كما أن هناك منشغلين بالإجابة عن سؤال: لماذا نكتب؟ حيث تتفاوت الإجابات متأرجحة ما بين مَن يرى أنه يكتب ليُغير العالم، ومَن يتخذ الكتابة وسيلة للتسلية وتصفية المزاج الشخصي من كل ما يعكره، أو درباً منعزلاً للبوح، بدون أن يقاطعه أحد، هناك كذلك من ينشغل كثيراً بتعريفات الكتابة، وكل كاتب، بالطبع، يُعرّف الكتابة وفقاً لوجهة نظره هو. وبالتالي يمكننا أن نعثر على إجابات مختلفة عن سؤال لماذا نكتب بعدد من يمتهنون الكتابة، وحتى هُواتها، يمكننا كذلك أن نجد تعريفات مختلفة للكتابة بعدد من تورطوا فيها.
في كتابه «الكتابة إنقاذ اللغة من الغرق»، يسعى الكاتب العراقي لؤي حمزة عباس إلى إيجاد تعريف للكتابة مثلما يراها، محاولاً إدخالنا معه في أروقة الكتابة ودهاليزها، بل ومتاهاتها، ليُعرفنا عليها وعلى جدواها. وفيه يعتقد أن كل كتابة تقترح موقعاً لملاحظة العالم، وتستدعي مصادرها مثلما تستدعي الشجرة هواء حياتها، ذاكراً أن الكتابة هي نحن إذ يتهددنا المحو في كل حين، مشيراً إلى أن الكتابة لعب بكنوز الكلمات بما يجدد الكنز ويُحييه. كذلك لا تنتظر الكتابة أحداً، فهي دائمة التحول كعالم في طور التكوين، كحرب لم تُعلن بعد، في كل لحظة لها صورة وحال.
عباس الذي يتخذ من مقولة فلوبير الكتابة طريقة حياة، مفتتحاً لكتابه، يرى أنها تُرينا ما يغيب عن أعيننا المجردة من مختلف الجهات، كما تعيننا على رؤية الكائنات والاستماع إلى أصواتها، ومشاركتها روعة لحظاتها وهي تنظر إلينا، مؤكداً أن تسلق الجبل بما يوجز من معنى السعادة، يمكن أن يكون تعريفاً للكتابة في محاولتها المستمرة للإنصات لنداء الحياة، والتعبير عن لحظتها الفذة التي تتركب، لغرابتها، من ولادة وموت، حيث تتبادل الكلمتان المواقع إلى الأبد، ذاكراً أن الزمان لا يسري في الكتابة بين ليل ونهار، بل يمضي طليقاً على سجادة قديمة واسعة ليس لنقشها مثيل، وخيوطها محبوكة من ليل ومن نهار.
عباس الذي يدعونا هنا إلى أن نسير مع الكتابة بخفة على حبل الشك، أن نحلّق طلقاء كما لو كنا طيوراً تعيش لتوها روعة الطيران، يرى أن كل حرب هي حرب في اللغة، في جهة ما من جهات مملكتها، وفي كل زمن محدد من عمرها الطويل، معلناً أنه يتصور نفسه واحداً من مواطني دولة النسيان. وهو يعاود الكتابة عن الكتابة مبتدئاً من أول السطر في كل مرة، كخفاش يرتطم ببناية، أو كديك وحيد في قارب، مشيراً إلى أن هناك ما يُسمى بكتابة النسيان مُعرفاً إياها بأنها ذكرى ما حدث واندثر، إنها كتابة غامضة، خبيثة ومراوغة، ففي كل مرة نطمح فيها للكتابة عن بئر أو شجرة، عن بلد أو حرب، عن لمسة حزينة عابرة، نكتشف أننا نتيه فنكتب عن شيء آخر.
الكاتب الذي يرى نفسه هنا سيداً للفكرة وصاحباً للكلمات، وأن كل كتابة نسيان، يقول إن كل كلمة فيها اقتراح شذرة، وكل شذرة تقترح على طريقتها وجهاً مختلفاً من وجوه الكتابة التي لا تُعد. يعيد ما قالتها آني إرنو عن الكتابة: إذا كان ثمة تحرر عبر الكتابة، فهو ليس في الكتابة ذاتها، بل في المشاركة مع أناس مجهولين في تجربة مشتركة. ليست وظيفة الكتابة أو نتاجها طمس جرح أو علاجه، إنما إعطاؤه معنى وقيمة، وجعله في النهاية لا يُنسى. في كتابه الذي يُصنفه ضمن جنس الـ«نصوص»، وتحضر فيه بقية الأجناس الأخرى، شعراً ونثراً، يحاول عباس أن يحتفي بالكتابة، أن يسرد أفضالها على أهلها، وكما أنها إنقاذ للغة من الغرق، فهي إنقاذ للكاتب من أشياء كثيرة منها الإحباط، اليأس، فقدان الشغف بتفاصيل الحياة ومفرداتها، قائلاً إن الكتابة ليست موتاً أو حياة، إنما هي تمرين موصول في السير على حبل مشدود بينهما. كما أن الكتابة تمنحنا مناسبة لتأمل العابر الخفي من وقائع حياتنا، تهبنا فرصة للإنصات إلى ما لا يُسمع من صوت الإنسان في دواخلنا، الصوت الذي غاب أو تلاشى في مهرجان الأصوات التي تتعالى مغيبة كل صوت.
أيضاً يرى أن الدهشة هي معدن الكتابة، جوهرها الذي لا يُستعاد وهو يكتشف مغاور النفس في كل مرة، حتى وإن رمى الكاتب بصره بعيداً في الآفاق والتقط صوتاً قادماً من مفازاتها الغامضة، فإنه لن يلتقط غير صوته الخاص، صوت حزنه في مواجهة تقلبات الوجود. بل يذهب عباس أبعد من ذلك ليرى أن الكتابة تمنح الوقت شكلاً، تجعل له ملمساً، تركّب له طعماً ولوناً ورائحة، إذ إن الوقت خارج الكتابة عابر كزورق يهيم في بحر.
عباس، وهو يتجول في جِنان الكتابة وسعيرها، ينفي أن تكون الكتابة بنتاً للغة، كما ينفي عيشها على حافتها، معلناً أن الكتابة لا تأكل أعشاب اللغة، ولا ترعى مثل شاة على سفحها باحثة عن أغصان المجاز، مؤكداً أن الكتابة كتابة منذ فكّر الإنسانُ أن إنساناً يولد من نفسه ليزحف ككل وليد بين الكلمات، مثلما هي بحث في صلب الوحدة، في صمتها وتسليمها وانقطاعها. وبقدر ما تكون الكتابة ابنة الشك فهي تتفانى في بحثها عن اليقين، بل تواجه الشك باليقين، ووفق رؤية عباس، يمكن لأي منا أن يتحدث عن سكّينه الدقيقة ذات الحدين، وعن وشم يده اليمنى الذي طالما عذبه تحت القميص، كذلك يحاول بعضنا اصطياد الكتابة كسمكة، متسائلاً هل يبدو غريباً أن يعيش المرء في بيت يشبه كتاباً؟
وما الذي يمنح كتابة ما حساسية وعمقاً؟ ما الذي يجعل من قراءتها لحظة إنسانية نادرة للحوار مع الذات؟ مشيراً إلى أن الوحدة هي باب الكتابة، ينبوعها، مفتاح سحرها، مضيفاً كونك وحيداً يعني أن تكون في قلب العالم، وكونك في قلب العالم يعني أن تحيا أبداً في كتاب. كما يؤكد أن الكتابة تواجه التاريخ مواجهة الند للند، تفر منه أحياناً لتخلو إلى نفسها، فتسمعه يزأر في البعيد، خاطّاً هنا أن الخيانة في الكتابة، مثلها في الحياة، لها معنى موجع وحزين، بينما الكتابة دون خيانة هي كتابة مطهرة، قدسية ولا وجود لها.
هنا، وهو يغازل حسناء الكتابة، يقول عباس إننا نملأ كتاب العالم بالكلمات التي نريد، كل كلمة وهم، وكل وهم كتاب، مشيراً إلى أن الكتابة تمحو الكاتب، تزيح حضوره لصالح حضورها، إنه الظل الذي يتراءى في لحظة واقفاً خلف ستارة الكلمات. لكنه سرعان ما يخبو ويعود من حيث جاء متخذاً سبيله القديم في مملكة الكتابة، مؤكداً أن الكاتب ليس مرهوناً للغة وحيدة، على حد قول التشيكية فيرا لينارتوفا، مثلما يقول إن الكتابة هي الأرض الصلبة، الجذور التي تشق الأرض حين يتذكر المرء أنه بلا جذور، وإن الكتابة الخاطئة سيئة الحظ هي التي تنهض من الجانب الخطأ، مدلدلة قدميها في يوم سيء، يرنو الشيطان لكل كلمة من كلماتها ويبتسم. وفي حديثه عن كتابة المدن يعتقد عباس أنها لا ترصد الناس والشوارع والمعامل والبيوت، لا تدخل الغرف القديمة غير المضاءة، لا تفتش المخازن المهملة، لا تتريث أمام الصور العتيقة، ولا تنظر لعلاقات الحب العابرة، وانفلاتات الشعور. بل تنصت إلى ما يجري تحت السطح، حيث المدينة قشة تلاعبها ريح الزمان، مؤكداً أن المدينة ستبقى لغزاً من ألغاز الكتابة وواحدة من كبرى متاهاتها. المدن تشبه الكتابة، تواجهها وتتصادى معها، تنبثق منها كما ينبثق الحلم من الحلم، فتصبح السطور شوارع مديدة لا تبدأ ولا تنتهي، لكنها تتقاطع بمرونة واحتراف، كما أن الكاتب يموت وتعيش خديعته: إنها كتلة الورق التي لم تكن خرساء يوماً، وهو الكاتب الذي لم يكتب ليموت.
وعباس الذي يرى أن هناك نوعاً من الكتابة الخاطئة واصفاً إياها بأنها سيئة الحظ، وأنها تنهض من الجانب الخطأ، يحتفي بالكتابة عموماً، وبكتابة كبار الأدباء خاصة، مشيراً إلى تفرد كتابة نجيب محفوظ، ذاكراً أن التلازم بينه وبين عالمه شكّل وجهاً من وجوه التفرد، وامتيازاً نقل من خلاله مفردات عالمه مؤرخاً لتحولاته باشتراطاته الفنية الخاصة. وإذا كانت أعماله قد اقترحت الرواية وعاءً للتجربة الإنسانية في تدفقات نهرها العظيم، فإنه في «أحلام فترة النقاهة» اختار أن يُعيد تقطير تجربته الشخصية في كتابة تفيد من السرد القصصي، في تدفقه وعمق التقاطاته، دون أن تنتج قصصاً، مثلما تفيد من معطيات الذاكرة دون أن تسعى لتدوين سيرة صاحبها.
وعباس يصف هذه الأحلام بأنها تغتني بالكتابة وتضاء وتتوهج بقدرتها على اختراق الحواجز، وعبور الموانع والمحددات، ليبتكر محفوظ في أحلامه سبيلاً للوصول إلى الذات وهي تقف في محطتها العالية الأخيرة حيث ترى الجموع ولا تراها، وتسمع الأصوات ولا تسمعها. ويشير إلى أن الأدب الجيد يمد الجسور بين الناس المختلفين، وعلينا أن نفكر بأنه لا جسر في الكتابة، لا باب ولا شارع، هناك حياة طليقة تأخذ الناس تحت جناحيها في تجربة فريدة لا تنقضي.
أيضاً ينقل لنا الكاتب توصيف دوريس ليسنغ لتوصيف فضاء الكتابة، إذ ترى أنه الفضاء الذي تكتمل به دائرة الكتابة وهي تخلق لنفسها مجالاً لا يتحقق الانصات من دونه، مجال عازل كخط معركة، واضح ودقيق ومشحون بالخطورة، يقف شاخصاً بين اليومي في ردائه العادي وأفعال التفكر التي يتطلبها معمل الكتابة. وهو يعتقد أن الكتاب إن لم يجد مثل هذا الفضاء فالقصائد والحكايات تولد ميتة، ولن تتنفس ما تحتاجه من الهواء الذي يمنح الكلمة إرادتها ساعة تُكتب ويتوج وجودها، خاصة وأنه ليس لكلمات عليلة مسلوبة الإرادة ضيقة الأنفاس أن تنتج قصائد حية وحكايات.
وبعد رحلته هذه في حضرة الكتابة، يعود لؤي حمزة عباس ليتساءل من جديد: ماذا يمكن للكتابة أن تكون: حفلة تنكرية؟ صراعاً مع أشباح؟ أم هي محاولتها الدائبة لتعريف نفسها بنفسها؟
لؤي حمزة عباس:
«الكتابة إنقاذ اللغة من الغرق»
الهيئة العامة للكتاب، القاهرة 2024
195 صفحة.