الكتابة ومشتقاتها

أصبحت أستعمل كلمة «سي» وكلمة «حفظك الله» كثيرا في تعليقاتي على تدوينات أصدقائي في فيسبوك، فأصب وافر الرقة في لغتي، وهذا تغيّر ملحوظ يبعث على الشك والريبة، ويثير السؤال أكثر مما يوهم بالاطمئنان. خصوصا أنّني أفعلها حتّى مع أولئك الذين حطموا المزهرية ذات حماسٍ زائد. مع ذلك عليك أن تستدير بسرعة دون أن تشتكي مَظْلمة.
صراحة، أشكّ في مصداقية كلماتي الناعمة. ولا بدّ أن شعاعا رقيقا قد لامس قلبي المتحجّر فَرَقَّ وَلَان، بل بانت سعاد في قصيدة كعب بن زهير فقلبي اليومَ متبولٌ متيّم. وإمّا أنّ جنيًّا استبدّ بي وأنا غافل فأصبح يُملي عليَّ بلا حساب وأمسيتُ أكتب ما يملي. أحبّ هذه اللعبة فأتكئ على سرير واطئ واضعا الحاسوب فوق ركبتيّ والقهوة جواري فأنقر بأصابعي، كما لو أنني أنقر على لوحة البيانو فتطلع موسيقى شفافة مثل ماءٍ رقراق من فوهة الغدير. هناك فوهة المدفع وفوهة الغدير؛ يخرج من الأولى رصاص حيّ فيُردي آدميين وأبرياءَ، ويدفع بقبائلَ وشعوب إلى الحدود والمعابر، بينما ينبجس الماء من الثانية فيحيي الموتى والأشجار، ويفتح مسارب الأمل في حياة كثيرين. وهذا سرّ آخر من أسرار اللغة العربيّة، الذي بفضله ما زلت متشبثا بها.
صراحة لم يسبق لي أن نقرت على البيانو، ما يُشعرني أكثر بالانتماء إلى طبقة الأشقياء وبأن السعادة التي أشهرها في كتاباتي مجرّد إشاعة لغوية، ومجرد أدخنة أدفع بها في السماء، كي أتستر على ظلي فأعبر إلى الضفة الرمادية من حياتي.
أحبّ لحظات الكتابة مثل هذه، إذ أصير منقطعا عن العالم، مرميّا على الشاطئ وشبه مُخدَّر، أو شبه ميّتٍ. نصفي في الماء ونصفي الآخر في البرية، أصطاد سمكة بحواسي وأتوحّش في الغابة حين أريد. وفي أحسن الأحوال أقتعد كرسيّا في الهواء، وأتفرّج على الأزبال المتراكمة في سطوح البيوت وعلى الملابس المتروكة على حبال غسيل تنتظر مرور طيور في الصباح كي تبزق عليها.
هناك من النّاس من بزقت عليهم الحياة منذ الولادة ومع ذلك ما زالوا يأملون العثور على الكنز، ما يعني أن الترويض الذي مارسته الحكومات العربيّة على شعوبها طوال هذه السنوات كان فعّالا للغاية.
لكن هذه اللحظات الجميلة نادرة جدّا لدرجة أقرأ كتابتي في ما مضى ولا أصدّق ما الذي جرى، وكيف تراكمت الأحجار في فمي. أين تلك القصائد المندفعة كجياد فالتة من عقال؟ وأين تلك الصوّر الموحشة، التي كان يكفي أن أحكّ رأسي كي تسقط مثل سرب قملٍ، فوق منديل عجوز تقتعد عتبة الباب وتمشط شعرها الأشيب على مهلٍ، حيث الوقت ظهيرة ولا وجود لأحد في القرية في مثل هذا الوقت؟ وأين تلك القصائد التي كتبتها وأنا أشرح شيئا على السبورة، أو جالسًا فوق كرسيّ في دورة مياه، وفي نيتي أن أفكر في الأمور الدنيوية فوجدت نفسي أنطق شعراً؟ هناك من ينطق بالشهادتين في مكانٍ نظيف، وهناك من ينطق بالشّعر في مكان متّسخ. دائماً أمشي في الشوارع فألتفت ورائي، دون أن أجد من يتعقبني، باستثناء ذكرياتي ومن رحلوا في غفلة من الزمن الذي يركض مثل آلة قمار. أشكر الله على أني لست شاعرا وفي منأى عن أيّ غواية.
على الرغم من ذلك، فإنّ التواضع كثيرا يُضرّ بالشّاعر والكاتب ويعطي الانطباع للآخرين بأنّهم يكتبون أحسن منه. أحب محمد شكري لأنه كان يعرف مقدار كلماته لذلك ظل إلى أواخر أيامه شامخاً كالنسر فوق القمّة الشماء. كان يحسن الدفاع عن كلماته ويشهر أنفه في السماء مثل جنرال. على عكس محمد زفزاف الذي عاش زاهدا، بل هشّا ومتبرّماً من ّ كل شيء في أواخر حياته فاعتكف في شقته في الدار البيضاء مثل راهبٍ مطرود، يطل من النافذة بشاله الفلسطيني على الزقاق المكتظ بالأولاد، دون أن يعرف أحد هل الرجل يبتسم أم يتألم. والمفارقة أن شكري لم يكن روائيا صرفاً على غرار زفزاف، الذي راكم في الكتابة الروائية، بل إنّ رواية شكري الوحيدة بالمواصفات الفنية هي «السوق الداخلي»، وما تبقى يتوزّع بين أدب السيرة الذاتية والقصة القصيرة، وكتابة البوح والحوارات. إذ تتحدّد قوة شكري الإبداعية في هذه المنطقة الحميمية، التي تتسم بالمكاشفة واستدعاء الذاكرة. ويعتبر كتابه الشهير «الخبز الحافي» فتحا جديدا في أدب السيرة الذاتية ووثيقة مهمة في الأدب المغربي المعاصر، لا تقل أهمية عن وثيقة المطالبة بالاستقلال. على عكس سيرة عبد المجيد بن جلون «في الطفولة « التي تُدرّس لتلاميذ البكالوريا، والتي غالبا ما تكون مصدر ملل لهم، ما ينعكس سلباً على درجاتهم النهائية، استنادا إلى تجربة كاتب هذه السطور في تدريس هذا الكِتاب.
شكري هو الوحيد تقريبا الذي كتب السيرة الذاتية بمعاييرها الفنية الكاملة في العالم العربي، فتحدث بصدق عن الهامش المغربي، وفضح مؤسسة الأسرة والمجتمع، في وقت كان كلّ شيء متكتما عليه بالصمت والرواية الرسمية، في مغرب ما قبل الاستقلال وبعده بسنوات. لقد كان حقا هو السارد والبطل في أحداث واقعية تدور في مكان موجود وقائم، ينطلق من طنجة ويسع عموم الوطن. وعجبا، بعد كل هذا، أن نجد من النقاد من يتحدث عن «التخييل الذاتي»، ويصنف كتابه «الخبز الحافي» على أنه رواية. إنّه كاتب نال محبة الجميع في حياته وكتاباته، وحتى عندما مات خرجت النساء في جنازته في استثناء غير مسبوق.
هناك أيضا الراحل إدريس الخوري الذي يحفر بقصصه في الواقع المغربي بأظافر نسر، ويكتب عن العوالم السفلى وعن وطنٍ آخر متستّرٍ عنه باللوحات الإشهارية والستائر الداكنة وكثير من كلام السياسيين والقنوات الرسمية. وماذا تبقّى لنا؟ أحمد بوزفور الذي يقرأ قصصه في المؤسسات التعليمية وجمعيات الأصدقاء وأماكن محدودة جدّا منذ أن رفض جائزة وزارة الثقافة قبل عشر سنوات. الحكومة في المغرب لا تتسامح مع من يرفض الجوائز والعطايا. لا بدّ أن تقبل، ولا بد أن تشكر وتنحني بإجلال ثمّ تجلس في الكرسي جنب إخوتك وتصمت. لم نغلق اللائحة، ولكن المقام لا يسع للحديث عن تجارب أخرى تمثل الكتابة السردية المضادة في المغرب.
أعود للحديث عن التغير الجميل الذي حصل في لغتي الفيسبوكية. وآمل أن يمتد ذلك إلى مجمل كتاباتي، وأكتب عن وطنٍ في صحة جيدة، ولا يشكو آلاما في الظهر أو توترا في القلب. عن شدو عصفور على حافة نافذة في فلسطين، التي نريدها حرّة في الواقع وعلى الخريطة أكثر مما هي كذلك في نشرات الأخبار وقصائد الشعراء. وحتى إذا ما تعبتُ ذهبت للنوم وأنا أقول لكم: حفظكم الله جميعا. أحبكم.

كاتب من المغرب

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية