المجلس الأعلى للدولة يناقش خريطة طريق اقتصادية لمعالجة الأزمة المالية والدعوة لتوحيد القرار المالي في ليبيا

نسرين سليمان
حجم الخط
0

طرابلس – «القدس العربي»: تتواصل النقاشات داخل المؤسسات الليبية حول سبل معالجة الأزمة الاقتصادية المتفاقمة في البلاد في ظل تراجع قيمة الدينار وارتفاع الأسعار واتساع الفجوة بين سعر الصرف الرسمي والموازي. وفي هذا السياق، استعرض المجلس الأعلى للدولة مقترحات اقتصادية تهدف إلى وضع مسار عملي لمعالجة الاختلالات المالية والنقدية التي تعاني منها البلاد، مؤكدا أن استعادة الاستقرار الاقتصادي تتطلب إجراءات عاجلة لوقف نزيف الموارد وتوحيد السياسات المالية والنقدية. ويأتي ذلك في وقت تتزايد فيه الضغوط المعيشية على المواطنين نتيجة ارتفاع تكاليف السلع الأساسية واستمرار الاضطرابات في إدارة الموارد العامة.
وناقش المجلس الأعلى للدولة خلال اجتماع عقد في مقره بطرابلس مجموعة من المقترحات الاقتصادية التي قدمها عدد من الخبراء والمتخصصين، حيث جرى طرح خريطة طريق اقتصادية من ثلاث مراحل تهدف إلى معالجة الأزمة الراهنة والانتقال بالاقتصاد الليبي إلى مرحلة الاستقرار. وأكدت النقاشات أن الأزمة الاقتصادية في ليبيا لا ترتبط بنقص الموارد بقدر ما تعود إلى تفكك السياسات الاقتصادية والمالية والنقدية نتيجة الانقسام السياسي وتعدد مراكز القرار داخل مؤسسات الدولة.

موارد سيادية كبيرة

وأشار المشاركون في النقاشات إلى أن ليبيا تمتلك موارد سيادية كبيرة من النفط والغاز يمكن أن توفر قاعدة قوية للاستقرار الاقتصادي إذا جرى إدارتها بطريقة شفافة ومنضبطة، غير أن المشكلة تكمن في آليات إدارة هذه الموارد وتوزيعها وغياب التنسيق بين المؤسسات المالية والاقتصادية المختلفة، وهو ما أدى إلى تفاقم الاختلالات المالية والنقدية خلال السنوات الماضية.
وتطرقت النقاشات إلى عدد من الاختلالات الرئيسية التي يعاني منها الاقتصاد الليبي في المرحلة الحالية، أبرزها الانفلات في الإنفاق العام في ظل غياب ميزانية موحدة للدولة ووجود أكثر من مركز لاتخاذ القرار المالي. كما جرى التحذير من استمرار تمويل العجز عبر خلق النقود، وهو ما يؤدي إلى زيادة عرض النقد في السوق وتفاقم الدين العام واتساع الفجوة بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق الموازية، إضافة إلى انعكاساته المباشرة على معدلات التضخم ومستويات الأسعار في الأسواق المحلية.
كما تناولت النقاشات ملف الإيرادات السيادية، حيث جرى التأكيد على ضرورة ضمان توريد كامل عائدات النفط والموارد السيادية الأخرى إلى الحساب الموحد للدولة دون استثناء. وأشير في هذا السياق إلى أهمية تعزيز الشفافية في إدارة الإيرادات النفطية ومراجعة الترتيبات المالية والتعاقدات الدولية المرتبطة بقطاع النفط والغاز، إضافة إلى ضرورة تعزيز الرقابة على الإنفاق في بعض القطاعات الحيوية مثل قطاع الكهرباء وما يرتبط به من توريدات الوقود وسياسات توليد الطاقة.
وتناول النقاش أيضا ملف إدارة النقد الأجنبي والاختلالات المرتبطة بمنظومة الاعتمادات المستندية، حيث جرى التحذير من تسرب العملة الصعبة إلى السوق الموازية وما يترتب على ذلك من استنزاف للاحتياطي النقدي وزيادة الضغوط على سعر الصرف. كما جرى التأكيد على أن استمرار هذه الاختلالات ينعكس بصورة مباشرة على القدرة الشرائية للمواطنين وعلى استقرار الأسواق المحلية.

خريطة طريق مقترحة

وفي ضوء هذا التشخيص طرحت خريطة الطريق الاقتصادية المقترحة ثلاث مراحل متتالية لمعالجة الأزمة، تبدأ بمرحلة «الإسعاف العاجل» التي تركز على وقف نزيف الموارد المالية. وتشمل هذه المرحلة اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية الإيرادات النفطية وضمان توريدها إلى الحساب الموحد، إضافة إلى إقرار ميزانية عامة موحدة تتناسب مع حجم الإيرادات الفعلية المتاحة، والتوقف عن أي إنفاق عبر الدين العام خارج الأطر القانونية، مع ترشيد استخدام النقد الأجنبي وضبط منظومة الاعتمادات المستندية.
وتتمثل المرحلة الثانية في «الإنعاش واستعادة الثقة» من خلال العمل على توحيد السياسات المالية والنقدية والاقتصادية بين المؤسسات المعنية، وتعزيز الشفافية والإفصاح المالي عبر نشر تقارير دورية حول الإيرادات والمصروفات. كما تتضمن هذه المرحلة إجراءات لضبط سوق الصرف وتقليص الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية بما يسهم في تحقيق قدر أكبر من الاستقرار النقدي والاقتصادي.
أما المرحلة الثالثة فتتمثل في «العلاج المستدام» عبر تنفيذ إصلاحات هيكلية طويلة المدى تستهدف تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للإيرادات. وتشمل هذه الإصلاحات مراجعة منظومة الدعم بشكل تدريجي ومدروس بما يضمن وصوله إلى الفئات المستحقة، إضافة إلى دعم التحول نحو اقتصاد إنتاجي قائم على تنمية القطاعات الاقتصادية المختلفة مثل الصناعة والزراعة والخدمات.
وفي موازاة هذه النقاشات، أعلن المجلس الأعلى للدولة أنه أحال سبع توصيات إلى حكومة الوحدة الوطنية ومصرف ليبيا المركزي بهدف معالجة الأوضاع الاقتصادية والحد من انعكاساتها على حياة المواطنين. وتشمل هذه التوصيات مطالبة المصرف المركزي بإلغاء الرسوم والضرائب التي فرضت دون إجراءات قانونية على بعض السلع الأساسية لما تسببه من ارتفاع في تكلفتها، إضافة إلى الدعوة إلى وقف الصرف الموازي الذي يتم خارج إطار الاتفاقات المالية الموحدة.
كما تضمنت التوصيات مطالبة الحكومة بوضع موازنة استيرادية وفق أولويات واضحة بالتنسيق مع مصرف ليبيا المركزي لضمان توفير السلع الأساسية للمواطنين، إضافة إلى اتخاذ إجراءات للحد من استيراد السلع غير الضرورية خلال هذه المرحلة بهدف الحفاظ على احتياطيات النقد الأجنبي. كما دعا المجلس إلى صرف مكافآت للمتقاعدين وأصحاب المعاشات الضمانية ومعالجة أوضاعهم بما يخفف من الأعباء المعيشية التي يواجهونها.
وشملت التوصيات كذلك الدعوة إلى مراجعة حجم البعثات الدبلوماسية الليبية في الخارج وترشيد الإنفاق العام بما يتناسب مع الظروف الاقتصادية الراهنة، إضافة إلى وضع آلية مشتركة بين مصرف ليبيا المركزي والحكومة والأجهزة الرقابية لمتابعة الاعتمادات المستندية وضمان وصول السلع المستوردة إلى المواطنين وتعزيز الشفافية في إدارة الموارد المالية.
وتواجه ليبيا منذ سنوات تحديات اقتصادية معقدة ترتبط بشكل أساسي باستمرار الانقسام السياسي وتعدد مراكز القرار داخل مؤسسات الدولة، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على إدارة الموارد المالية والنقدية. وقد أدى هذا الوضع إلى غياب ميزانية موحدة للدولة واستمرار الإنفاق عبر ترتيبات مالية متعددة، الأمر الذي ساهم في زيادة الدين العام واتساع الفجوة بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق الموازية.
كما تأثرت الأوضاع الاقتصادية بتراجع قيمة الدينار الليبي خلال الفترات الماضية وارتفاع مستويات التضخم في الأسواق المحلية، وهو ما انعكس على القدرة الشرائية للمواطنين وزاد من الضغوط المعيشية على مختلف الشرائح الاجتماعية. وفي ظل هذه التطورات يرى مراقبون أن توحيد القرار المالي وتعزيز الرقابة على الإيرادات والإنفاق يمثلان خطوة أساسية نحو استعادة الاستقرار الاقتصادي ومعالجة الاختلالات التي يعاني منها الاقتصاد الليبي.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية