المقررة الأممية مارغريت ساترثوايت لـ”القدس العربي”: تدابير سعيد قوّضت استقلال القضاء والمحاكمات العادلة في تونس

حجم الخط
0

لندن- “القدس العربي” عبرت مارغريت ساترثوايت المقررة الأممية الخاصة المعنية باستقلال القضاة والمحامين عن قلقها من تزايد محاكمات المحامين التونسيين بسبب تعبيرهم عن آرائهم، معتبرة أن تدابير الرئيس قيس سعيد قوضت استقلال القضاء وقللت فرص إجراء محاكمات عادلة في تونس.

وقالت ساترثوايت، في حوار خاص مع “القدس العربي”: “للمحامين، كغيرهم من الأفراد، الحق في حرية التعبير. هذا الحق منصوص عليه صراحةً في المبدأ 23 من المبادئ الأساسية لدور المحامين (وفق ميثاق الأمم المتحدة)، الذي ينص على أن “للمحامين، كغيرهم من المواطنين، الحق في حرية التعبير والمعتقد وتكوين الجمعيات والتجمع”. ويكتسب هذا الحق أهمية خاصة فيما يتعلق – على سبيل المثال لا الحصر – بقضايا سيادة القانون وإقامة العدل. ويعود ذلك إلى أن المحامين يحظون بمتابعة مباشرة في نظام العدالة، ويمكنهم التعليق بوعي على ما يحيط بهم من مخاوف”.

تجريم حرية التعبير

وأضافت: “أشعر بقلق بالغ إزاء ما يبدو أنها اتهامات بجرائم خطيرة للغاية وجهت إلى محامين عقب تصريحات أدلوا بها بشأن الوضع في البلاد. وعلى وجه الخصوص، أفادت التقارير باعتقال المحامية سنية الدهماني بشكل عنيف في مقر نقابة المحامين التونسيين على يد ملثمين (من قوات الأمن) في مايو/أيار 2024، وهي تواجه خمس قضايا جنائية، جميعها رُفعت بموجب المرسوم رقم 2022-54 بشأن “الجرائم الإلكترونية” أمام محكمة تونس الابتدائية لمجرد التعبير عن رأيها علنا”.

حُكم على الدهماني في يناير/كانون الثاني 2025 بالسجن 18 شهرا بسبب تعليقاتها في برنامج تلفزيوني، وفي يونيو/حزيران من هذا العام، وحُكم عليها بالسجن لمدة عامين إضافيين.

كما أشارت ساترثوايت إلى أن “المحامي أحمد صواب، في إطار ممارسته لمهنته، انتقد علنا إجراءات قضية “التآمر على أمن الدولة”. وأصرّ تحديدا على إسقاط التهم في القضية في حال عدم وجود أدلة كافية على ارتكاب أفعال غير قانونية. ونتيجةً لهذا الانتقاد، الذي استند إلى خبرته القانونية، أُلقي القبض عليه في أبريل/نيسان 2025 ووُجهت إليه تهمٌ خطيرة بموجب قوانين مكافحة الإرهاب. ولا تزال محاكمته جارية. كما اتُهم محامون آخرون في البلاد جنائيا، بل وحُكم عليهم بالسجن لفترات طويلة، لمجرد دفاعهم عن موكليهم والتعبير عن آرائهم علنا. ومن بينهم دليلة مصدق، وإسلام حمزة، والعياشي الهمامي، وغازي الشواشي، ومهدي زقروبة، ولزهر العكرمي”.

استهداف العاملين في قطاع العدالة يشكل تهديدا لنزاهة الإجراءات القانونية في تونس

واعتبرت المقررة الأممية أن استهداف العاملين في قطاع العدالة لمجرد قيامهم بدورهم القانوني أو ممارسة حريتهم في التعبير، يشكل تهديدا مباشرا لسلامة الإجراءات القانونية ونزاهتها في تونس وقد يعرض الحق في محاكمة عادلة للخطر على نطاق أوسع.

غياب المحاكمات العادلة

وفي ذات السياق، أكدت ساترثوايت أن سيادة القانون في تونس تعرضت لانتهاكات خطيرة منذ إعلان الرئيس قيس سعيد حالة الطوارئ في 25 يوليو/تموز 2021، “مستغلًا الفصل 80 من الدستور، ومعززا سلطته على السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية. وقد قوضت هذه الإجراءات بشكل خطير مبدأ فصل السلطات واستقلال القضاء، وأضرت بالحق في محاكمة عادلة”.

وأضافت: “اتخذ الرئيس سلسلة من الخطوات الإضافية على مدى السنوات التي تلت ذلك واستهدفت استقلال القضاء. ففي 22 سبتمبر/ أيلول 2021، تم اعتماد المرسوم 117 (المتعلق بالتدابير الاستثنائية)، والذي يمنع أي مراجعة قضائية للقوانين التي أصدرها الرئيس. ومنذ 1 يونيو 2022، بدأت حملة لتجريم القضاة. في ذلك اليوم، أعلن الرئيس عن فصل أعضاء من السلطة القضائية، متهمًا إياهم بالفساد وإساءة استخدام السلطة والفساد الأخلاقي. في اليوم نفسه، تم نشر المرسوم بقانون 2022-35، والذي يسمح بفصل القضاة بإجراءات موجزة وينص على إمكانية إخضاعهم للملاحقة الجنائية. فصل الأمر الرئاسي 2022-156 57 قاضيا في لحظة. كما تجاهلت السلطة التنفيذية أمر المحكمة بإعادة معظم القضاة إلى مناصبهم. بالإضافة إلى هذه الموجة من التجريم، تعرض القضاة أيضا لعمليات نقل تعسفية وتشهير علني من قبل السلطة التنفيذية”.

تراجع حقوق الإنسان

واعتبرت ساترثوايت أن تونس تشهد تراجعا في حقوق الإنسان وحرية التعبير في عهد الرئيس قيس سعيد، مشيرة إلى أنه “من الواضح أن القضاة والمحامين تحديدا لم يعودوا قادرين على التعبير عن أنفسهم بحرية دون خوف من الانتقام إذا تضمن تعبيرهم انتقادات للوضع المتدهور في البلاد”.

القضاة والمحامون لم يعودوا قادرين على التعبير عن أنفسهم بحرية دون خوف من الانتقام

وحول رغبتها بتوجيه رسائل للسلطات التونسية بشأن بعض القوانين المثيرة للجدل، قالت ساترثوايت: “لقد عبّرتُ أنا وزملائي (مقررو الأمم المتحدة) عن مخاوفنا بشأن المرسوم رقم 54 وبشمل مباشر إلى الحكومة التونسية، في رسالة مُفصّلة في يناير/كانون الثاني 2023. وفي تلك الرسالة، أعربنا عن قلقنا العميق إزاء مدى توافق المرسوم رقم 54 مع المعايير والقواعد المتعلقة بالحق في حرية التعبير، والصحافة، واستقلال المحامين، وتكوين الجمعيات، والخصوصية. وبشكلٍ أعم، أوضحنا قلقنا من أن هذا الإجراء التشريعي الجديد يُمثّل جزءا من اتجاه عام نحو تزايد القيود على الحريات الأساسية، وحرية التعبير، وحرية النقاش التعددي، وهي سماتٌ أساسيةٌ لمجتمعٍ حرٍّ وديمقراطي. ونظرا لاستخدام هذا القانون مرارًا وتكرارًا منذ ذلك الحين للنيل من الحقوق التي يكفلها لي، فسأواصل التعبير عن مخاوفي”.

وأضافت: “يؤسفني أنه تم تأجيل زيارتي الرسمية للبلاد (من قبل السلطات التونسية)، والتي كانت مقررة في مايو/ أيار 2023، ولم يُحدد موعد جديد حتى الآن. وهي زيارة رسمية ستتيح لي الاطلاع على الوضع عن كثب”.

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية