المعارضة السورية أخطأت بتعويلها على التدخل الخارجي… والأسد يستفيد من الخلاف السعودي ـ القطري

حجم الخط
1

لندن ـ ‘القدس العربي’ هل خرجت الثورة من يد المقاتلين الى يد نظام بشار الأسد؟ وهل سحق النظام السوري المقاومة؟ أسئلة طرحها معلقون غربيون في الذكرى الثالثة على الثورة السورية، وتقييماتهم على ما يبدو ليست مشجعة، فمنهم من وصفها بالذكرى غير الجميلة وهي فعلا غير جميلة في ظل القتل والتشريد، وهدم أكثر من مليون بيت، وجرف أحياء بكاملها فيما يصل النظام وحلفاؤه إلى بلدة يبرود في جبال القلمون.
وهنا كتب باتريك كوكبيرن في ‘الاندبندنت’ السبت إن الموقف الدولي لتعزيز الوضع القائم، والدعم الإيراني والروسي المطلق لنظام الأسد والتشتت في صفوف المعارضة كلها مجموعة تعني أن الثورة لن تنجح، في الوقت الحالي على الأقل.
ويذكرنا الكاتب بحس الثقة التي تحدث به الرئيس الأسد قبل الإنتفاضة السورية، حيث استبعد في لقاء مع السفراء والدبلوماسيين الأجانب في شباط/فبراير 2011 إمكانية انتشار عدوى الربيع العربي من تونس ومصر إلى سوريا. وأكد فيما بعد أن سوريا ليست مصر.
ويرى كوكبيرن أن الأسد كان على ما يبدو يستند في تقييمه للوضع على ‘شعبيته’ ومواقفه ضد إسرائيل ‘محور الممانعة’، كما كان الوضع الإقتصادي أحسن حالا في سوريا منه في اليمن ومصر.

حماة ثانية

ومع ذلك أساء الأسد التقدير فبعد شهر من لقائه بالسفراء إندلعت الإنتفاضة وردت الدولة بعنف شديد وتعاملت مع أي شكل من أشكال المعارضة بقسوة باعتباره محاولة للإطاحة بالدولة، بنفس الطريقة التي تصرفت فيها للرد على أحداث 1972- 1982 مع الإخوان المسلمين والتي انتهت بذبح أكثر من 20.000 في مدينة حماة.
ويعتقد الكثير من المحللين أن رد الدولة المبالغ فيه على نشاطات صبية في مدينة درعا كان السبب في تطور الأحداث لثورة مسلحة، لكن الحكومة تناقش وتقول إنها كانت ومنذ البداية تواجه حربا مسلحة مدعومة من دول الخليج والمخابرات الغربية.
ويعلق كوكبيرن قائلا إن عددا من الحكومات الأجنبية صمتت في البداية عما يجري للحديث عن رحيل محتوم للأسد. وأقامت تقديراتها على ما جرى للرئيس الليبي معمر القذافي الذي أطاحت به ثورة شعبية، ولكنها أساءت فهم الموقف في سوريا وكونه فعلا يختلف عن بقية الدول التي اندلعت فيها ثورات الربيع العربي. ففي الحالة الليبية تم عزل النظام دوليا وسقط بفعل التدخل الغربي وضربات الناتو وليس بسبب تماسك وقوة الثوار.
وفي المقابل فقد رفضت روسيا حليف نظام الأسد السماح بتكرار ما حدث في ليبيا وعطلت كل قرار في مجلس الأمن ضد سوريا، ورفضت إيران التخلي عن الأسد.
ويقول كوكبيرن إن عام 2012 كان حاسما في الثورة السورية، وبدا نظام الأسد على حافة الإنهيار حيث سيطرت قوات المعارضة على مناطق شاسعة من البلاد، وتقدمت في كل نواحي العاصمة دمشق ودخلت حلب، لكن النظام ظل مسيطرا على المدن الرئيسية في المحافظات باستثناء الرقة التي سيطرت عليها قوات الدولة الإسلامية في العراق والشام وليس جماعات الجيش الحر.
ويرى الكاتب أن بروز البعد الجهادي في الثورة وصعوده كان في صالح النظام الذي طالما زعم أن جماعات المعارضة تسيطر عليها القاعدة والجماعات المرتبطة بها. وبنهاية عام 2012 بدا واضحا أن جماعات المعارضة لن تكون قادرة على حسم المعركة لصالحها بدون تدخل خارجي.
ولم يكن هذا واضحا للكثير لأن الحكومة انسحبت من المواقع غير المهمة وركزت جهودها على حماية المواقع الإستراتيجية.
ومشكلة المعارضة في المنفى كما يقول كوكبيرن إنها ركزت كل جهودها على دفع المجتمع الدولي للتدخل الأجنبي الذي لم يحدث أبدا، وعليه لم تكن لدى المعارضة خطة بديلة ‘خطة ب’. وما نتج عن هذا هو حالة من الجمود السياسي والعسكري.

صعوبة الحل السياسي

ويعتقد الكاتب هنا أن واحدة من المشاكل الكبيرة التي تقف أمام الحل السياسي هي أن السلطة في سوريا متركزة في يد الرئيس والقوى الأمنية.
وأي خطة انتقالية لتقاسم السلطة لن تنجح بسبب مركزية القرار السياسي ومستوى الحقد وعدم الثقة بين الطرفين. والطريقة الوحيدة التي يمكن أن يتم تقاسم السلطة فيها من خلال إدارة كل طرف للمناطق التي يسيطر عليها بقوة، أي تقسيم البلاد.
ويتساءل كوكبيرن أن المعارضة فشلت في تحقيق نصر في الفترة ما بين 2011 -2013 فما هي إذا فرص النظام اليوم في الإنتصار. ويجيب أن النظام يحقق تقدما في عدد من المناطق من القلمون الى حلب وحمص ودمشق لكن تقدمه بطيء مثل مشي الحلزون، ويعاني من تراجع في القدرات العسكرية وتمدد قواته على أكثر من منطقة.
والأسلوب الوحيد المتوفر للنظام هو حصار المناطق وقصفها جوا وبرا، وإجبار سكانها على الفرار، وهذه ليست الوسيلة الوحيدة لكسب عقول المواطنين. ومن أهم مظاهر قوة الحكومة أنها استطاعت الحفاظ على تماسكها خلافا لما حصل في ليبيا حيث انهارت حكومة القذافي وجيشه الذي انشقت وحدات كاملة منه وانضمت للثوار.
وفي الوقت الذي شهد الجيش هروبا واسعا بين الجنود فإن وحدات كاملة منه لم تغير مواقعها.
ويقول كوكبيرن إن الخلافات بين الثوار تؤجل لما بعد الحرب الأهلية لكن في سوريا لم ينتظر المقاتلون النصر وانقسموا على أنفسهم، بل ودخلوا في صراعات مسلحة منذ بداية العام الحالي.
ومع أنها بين الفصائل المعتدلة والمتشددة إلا أنها تؤثر على سمعة بقية الفصائل ولن تؤدي إلى تحقيق نصر في النهاية.
ويرى الكاتب أن القتال بين الجماعات المسلحة والدولة الإسلامية في العراق والشام شكل أخبارا جيدة لنظام الأسد وكذا الخلاف الحاد بين قطر والسعودية الداعمتان الرئيسيتان للفصائل المسلحة.
ويضيف الخلاف تعقيدا جديدا للوضع السوري، خاصة أن السعودية صنفت الإخوان المسلمين وجبهة النصرة والدولة الإسلامية جماعات إرهابية وهو ما فعله نظام الأسد منذ وقت مبكر.
ومع ذلك فمن الصعوبة بمكان التكهن بالطريقة التي ستقوم بها السعودية والولايات المتحدة بإنشاء جيش للمعارضة قادر على مواجهة كل من الجهاديين ونظام الأسد. وينهي بالقول ‘النجاة وليس النصر، لا يزال الأسد يحكم أرضا خرابا وليست لديه القدرات لتحقيق نصر حاسم، وحتى يكون لدى تركيا والسعودية والولايات المتحدة الإستعداد للدخول في حرب طويلة تجهد النظام وتدفعه للإنهيار فلا يوجد أي سبب يمنعه (الأسد) من البقاء في السلطة’.

حصار وتهدئة

ويرى في هذا السياق تعليق كتبته ليز سلي في صحيفة’ واشنطن بوست’ إن نظام الأسد في وضع قوي أكثر مما كان عليه لقمع الثورة التي اندلعت على حكمه بطريقة سلمية أولاً وبالسلاح فيما بعد.
وتقول الصحيفة إن الأسد الذي يعتمد على دعم حلفائه ويستفيد من تشتت أعدائه يخطط للإنتخابات التي قد تعطيه ولاية ثالثة لمدة سبع سنوات أخرى في الحكم. وتضيف أن استراتيجية النظام ليست جديدة ولكنها بدأت تعطي ثمارها في الأشهر الأخيرة، حيث حقق النظام انتصارات في عدد من المواقع المهمة بشكل دعا للتساؤل حول مفهوم الجمود على الساحة السورية.
وتقول إن الحكومة إما دفعت المقاتلين إلى الوراء أو حاصرتهم في جيوب معزولة في مساحات واسعة حول دمشق مما أدى إلى تبدد قدرة المعارضة على تهديد العاصمة أو الإطاحة بنظام الأسد.
وتنقل عن أبو عماد، وهو طالب ناشط إنضم مع غيره ممن دفعتهم الحماسة للتغيير وآمال الربيع العربي، قوله ‘ أكثر من أي وقت مضى، أشعر أنه لا أمل، لا سياسيا أو عسكريا’، مضيفا ‘من أجل أن ينتصر الثوار فهم بحاجة إلى معجزة’، ولاحظت ثقة النظام من خلال سفر بشار الأسد 20 ميلا بعيدا عن دمشق في المناطق التي كانت تخضع لسيطرة المقاتلين قبل فترة، حيث سافر لبلدة عدرا والتقى مع السكان الذين شردتهم الحرب ووعدهم بالمساعدة. ولاحظت الكاتبة أن المعارضة السورية التي تتسم بعدم التنظيم وتفتقر إلى السلاح والعتاد لم تشن أي عملية كبيرة منذ سيطرتها على مطار منغ العسكري في شمال حلب الصيف الماضي.
فيما لم يحدث تقدم في الحملة التي تم الحديث عنها كثيرا بعد انهيار محادثات جنيف، ولم تصل للمقاتلين أسلحة جديدة من داعمي المعارضة في الخارج والتي قال قادتها الشهر الماضي إنهم حصلوا على وعود بشأنها.
ويقول جيفري وايت، المحلل العسكري في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى إنه على الرغم من مشاهدة صواريخ صينية الصنع مضادة للطائرات في يد المقاتلين حيث تم وضع صورها على اليوتيوب لكن لا إشارة عن تدفق أسلحة كافية لحرف الميزان لصالح المعارضة.
ويقول وايت إن قدرة نظام الأسد على استعادة ما خسره من أراض بعيدة ولكن قد يكون بإمكانه تهدئة الأوضاع بدرجة تجعله قادراعلى التمسك بالسلطة وإعلان السلطة. ويقول وايت إن إنتصار النظام ممكن، ويعتمد على عدد من العوامل، إستمرار الدعم للنظام من حزب الله وإيران، وعدم حصول تدخل أجنبي، واستمرار وضع المعارضة على ما هي عليه من ناحية الإنقسام وفقر العتاد ‘وحتى يستطيع المقاتلون تغيير الوضع على الأرض، سيظل النظام يطحنهم’.
وتشير هناك إلى عمق الإنقسام داخل المعارضة، والذي ظهر في المعارك الأخيرة بين الجهاديين وفصائل المعارضة الأخرى، وظهر أكثر من خلال عزل اللواء سليم إدريس رئيس هيئة أركان الجيش السوري الحر.
وتقول الصحيفة إن الخلافات قد حولت الإنتباه عن الهدف الرئيسي ‘الإطاحة بنظام الأسد’. ومنذ كانون الثاني/يناير قتل الآلاف من الطرفين. فقد خسر لواء التوحيد وهو من فصائل المقاومة الرئيسية 500 من مقاتليه في أسابيع مقابل 1300 في عامين من قتاله النظام.
ونقلت عن مسؤول في اللواء قوله إن المواجهات قد تركت أثرها على التنظيم وأحدثت إنقساما داخله بين من يريدون قتال المتطرفين ومن يعارضونه، وأشار ‘نخشى خسارة حلب الآن’ بسبب الخلافات الداخلية.

يبرود

ولاحظت صحيفة ‘لوس أنجليس تايمز’ آثار الحرب على المعارضة من خلال متابعتها لمجريات معركة يبرود التي تقول إن المقاتلين السوريين وداعميهم في لبنان يظهرون نوعا من القلق من خروج الأوضاع عن السيطرة، ونقلت عن أبو عمر الذي فقد رجله في المعارك خارج يبرود ‘علينا مواصلة القتال حتى آخر نفس’، ‘لا خيار أمامنا’.
ولاحظ مراسل الصحيفة عدد الجرحى الذين وصلوا عرسال من سوريا بشكل يعطي صورة عن المقاتلين الذين يهدفون للإطاحة بنظام الأسد. ويعلق الكاتب أن سوريا أحيت الذكرى الثالثة لاندلاع الإنتفاضة في أجواء قاتمة وسط استمرار نزيف الدم وانهيار محادثات السلام.
ونقلت عن جاستين فورسايث، المدير التنفيذي لمنظمة ‘أنقذوا الأطفال’ ‘يجب أن نكون صادقين، الوضع يزداد سوءا على سوء’.
وتشهد أرقام منظمات الإغاثة على هذا الوضع فأكثر من 140.000 قتيل و 2.5 مليون مشرد نصفهم من الأطفال، و 6.5 مليون أجبروا على العيش كنازحين داخل سوريا، وما إلى ذلك من انهيار شبه كامل للنظام الصحي. وتحدث التقرير عن الآثار التي تركتها الحرب على لبنان، تفجيرات واغتيالات ومليون لاجئ سوري في لبنان، في الوقت الذي تعبر فيه الحكومة في بيروت عن موقف محايد من الحرب إلا أن الكثير من اللبنانيين يدعمون هذا الطرف على الطرف الآخر.
وهذا واضح في بلدة عرسال التي تعيش فيها غالبية سنية، ويقطنها 40.000 شخص. فقد تضاعف عددهم في العامين الماضيين، وتزايد تدفق اللاجئين السوريين بسبب عمليات الجيش السوري في القلمون وحول بلدة يبرود التي تبعد 35 ميلا عن عرسال.
وتأمل القوات السورية وحلفاؤها من حزب الله أن يقطع خطوط الإمدادات من عرسال إلى داخل سوريا.
ويشير التقرير إلى انتشار الخيم على طول الطريق الجبلي بين عرسال وبيروت. وينتشر الشباب المتعبون في شوارع عرسال ينتظرون دورهم للعودة إلى ساحة المعركة فيما تصل سيارات الإسعاف يوميا محملة بالجرحى. وينقل عن الدكتور محمد ‘يصل المرضى في أي وقت’.

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية