطلاق والمتابعة والتأمل، فيغدو عم حفيظ – الاسم الأصلي للناطور – أكثر الشخصيات حضورا، ويقلّ بالضرورة حضور الشخصيات الأخرى المتعلقة بالمراقب أو المتأمل. فهي لا تعدو أن تكون عناصر مكمّلة للشكل السردي، تؤدي وظيفة منسجمة مع وجودها التكويني الجزئي، مثل الزوجة أحلام أو الابنة فاطمة، بالإضافة إلى شخصيات المقهى بالقرية، مثل يوسف مدير المدرسة أو سمسار الكراء، أو عامل المقهى، وهي شخصيات توجد في فترات إقامة المتأمل أو المراقب في القرية واقترابه من الناطور نموذجه، قبل وبعد مقتله أو انتحاره.
شخصية الناطور أو عم حفيظ التي تشكل هيمنة لافتة الوجود في النص الروائي قدمت بطريقة، تجعل منه شخصية مغايرة للسائد، فالأشياء التي تشد الآخرين من البشر لا تستهويه، فتجلى في النص الروائي صاحب فلسفة تتولّد من الخبرة الحياتية والنزال مع الوجود. وسماته الشكلية تندرج داخل إطار المشابهة مع الكثيرين، فهي سمات ترتبط بالعموم والتكرار، فقيمة أي نموذج تأتي من كونه يعبر عن آخرين مشابهين، ينضوون في إطاره الشكلي.
وتشكيل النموذج من خلال الإشارة إلى اختلافه ووعيه ومعارفه المرتبطة بالتجربة والنزال لا يتمّ في فراغ، وإنما يؤسس له النص الروائي تاريخا ممتدا. فهذا النموذج الذي لا يخرق مواضعة وجودية، أو يحمل أي ملمح أسطوري يكوّن اختلافه من عاديته، ومن ثم يعيد النص بناء الوعي بتاريخه، وبالحوادث التي أحدثت في وجهه الكثير من الأخاديد، وجعلت وعيه أكثر حدة وانتباها في الارتباط بالأشياء والبشر، وفي ظل هذه العادية يتحوّل إلى نمط في تحديد لوكاش، ويصبح في معرض دائم للمعاينة والرصد.
تتكوّن لهذا النموذج معرفة خاصة، بداية من الخروج من القرية، تطارده أشباح الخوف بعد قتله زوجته وعشيقها، وانفتاحه على السفر والتجوال، وانتهاء بعودته إلى القرية ذاتها، وأخذه مكان شخص كبير يسكن ويقوم بالعمل في المنارة. تقدم الرواية إطارا لتاريخه وتشكيله الخاص، وارتباطه بالبحر في كل البلدان التي سافر إليها، وكأنه يستجيب إلى نداهة. وتقديم ماضيه سرديا لا يأتي في إطار متنام متواصل النمو، ولكنه يأتي مشتّتا موزعا بفعل الاستعادة والذاكرة، وقانونها الخاص وآليات استدعائها، فيتجلى هذا الماضي بشكل مفتت، فالمتحكم فيه الحركة الذهنية المشدودة إلى تيار الوعي الخاص بالسارد المتأمل المراقب في نسق تشكيله للذاكرة باستعادة الحوارات بينه وبين الناطور.
والرواية أسدلت في صناعتها للنموذج مجموعة من الصفات التي لا تجعله خارقا بالمفهوم الأسطوري المعهود، لكنها صفات تؤسسه رجلا عاديا، وعاديته مع وجود معرفة تجعل وجوده شبيها بوجود الفلاسفة والمتصوفة. فقد أجرت الرواية على لسانه مجموعة من المقولات الكاشفة عن فلسفة في مقاربة الحياة، لا تخلو من خصوصية، مثل قوله «أنا لا أفكر بالحياة… أعيشها كما هي.. ذاك سرّ الانتصار على الحياة». وما يعطي هذه المقولات المملوءة بالفلسفة الحياتية المرتبطة بالتجربة والنزال مع الحياة قيمة ارتباطها بشخص هامشي، لا يأبه لوجوده أحد. وهذا يؤسس له قيمة أقرب إلى الوجود الصوفي بالرغم من هذه الهامشية أو العادية، يقول النص الروائي: «والناطور رجل شيخ، هامشي لا يأبه له أحد. لا ينظر الناس إليه إن حضر، ولا يسأل عنه منهم أحد إن غاب، لكنه يراهم جميعا، ويرصد حركاتهم وسكناتهم».
وقد تأخذ المقولات الكاشفة بعدا أكثر ارتباطا برؤية نافذة، لا تقنع بالظاهر الواضح، وإنما تنفذ إلى رؤية وجودية، تكشف عن قلق الإنسان الوجودي في مقاربته وارتباطه بالحياة، وعن الأسئلة التي تلازمه على الدوام، مثل توسيعه لمفهوم الخيانة الجسدية، ليصل إلى التلبس أو التوحّد بفكرة الإثم والسقوط، في قوله «مجيئنا إلى هذا الوجود خيانة، خيانة لصفائنا الأول، وطهرنا البدائي».
هذا النموذج الذي يخضع للمراقبة والتأمل، وكأن حياته مجال بحث واشتغال، يتجلى نموذجا منتصرا بالرغم من الهزيمة والتسليم، فالرضوخ أو التسليم لديه تسليم كاشف عن معرفة، وعن تجربة طويلة من النزال والصراع، جعلته يختزنها، ويقدمها في إطاره وسمته الخاصين، فهي أقرب إلى الفيض أو النضوح، لأنها معرفة مسيّجة بالصمت، ومملوءة بالانتصار الداخلي في تأسيس وتشكيل حدود ارتباطه بالحياة، وتسكين نفسه في مساحة الهامش الذي يفتح له بابا من المعرفة الساكنة الواعية بكل المتغيرات المحيطة، ويراقبها في صمت العارفين.
الشخصية والمكوّن التأويلي
يتعامل النص الروائي مع الفرضية المضادة كأنها تأويل، يبحث عن أسس ومرشدات، تؤسس له مشروعية، فالتأويل- خاصة حين يكون مضادا للسائد، وفعل التأويل دائما فعل مضاد للفهم السائد لدى غالبية الجمهور والقرّاء- مقاربة متعالية مخاتلة، تعيد البحث والطرح للحركة في ااتجاه مغاير، وفي حركتها تحاول أن تؤسس شيئا من الصواب في تعانقها مع بنية الحكاية أو مع قراءة لها، وفي ارتباطها بزمن أو الأزمنة، فالتأويل في منطق الرواية فعل لا ينفصل عن الزمن، لأنه طبقة مشدودة إلى طبقات سابقة، ومنفتح بالضرورة على طبقات تالية.
يؤيد ذلك أن القارئ أثناء القراءة تطل أسئلة كثيرة بذهنه، تتعلق بالتوزّع بين اعتبارها حكاية كاشفة عن نموذج خاص وتشكيل حدوده، واعتبارها حكاية تمثل نموذجا يتجاوب أو يتساوق مع نظرية التأويل، وصناعة النموذج- في ظل وجود هذا التساؤل الذي أبرقنا إليه سابقا- ليست إلا محاولة اقتراب وتدشين وإثبات لعملية التأويل بكل أطوارها وطبقاتها. فالنسق البوليسي الذي يلح وكأنه حالة تحرّ ليس مقصودا لذاته، وإنما هو آلية أو طريقة، لتشكيل وتجذير طبقة من طبقات التأويل للتواجد والانتظام في سلك طبقات متوالية، وفق التنبه لنهاية النص وبنياته.
فالاكتفاء بالوصول إلى مشروعية للتأويل المضاد في نهاية الرواية بعد البحث الطويل لأسانيد مشروعيته يوجّه نحو حالة ضرورية لإعادة النظر في النص الروائي، وهذا يفترض عودة مغايرة للمراقِب أو للمتأمل، عودة تصنع أسسها ومنطلقاتها وفق توجه ذاتي في المواجهة، وحركة دائبة بين الماضي والآني، لتفتيت الطبقات السابقة المترسبة للوصول إلى أسس للفرضية الآنية. فالرواية تطلّ وكأنها درس في التأويل، ومعاينة وصناعة النموذج التأويلي. والمكوّن التأويلي الذي تؤسس له الرواية يرتبط بالسير على خطوات هذا المكوّن، والاقتراب منه، والمرور بكل الظروف المحيطة. فالتأويل او بناء المكوّن التأويلي لا يتم في فراغ، فهو فعل استعادة، وفعل تخيّل للحدث أو للحياة بكل ظروفها، مثل معاينة الأماكن التي يتحرك في إطارها، والوصول إلى تاريخه، وإلى التركيبة النفسية للشخصية في مقاربتها للحياة والوجود.
ثمة جزئية أخرى لها حضور دوري في النص الروائي، جزئية ضرورية لكل مقاربة، أو لكل محاولة من محاولات التأويل، تتمثل في وجود الغموض الذي يحيط بالحالة أو بالمكوّن التأويلي، بالرغم من الحركة في إطار الزمن الماضي، وتأمّل الطبقات التكوينية لهذا المكوّن أو لتلك الشخصية، أو في إطار الحركة المرتبطة بالتخيل الاني، من خلال توقع ما حدث بشكل مغاير التصاقا بالفرضية الجديدة التي يطرحها البطل المقارب أو المتأمل. فبالرغم من وجود هذين التوجهين، بالإضافة إلى مساحات الكشف التي يتيحها المكوّن التأويلي بالإفصاح الذاتي، تظلّ هناك مساحة من الغموض الملتبس بالتغييب. وهذا الغموض يمثل الأساس لكل محاولة مقاربة إبداعية أو نقدية، فالإبداع يتولّد في سياق قراءة ما سبق في مساحات القراءة الخاطئة أو الضالة بتعبير هارولد بلوم، وسوف يظل هذا الغموض حاضرا بالرغم من الأسس التي يبثها ويشكلها المؤول، وتتجلى بشكل لافت في نهاية النص.
تأتي دراسة الصور، والاشتغال عليها من خلال المحو والانتقاء، وترتيبها حسب التاريخ والموضوع، ثم العدول عن ذلك، وترتيبها مرة أخرى حسب المراكب والسفن من جهة، وحسب الوجوه من جهة أخرى، وسيلة دامغة على تأسيس فعل القتل والتأويل الجديد، وتقاطع الصور مع الأدلة الجزئية السسابقة، حيث يظهر الشخص صاحب حذاء البرودكان، فيتجاوب مع الأثر المنطبع في مسرح الحدث، وذلك في اكتشافه لوجود الناطور، والإشارة إليه، والتيقن من خطورة فعله في تصويرهم أثناء قيامهم بأفعال التهريب الخارجة عن القانون. لكن كل ذلك في نهاية النص الروائي يحدث له نوع من التغييب أقرب إلى التعمد، فالناطور قد ذهب، منتحرا أو مقتولا، ليس هناك فرق، فالأهمية للنص تتمثل في العناية بصناعة وصياغة مكوّن تأويلي عام كاشف عن طبقة زمنية، لا تكفّ عن الإشارة إلى السابق، والارتباط باللاحق.
الأزهر الزنّاد: «الناطور»
بوب لابريس، تونس، 2025
206 صفحة.