الرباط ـ «القدس العربي»: تلك الجلسات الحميمية التي عاشها جيل الستينيات والسبعينيات، حيث صورة الجدة الحكيمة وهي تحكي ما تيسر من قصص سالف العصر والزمان، هي صورة موروثة من ذاكرة طفولية، لجيل سابق أهدى تلك اللحظة لآخر عنقود الحكاية التي ترويها «العكايز للصبيان» (العجائز للصبيان) كما ورد في أغنية الموسيقار المغربي عبد الوهاب الدكالي «كان يا ما كان».
انتهى عقد الحميمية المباشرة، واللحظة المشتركة بين السلف والخلف، من خلال حكايات الجدة، وبدأ عصر آخر لا علاقة له بالحميمية، عصر بارد رقمي لا تماس ولا تلامس فيه، فقط أزرار وصور وأيقونات وخوارزميات. لكن من يدري قد يحسه أطفال الألفية الجديدة حميميا، وذكرياتهم عنه ستكون ساخنة في منطقة النبض المستقبلي.
على نهج حكايات الجدة تسير قصص الأطفال المطبوعة في كتب أنيقة ومثيرة كانت تثير دهشتنا جميعا بألوانها وأشكالها، هي لحظة فراق متوقعة لكن إلى ذلك الحين يظل نقاش أدب الطفل مطروحا بقوة «الهامش» الذي وضع فيه، والاهتمام «المناسباتي» رغم المبادرات الجميلة والبليغة، التي تصدر عن هذه الهيئة أو تلك.
الكاتب المتخصص في أدب الطفل يعرف جيدا حجم «الهامش» الذي وضع فيه ما يبدعه، ورغم ذلك يواصل، خاصة في عصرنا الحالي الذي بات فيه الورق جزءا من ذاكرة على مشارف الانقراض. مغربيا لدينا بعض الكتاب الذين وهبوا عمرهم الإبداعي للطفل، ونجد من بينهم العربي بنجلون، الذي قد نعتبره حامل مشعل أحد رواد هذا الصنف الأدبي، والحديث هنا عن أحمد بوكماج، صاحب المقرر الدراسي «إقرأ»، الذي عاش معه جيل السبعينيات أجمل وأبهى وأبلغ اللحظات داخل الفصول الدراسية.
إلى وقت قريب كان العربي بنجلون لا يكلّ ولا يملّ من مد الصحف المغربية بجديد إصداراته، هو غزير في هذا الباب، مثل غزارة أسئلة وفضول الطفل، كان يحاول مواكبة تلك الحركية النشيطة لأطفال صاروا اليوم كبارا، هم نساء ورجال اليوم، لكن الكاتب ظلّ كما هو، قلما بريئا يكتب ويكتب، ولا يأبه لذلك «الهامش» الذي يتسع أكثر مع مرور السنوات.
الوضع «الهامشي» لأدب الطفل ليس حالة مغربية، بل عربية، لذلك سألت «القدس العربي» العربي بنجلون عن حصاد العرب في هذا المجال المدهش والمهم جدا، ليؤكد أن «بداية بروز أدب الطفل العربي (المكتوب) كانت أفضل من الحاضر، فقد كانت اجتهادات وإبداعات لأدباء في الأجناس الأدبية كافة، وفي النشر أيضا. فلا ننسى مجلة «سندباد» لمحمد سعيد العريان، ولا «أنيس الأطفال» المغربية، وما ألفه الراحلون، مثل كامل كيلاني في القصة، وأحمد شوقي ومحمد الهراوي وعلال الفاسي في الشعر، وعبد السلام البقالي في الرواية، وسواهم من الأدباء، لكن اليوم، نشهد أفولَ أدب وصحافة الطفل، ولم يعد هناك أي اهتمام بهذا الفئة العمرية، بل حتى بعض المجلات التي كانت تهتم بهذا المجال الحيوي، إما حُجِبت عن الصدور، مثل «عرفان» التونسية، وإما انحسر توزيعها في العالم العربي، مثل «المزمار» و»مجلتي» العراقيتين، وإما تعثر توزيعها، مثل «العربي الصغير» الكويتية، التي نكن لها كل التقدير لدورها المهم في إثراء ثقافة الطفل العربي».
وفي رأي بنجلون، فإن «هذا الوضع المزري لأدب الطفل العربي، شجع الكثير من دور النشر على إعادة طبع القصص القديمة، كنوادر جحا، وحكايات الصلحاء، أو التي لها علاقة بالتربية والتعليم، بغية الربح المادي فقط!». لذلك، فإن أدب الطفل ارتبط لدى البعض بتجارة المناسبات مثل موسم الدخول الدراسي، أو بالترف الذي لا طائل منه، بحجة أن الكبار لا يقرؤون فكيف سيقرأ الأطفال، بالنسبة للعربي بنجلون فإن هذا تحصيل حاصل، وطبيعي أن يقلد الطفل في بداية حياته «ويتأثر بالسائد في محيطه، وبما أن الكبار لا يقرأون، فالطفل هو أيضا، لا يرى جدوى من القراءة، وبالتالي، تبقى أُمَّةُ (اقرأ) أبعد ما تكون عن نعمة القراءة، التي تفتح أعينها على الواقع والعالم، وتطور سبل حياتها».
والطامة الكبرى، يوضح بنجلون، «أنه حتى تلك النسبة الضعيفة من القراء، تخلت عن الكتاب، بعد ظهور التكنولوجية الحديثة، ولم يعد هناك بحث ولا اجتهاد، وتعطل العقل، لأن كل شيء أصبح جاهزا بفضل الذكاء الاصطناعي. والحل الوحيد، الذي أكدنا عليه أكثر من مرة، هو تخصيص حصص للقراءة الحرة في المدارس، ابتداءً من مرحلة الروضة إلى الثانوية، وخلق جو المناقشة والحوار حول تلك القراءات، ما سيجعل الطفل ينمو، وهو يتآخى مع الكتاب، ولا يستعمل التكنولوجيا إلا في الحالات القصوى. لكن دعواتنا لم تلق آذانا صاغية، ولا يبدو أن الاتجاه الحالي يسير نحو إقرار خطة تعليمية، ترجع للكتاب أهميته التثقيفية والعلمية!».

وسألت «القدس العربي» الكاتب العربي بنجلون، عمّا إذا كان راضيا عما قدمه طيلة عقود من الإبداع في أدب الطفل، ليؤكد «أجل، فقد نشرت في البداية، قصصا اجتماعية وتاريخية ومعرفية، غير أن اطلاعي على الآداب العالمية، حفزني على الانتقال إلى الكتابة في مجالات أخرى، كالرحلات والعلوم والخيال العلمي، لأن العالم يسير في هذا الاتجاه، ولأن طفلنا العربي في حاجة إلى مسايرة النهضة العلمية التي يشهدها العالم، فلا يمكن أن يظل بعيدا، يستهلك دون أن ينتج، ولا يمكن أن يظل خارج التطور العلمي والتكنولوجي».
الشيء بالشيء يذكر، وحديث الحصاد يرتبط بسؤال التقصير في حق أدب الطفل مغربيا وعربيا، وهو ما قال عنه بنجلون إنه رغم وجود دول عربية «تخصص هيئاتٍ لأنشطة الطفل الثقافية، ومنها إصدار مجلات وكتب له، فإن ذلك لا يُشْرِف عليه متخصصون في أدب الأطفال، من علماء وأطباء وكتاب، وليست هناك رؤية مستقبلية لما يطمح له المجتمع من وراء ذلك. فكل ما يوجد، هو نشاط لا غاية منه، وحركة عشوائية لا تؤدي إلى نتيجة. والدليل على ذلك، هو وجود مجلات وبرامج وكتب، تنشر قصصا وأشعارا بالعامية. والعامية، كما نعرف، لهجة لا تدخر حمولة ثقافية وعلمية. كما أنَّ كل الأنشطة لا تتضمَّن الطفل وطموحاته، ولا تخصص لها ميزانية كافية، تحقق أهدافا مستقبلية للمجتمع، لأن لا أحد يفكر في أن طفل اليوم، هو رجل الغد، الذي ينبغي تكوينه، ليقود البلد في المستقبل. فما نراه اليوم من اختلالات في التفكير والسلوك، هو نتيجة طبيعية لتقصيرنا في تكوين أطفالنا. فلو كنا نفكر بهذه الطريقة، لكانت مجمعاتنا تضاهي الغربية، التي تخصص ميزانية (معتبرة) لتكوين أطفالها».
وماذا عن الإعلام؟ هل هو مقصر في حق أدب الطفل ومنحه مساحة للتعبير؟
يرى العربي بنجلون أن «الإعلام هو أيضا، يسير في هذا الاتجاه، يعتبر أن أغلب القراء والمتتبعين والمشاهدين من الكبار، فيباشر ما يروقهم ويتعلق بهم، إلا نادرا، ولأسباب ما، يعلنون عن نشاط يهم الأطفال. ولا تخصص الجرائد والمجلات زاوية أو صفحة أسبوعية، لتُعوِّد الطفل على القراءة. وما يوجد في القنوات التلفزيونية من برامج الطفل، لا يراعي مستواه الفكري واللغوي، ولا يطلعه على الجديد من الأفكار في عالم اليوم، أو يتعهد به من لا علاقة له بالطفل، ولا يمتلك تجربة به». العودة إلى ذكرى الجدات يثير القلق من كوننا رغم ذلك لا نهتم بالتدوين أو بالترويج لهذه الحكايات إعلاميا، وأيضا على مستوى النشر والطباعة، لذلك يقول العربي بنجلون إنه يظن أن «تلك المرحلة التي قضيناها مع أمهاتنا وجداتنا، ومع حكاياتهن وألغازهن، كان لها الدور الكبير في توجيهنا، وأنهن كنَّ بمثابة القنوات التلفزيونية الآن، أي أنهن كنَّ يعوضن الأجهزة الحديثة. وبطبيعة الحال، فإن تلك الحكايات كانت الشرارة الأولى لكتاباتنا، لكننا تجاوزنها، لأن قانون الحياة هو التجاوز، أي يجب أن لا نظل نكرر الماضي، وهذا هو العامل الأساسي الذي دفعنا إلى الكتابة في مجالات أخرى، كالرحلات والخيال العلمي.. فحكايات الجدات، شرعَتْ عقولَنا على عوالم خيالية فسيحة، دفعتنا إلى اختراق الفكر لنكمل ما بدأته جداتنا. وهنا، أستذكر كاتبا مصريا، أسدى خيرا كبيرا لنا، وهو الراحل يُسري شاكر، إذ لملم حكاياتنا الشعبية في ثلاثة كتب ضخمة، وعرَّبها بلغة بسيطة، حتى يفهمها كل القراء في العالم العربي».
وعبّر الكاتب عن تشاؤمه حين قال إنه لا يرى «أي مستقبل لأدب الطفل العربي، لأن كل الدول العربية تخوض في قضايا أبعد ما تكون عن التفكير في مستقبل طفولتنا، حتى في الحد الأدنى لها. فكل ما يصدر حاليا، هو اجتهاد شخصي من الأدباء، وبصورة محتشمة، أي بعدد من النسخ قليلة، لا تكفي قرية واحدة. فضلا عن ذلك، تفشي التفاهة التي أبعدت الكبار والصغار عن الأدب الجاد، وعن التفكير في النهوض ببلدانهم وتطويرها، بل تخلى الكبار عن دورهم في تربية الجيل وتعليمه، بتشجيعهم لكل الأنشطة المسيئة إلى الذوق!».