«إنّنا نصادق النّساء؛ لكنّنا لا نشعرُ أنَّ هذه الصّداقة ضروريّة أبداً!»
هذا ما قاله مصطفى محمود رحمه الله، ذات زمن ضمن كتابه «في الحبّ والحياة» الصّادر عام 1970.
ورغم منسوب الاستفزاز الكامن في عبارته الملغومة؛ إلا أنَّ الوضعَ لا يبدو أنّه اختلف كثيراً بين الرّجل والمرأة حتى تاريخه، ولم يشكّل مرورُ العقود فرقاً يُذكر في مسيرة علاقة من ذلك النوع، إذ بقيت واهيةً مضطربة هشّة إزاء المفاهيم المجتمعية السائدة المؤطّرة لشكل العلاقات ونوعها بين الجنسين، خاصّةً مع حضور الأحكام المتسرّعة العجول، والخيالات الخصبة لدى معظمنا. بناءً عليه؛ اعتادت المرأة العربية عموماً، تحت تأثير تلك الإشارات الحمراء، الحذر الشديد في الولوج إلى مثل تلك المنطقة الشائكة مع الرجل، إلى حدِّ أنها تتعمّد إخفاء أيّ شعورٍ بالمودّة البريئة العفوية تجاه أحدهم، ليقينها أنَّ بذرة الصّداقة التي قد تنشأ بينهما ستولدُ وهي تعاني من ضيقٍ في التنفّس فتموت سريعاً! فهي تدرك تماماً، في مرحلةٍ ما من عمرها، وبحكم التجربة والنضج والخبرة، أنّ ليس كلّ صداقةٍ هي بداية حبٍّ أو شروع فيه، وتعي أيضاً أنَّ مشاعر الصداقة مؤهلّةٌ لأن تحيا قويّةً نابضة بدون أن تقودَ الطرفين إلى عوالم العشق والهيام والغرام بالضّرورة، بمعنى أنَّ الحبَّ يحتاجُ إلى الصّداقة أساساً له، لكنَّ العكسَ ليس صحيحاً بالمطلق.
وهي بحكم النضج والثقافة تخلّصت من الهواجس والتوقعات الجاهزة إياها، التي تجزم أنَّ هناك مصائدَ وشباكاً من الغرائز والرغبات تفرضُ ذاتها في كل علاقة بين رجلٍ وامرأة، الافتراض الذي يعيد البشر بشكلٍ ما إلى عالم الغاب، المفاهيم التي عزّزتها المسلسلات الدّراميّة العتيدة؛ رجلٌ يتودّد لغاية في نفسه، وأنثى تقع في براثنه، الصورة النمطية إياها؛ الرجل الذئب والأنثى الحمَل.
من ناحيةٍ أخرى، لابدَّ من التسليم بثوابت ومسلّمات ومفاهيم لم تتغيّر ولا أحسبها ستتغيّر، فمن منّا، نحن النساء، حتى في عصرنا هذا، قادرةٌ على أن تنظرَ في عينيّ أخيها أو أبيها لتقول «فلانٌ صديقي» ففي أحسن الأحوال؛ سينفردُ بها الأخ الصنديد الهُمام جانباً ليقولَ لها من بين أسنانه: «حسناً، نحن نثق بكِ، لكنّنا لسنا واثقين منه»، وبعد أن يتنحنح سيضيف بنبرةٍ واثقة حازمة حاسمة: «من المؤكّد أنّه ينوي استغلالَ صداقتكِ لمآربَ في نفسه!». وستستمع له صاغرةً وهي تقرأ في عينيه وفي صوته رغبةً حادّة في أن ينطلق إلى الصّديق ذاك، ليمسكه من ياقته فيلّوح به بعيداً ليلقيه خارج المجرّة.
في المحصّلة نضطر إلى تغليف العلاقة بمسميّات أخرى حتى لا نثير الرّيبة حولنا، فنندفع، بدون قصد، إلى الكذب والتحايل وتسمية الأشياء بغير أسمائها، لتتجلّى المفارقة العجيبة، إذ كانوا قد علّمونا في الطفولة أنَّ الكذبَ يدخلنا جهنم، لنعودَ ونتعلّم حين نكبر أنَّ الصّدق بدوره قد يقود إلى جهنم من نوعٍ آخر.
ازدواجيّة وتحايل والتفاف هي نتائج العلاقة الافتراضيّة الجميلة النّقيّة الإنسانيّة التي اسمها الصّداقة بين رجلٍ وامرأة، وعليه نعود لنقول ردّاً على مقولة الرّاحل مصطفى محمود: «عزيزنا الكاتب، صداقتكم لنا متعبة جدّاً، وقد تكلّفنا الكثير، لذلك، فنحنُ النساء أيضاً في غنى عنها».
٭ كاتبة أردنية