«القراءة الإبداعية»

حجم الخط
0

هل أن الموهبة، أو ما يسمونه «الاستعداد الفطري» يقود الكاتب لكي يقرأ، بمعنى أن دوافع سابقة تقوده إلى عالم القراءة ؟ أم أن قراءات الفرد التي تحدث في حياته المبكرة هي التي تشكل وعيه بذاته ككاتب ؟!
للإجابه على السؤال الإشكالي، من جانبي أقول إن الأمرين يحدثان معاً. فاندفاع طفل او مراهق في العائلة، دون سواه، لتناول الكتب المتاحة امامه والتعلق بها، هو بسبب من بذرة الكاتب في داخله، وحالما يتورط في عالم القراءة، يكتشف أنه مدفوع نحو سحر أبعد من حدث القراءة نفسه. يريد أن يكون موحوداً في داخل فعل القراءة ومساهماً في إنتاجها والتخلص من سلبيته تجاهها، أي أن يطور استراتيجية في أن يصبح مؤلفاً هو الاخر في يوم الأيام. وهذا لا يحدث على طريقة الاكتشاف المفاجيء: لقد وجدتها!
وإنما على مراحل معقدة أعتقد أن الكتاب يعرفونها جيداً بداخلهم ويتعذر عليهم في كثير من الاحيان تسميتها على نحو واضح .
هكذا ، بدأت قراءاتي الأولى واختلفت مع نفسي في عالم خاص وسري، يحدث بيني وبين الكتب التي توفرت في مكتبة البيت ( بالمناسبة تعد المكتبة جزء من أثاث العائلة العراقية وتعبيراً عن توجهها الثقافي والسياسي أحيانا) .
في فترة مبكرة، كنت اقرأ ما يصادفني، ما هو متوفر بين يدي مصادفة. قرأت لنجيب محفوظ والمنفلوطي وغيرهما من مؤلفي كلاسيكيات الادب العربي وتحديداً الروايات.
وكنت كلما تورطت أبعد في القراءة، قادتني بدورها إلى طرق مجهولة جديدة من الكتب، وهكذا تراكمت تجربة القراءة ، فازداد وعيي النقدي تجاهها حتى بلغت مرحلة الاختيار بين تلك التي تناسب مزاجي وغيرها .
واخيراً بدأت تلمس طريقي الخاص ليس في القراءة، وانما في بدأ محاولة الكتابة، تلك المرحلة التي تعبر بشكل بريء عن تأثرنا المباشر بما نقرأ واعتدنا على تسميته بالخواطر . وما أن ظهرت السوشيال ميديا حتى انتقلت من دفاتر المذكرات والخواطر والقصائد إلى عالم المساهمة بالنشر العام .
في هذه الفترة أدركنا أن العالم اوسع بكثير من ذلك المجال الذي نعيش بداخله، فثمة اسماء جديدة ، عشرات بل مئات الأسماء الجديدة التي علينا العودة اليها لنؤسس الكاتب الذي نريده .
هنا جرت بدأت كلاسيكيات الادب العالمي : دون كيخوته، تشارلز ديكنز ، جين أوستن ، الاخوات برونتي، فرجينيا وولف، ماركيز وكونديرا وسواهم وبعدها انتقلت إلى مرحلة الادب العالمي الحديث نيكول كراوس، آلي سمث، شيمامندا، سامانثا شويلبن وغيرهم بالإضافة إلى قراءة الادباء العرب من مختلف الاجيال ، حصل ذلك لان شخصية الروائي بداخلي هي التي دفعتني إلى عالم الرواية تحديداً وعالم مذكرات الادباء كذلك .
الدراسة الاكاديمية في مجال الانثروبولوجي من جانبها فتحت عوالم جديدة لمعرفة الثقافة الانسانية وشروط وجودها واختلافها والعوامل الموثرة التي تنتجها كالبيئة والطبيعة والنظرة العامة للوجود .
وهنا تعلمت تنويع مصادر معرفتي التي تنهل من معارف مختلفة كالفيزياء والفنون والعمارة والموسيقى وشيء من الفلسفة .
هذه القراءات والتأملات اليومية والنزعة الفردية للتمييز، تحث الكاتب على البحث عن صوته الخاص . على أن يكون متفرداً ويأتي بإضافاته الشخصية ، فكما نعرف أنه ليس هناك نص بريء ، فالنص، أي نص هو حاصل نتاج تلك الميكانيزمات المعقدة التي تحصل من قراءة نصوص أخرى، مضاف اليها سيرة الكاتب ومفارقات حياته والثقافة التي نشأ فيها .
فالدرس الأول الذي يقوله عالم الأدب، اكتب عن الحب والصداقة والوجود والموت والفقر والرحلات وغيرها ، لكنها اخبرنا عن ذلك بطريقة جديدة .
بعض النقاد يحصون موضوعات الرواية التي تدور حولها كل القصص التي قرأناها، لكننا وفي كل مرة نقرأها بطريقة مختلفة .
إذن أن كل كاتب هو قاريء بالضرورة ، وأن كان ليس من الضرورة أن يتحول كلّ قاريء إلى كاتب . فالقراءة في حد ذاتها هي نوع من الإبداع ، القراءة بحد ذاتها فن وخبرة وممارسة .
واحياناً تكون القراءة واجب ملزم على الكاتب لكنها بالنسبة للقاريء المحض فهي متعة ورحلة جمالية، يحققها ذلك الفرد الذي تسميه فرجينيا وولف بالقاريء العادي ، الذي هو بالنسبة اليها أفضل أنواع القراء، وبالنسبة إلى امبرتو ايكو هو المنتج الثاني لمعنى النص .
القراءة بالنسبة للكاتب هي نوع من التحدي، – الشعور بالغيرة والغضب والانزعاج والحب والمنافسة والمغامرة، وبالنسبة للقاريء العادي هي رحلة جمالية خالصة وليست بريئة على الدوام .
هناك سر خفي آخر أود المرور عليه، هو أن الكاتب حين يقرأ فهو يكتب في الوقت نفسة، يكتب في لا وعيه كل ما يتفق أو يختلف معه، لكي يظهر لاحقاً في سطوره دون أن يدري كيف حدث ذلك بالضبط .
فاذا كانت الكتابة قدر فأن القراءة حرية ، والكاتب الجيد هو الذي يجري مصالحة بين قدره وحريته .

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية