المدينة وقد تداعت مثل قصر قديم

حجم الخط
0

 لا تعيش ليونورا وحدها في القصر، هناك الفلبينيان ساري وزوجته ديمي، والفرنسية فينيز مدبّرة المكان والراعية لسيدته المتقدّمة في العمر. يبدو وجود هؤلاء الثلاثة نوعا من تشكيل ضروري لحاجة القصر إلى أن يكون قصرا. ذاك لأنه لم يعد فيه شيء كما كان. السقوف تهاوى بعضها، وتبقّعت الجدران وتساقطت قشرتها في أكثر من موضع، ولم يعد متوافرا المال لترميم ما تخرّب. أما الموظفون الثلاثة فيتكفّل بدفع أجورهم الابن رياض المقيم بمفرده في الخارج، والذي، كلما أتى لزيارة أمه، يظل متبرّما من أوضاع البلاد وجاهرا برغبته في القتال ضدّ من يراهم أعداءه.
سليم، زوج ليونورا، هجر القصر هو أيضا مؤثرا الإقامة في فندق قريب. لكنه غالبا ما يعود إلى هناك، ليجلس متأملا الحديقة أو لمجالسة ليونورا، بينهما علاقة تختلف عما بين زوجين عاديين، فهما عاشا تاريخا شائكا هي بطلته، الشخصية المفعمة برغبة المغامرة والعيش. كما أن علاقتها الغرامية بسينمائي تركي اسمه يَمَن، ما زالت ماثلة في ذكرياتهما ومؤثرة في حاضرهما. تلك العلاقة، أو الخيانة، كما يحلو لابنهما رياض أن يقول، لم تحدث مرّة واحدة، ولم تنقطع كما يحدث في العلاقات خارج الزواج، بل هي مستمرة حتى في غياب الحبيب يمن.
لم يقم سليم بما كان سيقوم به رجل خانته زوجته، إذ هو قبِل به، وإن مكرهاً. ذاك أنه يحبّ ليونورا إلى حدّ القبول بكل شيء، هي أيضا تحبه، لكنها تستطيع مع ذلك أن تحبّ رجلا آخر. تحبهما معا ويشقّ عليها كثيرا أن تفقد أيا منهما.
ذلك الغرام الصعب يظل ماثلا في الرواية ويُردّ إليه معظم تفاصيلها. هو حاضر، وإن بأدنى حدّ من الإفصاح، في لقاءاتها مع زوجها، تلك التي باتت الآن عابرة وقصيرة. في مرّة جاوز طولها وقت لقاءاتهما المعتادة، وذلك حين مارسا غرامهما على غير توقّع. الكاتبة دومينيك إدّه نقلت لنا تفاصيل ذلك بكل حميميته وشعريّته. ربما كان قد جرى ذلك على لسان ليونورا، حين وصفته بأن ذاك اللقاء حدث إبعادا للموت وتحدّيا له. هكذا هي تلك المرأة التي بدأت حياتها راهبة، ثم تخلّت لتقضي ما تلا من حياتها متخبّطة في التفكير الديني والنظر إلى العالم المتحول إلى الفوضى والحرب، وإلى الفقر أيضا إن كان ممكنا أن توصف به مَن في بيتها ثلاثة من الخدم.
هؤلاء الأخيرون، خدم البيت، مدركون لإشكال وجودهم. ولكل منهم أحلامه وهواجسه، وعلى الأخص الفرنسية فينيز، التي تدور أفكارها حول مصائر محتملة لعيشها المقبل، بما تتعدى احتمالاته ما يدور في رأس امرأة تعمل مدبّرة لسيدة البيت. أما الزوجان الفلبينيّان فيؤثران الكلام في السرّ والخفاء، شأن ما يفعل الخدم العاديون. لكن القصر الكبير المساحة والمتعدّد الأنحاء لم يستطع تأمين الحماية لهما. فها هو الخارج الفاسد والمجرم، يعتدي على القصر منطلقا في ذلك من خادمه الفلبيني، فقتله جازّا رأسه، كما أنذَر، بعد أن لم يلبِّ الخادم ساري طلبه بقتل سليم.
إزاء الماضي، وهو مجال الرواية الواسع لكون الوقائع المؤسّسة لما يُروى قد حدثت فيه، يأتي الحاضر بمقابله فجّا وقاسيا وإجراميا. لغة الابن رياض وكلامه مليئان بالتهديد والرغبة بالانتقام والثأر، ما يشير إلى أن ليس وعي البشر فقط هو الذي تغير بل أيضا نوازعهم الأولى. كأنه النسخة الأخيرة التي انتهى إليها بشر لبنان، الحاضر في الرواية بمناظره وروائحه وألوان زهوره وترابه. ثم بضيقه مقارنة بما حمله الماضي الشخصي من تنقّل بين البلدان، مثل فرنسا والسويد وإيطاليا وتركيا.
لكن ليس رياض وحده من يسعى إلى القتال والثأر، فما كان الشاب يكثر من الوعيد به عن حمله السلاح، قامت بتنفيذه أمُّه، إليانور. من دون أن تلهج بكلمة عما اعتزمت فعله، قرأنا في الرواية عن ذهابها المتخفّي إلى منزل الرجل الذي قتل خادمها ساري لترديه قتيلا بمسدّس كانت تخفيه تحت ثيابها. أما زوجها فقد آثر العيش في ما يشبه غرفة الحرس في أرض كانت ملكا للعائلة في سهل البقاع. هناك في الصفحات القليلة الأخيرة من الرواية يصف سليم المنهك كل شيء حوله بتغير ألوانه وروائحه، مازجا الرؤية بالحنين، كما لو أنه هناك فقط يمكن استعادة الماضي كاملا. الوصف الدقيق المقرّب لقارئه حتى الإحساس باللمس، والذاهب في ذلك إلى التعبير عن أعمق المشاعر غورا، تظل فتنته حاضرة في الرواية. ما أكثر الخطوط التي خطّ بها قارئ الرواية، بالقلم الرصاص، الجمل والمقاطع التي أعجبته، بل ما أدهشته.

*رواية دومينيك إدّه «قصر موّال» نقلتها إلى العربية ماري طوق وصدرت عن المكتبة الشرقية في267 صفحة – سنة 2025.

كاتب لبناني

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية