كان قرار المحكمة العليا البريطانية باعتبار توصيف حركة «بالستاين أكش» أو «العمل الفلسطيني» في الصيف الماضي غير قانوني، انتصارا للحراك المؤيد لفلسطين وغزة وكل الداعمين لحرية التعبير في بريطانيا، فقد قررت الحكومة في 2025 توصيف الحركة التي احتج أفرادها على تعاون بريطانيا مع شركات السلاح الإسرائيلية ويمارسون احتجاجات غير تقليدية ولكنها لا تقع ضمن دائرة الإرهاب تصنيفها كحركة إرهابية.
وأصبحت الحركة وبموجب القرار الذي اتخذته وزارة الداخلية ولقي دعما من عدة نواب في البرلمان في مصف تنظيم الدولة والقاعدة. وما تبع ذلك حملة قمع واعتقالات واسعة لكل من حمل لافتة يعلن فيها عن دعمه للحركة. وشملت الاعتقالات رجال دين ومدرسين ومتقاعدين وصل عددهم بالمئات، فيما أعلن معتقلون سجنوا بتهمة القيام بأعمال تخريبية على قاعدة عسكرية الإضراب عن الطعام ولفترة طويلة.
ثلاثة قضاة
وقالت صحيفة «الغارديان» (13/2/2025) إن ثلاثة قضاة بارزين انضموا الآن لقائمة طويلة من نقاد تحرك الحكومة ضد جماعة عمل سياسي، حيث اعتبروا الحظر «غير متناسب» ويتعدى على حرية التعبير والاحتجاج.
وفي حين أن أنشطة هذه المجموعة قد يتم معالجتها بموجب القانون الجنائي البريطاني. وقد أثارت نية وزيرة الداخلية آنذاك، إيفيت كوبر حظر «بالستاين أكشن» في حزيران/يونيو من العام الماضي جدلا واسعا. ولكن المحكمة قررت أخيرا أن قرار الحكومة لم يكن قانونيا، وهو ما يعد ضربة موجعة لرئيس الوزراء كير ستارمر، الذي يواجه تداعيات تعيينه بيتر ماندلسون سفيرا في الولايات المتحدة متجاهلا علاقاته مع المتحرش بالقاصرات والمدان بجرائم جنسية.
ورغم أن «إلحاق أضرار جسيمة بالممتلكات» يعد أساسا للحظر بموجب قانون مكافحة الإرهاب لعام 2000، إلا أن هذا التشريع كان يستخدم سابقا فقط ضد الجماعات التي تنوي ممارسة العنف ضد الأفراد، مثل تنظيم الدولة الإسلامية وجماعة بوكو حرام.
لذا، فإن استخدامه ضد «بالستاين أكشن»، وهي جماعة استهدفت مواقع شركة «إلبيت سيستمز» الإسرائيلية لتصنيع الأسلحة في بريطانيا، وغيرها من المواقع التي اتهمتها بالتواطؤ في الإبادة الجماعية للفلسطينيين، أثار استياء واسعا. فلم يسبق من قبل حظر أي جماعة تعمل بشكل مباشر، مما عزز الاعتقاد، رغم نفي الحكومة، بأن قمع الأصوات المؤيدة للفلسطينيين كان أهم لدى الوزراء من وقف مذبحة عشرات الآلاف من المحاصرين في غزة.
جماعات ضغط
ولم يكن غريبا أن الحكومة في قرارها تأثرت بضغوط جماعتين «نؤمن بإسرائيل» و«حملة مكافحة معاداة السامية» لحظر «بالستاين أكشن»، وكشفت صحيفة «الغارديان» سابقا عن اجتماعات، في عهد الحكومة المحافظة، مع ممثلين عن شركة «إلبيت» ومسؤولين في السفارة الإسرائيلية، كان من الواضح أنها تهدف إلى قمع المجموعة. وازداد التشكيك قبيل التصويت البرلماني على الحظر، إذ أطلعت وزارة الداخلية صحيفة «التايمز» على أنها تحقق فيما إذا كانت «بالستاين أكشن» ممولة من إيران، وهو ادعاء تنصلت منه الوزارة لاحقًا، ووصفه جوناثان هول، المستشار القانوني المستقل لشؤون مكافحة الإرهاب، والذي أيد الحظر، لبرنامج «ديسباتشز» على القناة الرابعة بأنه «تلميح مبطن لا أساس له من الصحة».
عاصفة رفض
وإذا كانت الحكومة تتوقع أن تهدأ حدة الجدل بعد دخول الحظر حيز التنفيذ، فقد خاب أملها. فلم يقتصر الأمر على وجود طعن قانوني، حيث رفض طلب بوقف الحظر، بل شمل أيضا حملة عصيان مدني. وقد زادت مشاهد اعتقال المتقاعدين، بمن فيهم رجال دين وقدامى المحاربين، على أيدي الشرطة من حدة الانتقادات، حيث صرح اتحاد شرطة العاصمة بأن الضغوط الإضافية على الضباط نتيجة للمظاهرات المتكررة، التي اعتقل خلالها المئات، «غير قابلة للاستمرار». وكانت تدخلات الشرطة مثيرة للقلق وعبثية في آنٍ واحد. فقد هددت لورا مورتون بالاعتقال من قبل ضباط مسلحين لدعمها حركة العمل من أجل فلسطين بعد أن رفعت لافتة كتب عليها «الحرية لغزة» وعلما فلسطينيا. كما احتجزت ماريان سوريل، وهي مدرسة متقاعدة، من قبل الشرطة لمدة 27 ساعة تقريبا، اقتحم خلالها الضباط منزلها وفتشوه، بعد أن اعتفلت لحملها لافتة كتب عليها: «أنا أعارض الإبادة الجماعية. أنا أدعم حركة بالستاين أكشن».
وألقي القبض على جون فارلي لحمله لافتة تحمل رسما كاريكاتوريا من مجلة «برايفت آي» الساخرة يقول: «غير مقبول بالستاين أكشن: رش الطائرات العسكرية. مقبول بالستاين أكشن: إطلاق النار على الفلسطينيين المصطفّين للحصول على الطعام». وفي الوقت الذي وصفت فيه كوبر الحركة بأنها منظمة عنف وتسببت بأضرار جنائية واسعة إلا أن ما قالته كان متناقضا مع الوثائق التي نشرت في المراجعة القضائية.
يوم مخز
وعلق أوين جونز في «الغارديان» (13/2/2026) على قرار العليا بالقول: هذا يوم مخز لمن سهلوا الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة، ولحظة انتصار لمن وقفوا ضد «جريمة الجرائم». وأشار إلى أن قرار المحكمة بإلغاء تصنيف الحكومة جاء بعد اعتقال 2.700 شخص تظاهروا دعما للحركة كان معظمهم من المتقاعدين. وأكد أن من يقوم بأعمال تخريب للممتلكات يجب معاقبته بموجب القانون الجنائي الموجود، إلا أن الحكومة قامت بسابقة عندما ألصقت تهمة «الإرهاب» بحركات فوضوية وإن كانت ليست حركات إرهابية. ورغم اعتراف القضاة بأن حركة «بالستاين أكشن» وأفعالها تجاوزت العصيان المدني، إلا أن حركة المطالبة بمنح المرأة الحق بالتصويت في بداية القرن الماضي لم تكن كذلك، واليوم ينظر إلى قادتها كقديسات.
وما احتجت عليه حركة «بالستاين أكشن» هو إبادة جماعية في غزة، أكد على حدوثها علماء في الإبادة ومنظمات في الأمم المتحدة وإغاثة طبية وإنسانية، بل وأكد وزير الصحة البريطاني ويس ستريتنغ في لمراسلاته المنشورة مع بيتر ماندلسون العام الماضي: «إسرائيل ترتكب جرائم حرب أمام أعيننا».
والمفارقة في كل هذا هو أن وزيرة الداخلية شبانة محمود أكدت أنها ستقاتل قرار المحكمة، مع أنها كانت قبل أكثر من عقد من الزمان، تشارك في مسيرات احتجاجية ضد العدوان الإسرائيلي على غزة، والذي مهما بلغت فظاعته لا يمكن مقارنته بحجم الإبادة الجماعية الحالية. ومن الصعب، كما يقول جونز، تصديق أن محمود لا تشارك ستريتينغ استنتاجه بأن إسرائيل ارتكبت جرائم حرب، لأن إنكار ذلك يشبه تبني نظرية الأرض المسطحة. ويقول إن «الحكومة البريطانية ترفض التصريح بالبديهيات لأن ذلك سيحملها التزامات قانونية. فعلى سبيل المثال، لن يكون من القانوني تزويد دولة ترتكب جرائم حرب بالمكونات الأساسية للطائرات المقاتلة. ولهذا السبب تراجع وزير الخارجية آنذاك العام الماضي عندما وصف الحصار الإسرائيلي لغزة بالوصف الحقيقي: انتهاك للقانون الدولي».
خلاف أوروبي- أمريكي مر
ويأتي قرار المحكمة العليا في ظل استمرار الوضع في غزة من ناحية تدخل إسرائيل في حياة الفلسطينيين وإجراءات مستمرة لضم الضفة الغربية وتضييق على الأقصى واقتحام للسجون بمشاركة الوزير المتطرف، إيتمار بن غفير. وفي خطوات تقول إدارة دونالد ترامب بأنها تسريع للمرحلة الثانية من خطته المكونة من 20 بندا، قال الرئيس إنه سيخصص مليارات الدولارات من أجل إعادة إعمار غزة، وسط إعلان عن اجتماع لمجلس السلام الذي يترأسه في الأسبوع القادم بواشنطن، مع أن رئيس لجنة التكنوقراط الفلسطينيين، علي شعث أكد أنه لم يتلق بعد دعوة لحضور الإجتماع. ومن جهة أخرى أعلنت أندونيسيا عن تحضيرات لنشر آلاف الجنود في غزة وأماكن أخرى، والمشاركة في قوة الإستقرار الدولية، حسبما كشفت أولا صحيفة «فايننشال تايمز» (10/2/2026). وفي تطور آخر، كشفت صحيفة «نيويورك تايمز» عن موافقة أمريكا مبدئيا على إبقاء السلاح الخفيف في يد حركة حماس، ونزع الثقيل. وكشفت صحيفة «نيويورك تايمز» (10/2/2026) نقلا عن مسؤولين أمريكيين قولهم إن حماس قد تبقي على السلاح الخفيف ضمن خطة سيقدمها المبعوث ستيف ويتكوف إلى حماس في الأسابيع المقبلة. ولم تذكر الصحيفة تفاصيل عمن سيتلقى السلاح الثقيل. وبخاصة أن إسرائيل لن تنسحب من القطاع بدون نزع السلاح. في وقت هدد فيه إيال زامير، قائد الجيش الإسرائيلي باستئناف القتال من جديد.
ولا تزال خطط الرئيس ترامب مجرد تصريحات، حيث لم يظهر أي شيء على الواقع بالنسبة لأهل غزة، في وقت إندلع فيه خلاف حاد بين أوروبا والولايات المتحدة حول مستقبل غزة، حيث حذرت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، من أن «مجلس السلام» الذي أنشأه دونالد ترامب ما هو إلا أداة شخصية للرئيس الأمريكي تعفيه من أي مساءلة أمام الفلسطينيين أو الأمم المتحدة. كما اتهم وزير الخارجية الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس، ترامب بمحاولة الالتفاف على التفويض الأصلي للأمم المتحدة الممنوح للمجلس، وقال إن أوروبا، أحد أبرز ممولي السلطة الفلسطينية، قد استبعدت من هذه العملية.
وفي كلمتها في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم الجمعة، قالت كالاس إن الهدف الأصلي لقرار الأمم المتحدة وتفويضها كان مساعدة غزة من خلال مجلس السلام، إلا أن هذا الهدف قد تم تحريفه، إذ لم يعد ميثاق المجلس يتضمن أي إشارة إلى غزة أو إلى الأمم المتحدة.
وقالت إن قرار مجلس الأمن الدولي ينص على إنشاء مجلس سلام لغزة، ولكنه يحدد مدة عمله حتى عام 2027، ويمنح الفلسطينيين حق المشاركة، ويشير إلى غزة، بينما لا يتضمن النظام الأساسي لمجلس السلام أي إشارة إلى هذه الأمور.
وأضافت: «لذا أعتقد أن هناك قرارا صادرا عن مجلس الأمن، لكن مجلس السلام لا يعكسه». وأعرب السناتور الديمقراطي كريس مورفي عن مخاوفه من أن مجلس السلام قد شُكل بطريقة لا تضمن وجود ضوابط تمنع وصول مليارات الدولارات من أموال إعادة الإعمار إلى أيدي أصدقاء ترامب ومقربيه. وتقول «الغارديان» (13/2/2026) إن هذه التصريحات هي المرة الأولى التي تظهر فيها الخلافات حول مشروع ترامب علنا على هذا المستوى الرفيع، وتبرز التوترات بشأن وضع وقف إطلاق النار في غزة، واجتماع مجلس السلام المقرر في الأسبوع المقبل. وقال رئيس المبادرة الفلسطينية، مصطفى البرغوثي إنه يخشى أن تفقد مناقشات خطط غزة أي مصداقية، إذ «أصبحت الضفة الغربية بأكملها مفتوحة للاستيطان، وإسرائيل تدق المسمار الأخير في نعش اتفاقية أوسلو. الأمر لا يقتصر على محاسبة المسؤولين عن الإبادة الجماعية، بل يتعداه إلى تحديد من سيوقف عملية القضاء على حل الدولتين».
ضم الضفة
وكانت الحكومة الإسرائيلية قد أعطت لنفسها في الأسبوع الماضي صلاحيات واسعة، تسمح للمستوطنين بشراء أراضي الفلسطينيين ولها ببيع الأراضي في مناطق السلطة، فيما وصفه وزير المالية بتسلئيل سمورتريش بأنه نهاية للدولة الفلسطينيية. ورأت شيرا إيفرون في مقال بمجلة «فورين أفيرز» (12/2/2026) أن قرارات الحكومة قد تؤدي إلى تفجر الضفة الغربية، فمنذ هجما حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، والهجوم العسكري الإسرائيلي اللاحق على غزة، شنت الحكومة الإسرائيلية حملة ضم فعلية، مكثفة وجودها العسكري في الضفة الغربية ومارست ضغوطا مستمرة على السلطة الفلسطينية لإضعافها، وسرعت في بنان المستوطنات اليهودية، فيما أصبحت أعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون شبه يومية. وقالت إن قرار المجلس الوزاري يوم الأحد الماضي بتسريع الضم ليس سوى أحدث تطورات الوضع الذي أوصل الضفة الغربية إلى حافة أزمة حقيقية. فقد تصبح السلطة الفلسطينية عاجزة عن سداد ديونها في غضون أشهر، ما سيؤدي إلى توقف تقديم الخدمات الأساسية لملايين الفلسطينيين وإجهاض جهود التعاون الأمني مع إسرائيل التي حالت حتى الآن دون اندلاع اضطرابات واسعة النطاق. ويبدأ شهر رمضان الأسبوع المقبل، وهو حدث لطالما أشعل التوترات حول المسجد الأقصى. وأضافت أن وجود هذه البؤر المتوترة ليس من قبيل الصدفة، بل هو استراتيجية إسرائيلية. فقد جادل وزراء نافذون في الحكومة الإسرائيلية منذ فترة طويلة بضرورة ضم الضفة الغربية إلى فلك إسرائيل السياسي والإداري. وقد وضع بيان صدر عام 2017، كتبه سموتريتش بعنوان «الخطة الحاسمة»، خريطة طريق لهذه الاستراتيجية: على إسرائيل أن ترسخ وقائع لا رجعة فيها على الأرض، تغلق أي احتمال لإقامة دولة فلسطينية، وتجبر الفلسطينيين على قبول وضع تابع دائم أو مغادرة الضفة الغربية. ومنذ حرب غزة، استغل سموتريتش وغيره من قادة اليمين الإسرائيلي ضبابية الحرب لتحويل هذه الرؤية إلى سياسة.
على الرغم من أن موقف نتنياهو أكثر غموضا. وشككت الكاتبة في قدرة المعارضة المعتدلة على إرجاع هذه السياسات، لو فازت في الانتخابات، لأنها لم تقدم حلا بديلا وفعالا. وتؤكد الكاتبة أن الحكومة الحالية في إسرائيل تسعى لتقويض أي مكسب أمني في الضفة الغربية وإضعاف السلطة الفلسطينية، التي ساهمت في منع انتفاضة مستدامة. وتريد حكومة اليمين تغيير شكل الضفة الغربية إلى جانب زيادة المستوطنين. وبدأت الحكومة الإسرائيلية في إنشاء ممرات سيطرة استراتيجية عبر توسيع حدود السلطات البلدية وإنشاء طرق التفافية وربط البنية التحتية بين المستوطنات، مما يصعب على قوات الأمن الفلسطينية والقيادات السياسية ممارسة سلطتها على المدى القريب، ويقضي على أي فرصة طويلة الأمد لإقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافيا. كما يواجه الفلسطينيون تصاعدا حادا في العنف الذي يرتكبه المستوطنون الإسرائيليون بشكل مباشر، وهو نوع من العنف تقره الحكومة الإسرائيلية ضمنيا. وتشير إلى أن نتنياهو تجنب وبطريقة انتهازية، دفع السلطة الفلسطينية إلى الانهيار التام. فهو يدرك أنه مهما كانت المكاسب الأيديولوجية قصيرة الأجل التي قد يحققها مثل هذا التحرك، فإن تكاليفه طويلة الأجل ستكون باهظة. فبدون السلطة الفلسطينية، ستضطر إسرائيل إلى تحمل مسؤولية توفير الخدمات المدنية – الرواتب، والصحة، والتعليم، والأمن – لملايين الفلسطينيين. لكنه وباهتمامه ببقائه السياسي، لم يعد يسيطر سيطرة كاملة على ملف الضفة الغربية؛ إذ يديره سموتريتش وشركاؤه. وقد اعترضت إدارة ترامب على قرارات الحكومة الإسرائيلية. وأكد ترامب سابقا بأن الضم لن يحدث في ظل إدارته، ولكنه يحدث فعليا، وهو ما يعطي صورة عبثية حول كل ما يقوله ترامب.
استعراض كابوكي
ويرى حسين إبيش في مجلة «ذي أتلانتك» (10/2/2026) حيث قال إن لدى الرئيس ترامب خططا طموحة لقطاع غزة. لكن المشكلة تكمن في أنها لا تمت بصلة إلى الواقع المرير على الأرض، ولا يبدو أن هناك أي أمل في توافقهما في المستقبل القريب. وقال إن خطة واشنطن المفصلة إعادة إعمار غزة، غير جادةعلى الإطلاق. فهي تعد بإنشاء مناطق صناعية ومراكز تعليمية ومناطق سكنية ومنتجعات ساحلية مستوحاة على الأرجح من مدن مثل دبي وسنغافورة. لكن تلك المدن تطورت عبر عقود من التخطيط الحضري الدقيق. أما غزة، فهي في الوقت الراهن أرض مُدمّرة وخراب. فأي خطة إعادة إعمار جادة يجب أن تبدأ بتلبية الاحتياجات العاجلة لأكثر من مليوني فلسطيني، والتي تشمل السكن والغذاء ومياه الشرب النظيفة، فضلا عن الخدمات الصحية والتعليمية الأساسية. وقال إن خطة ترامب الرئيسية تتعامل مع غزة وكأنها أرض بكر، لا كومة من الأنقاض المقسمة التي يسكنها أناس معدمو وجائعون بلا مأوى. كما تتجاهل الخطة تماما المواقع التاريخية والدينية في القطاع. إذا بدا الأمر برمته وكأنه خيال جامح لمطور عقاري، فذلك لأنه كذلك بالفعل.
وفي النهاية يعرف عن ترامب تخصصه في الإعلان عن مبادرات دبلوماسية يفترض أنها هامة، تتصدر عناوين الأخبار ولكنها لا تحدث أي فرق. فكل ما يروج له في غزة، قوة الاستقرار الدولية، والخطة الرئيسية ومجلس السلام ولجنة الحوكمة التكنوقراطية – لا يعدو كونه عرض «كابوكي» مسرحي ياباني، منفصلا تماما عن الواقع المرير في القطاع.