لم أتوقع مقالا بهذا العنوان، ولم أكن لأكتبه بالتأكيد قبل فترة من الزمن، حينما كانت القرارات الأممية ولا تزال – رغم هشاشتها – وإجازة التدخلات الخارجية بمقتضى «الفصل السابع» لميثاق منظمة الأمم المتحدة ذاتها (رغم ما شهد التاريخ من خروقات لها)، تشكل زمنا كان فيه القانون الدولي لا يزال يحمل معنى، ولو نظريا في أكثر الحالات، لكنه كان يحافظ على الأقل على سلامة المنظومة الأخلاقية (ethics) رغم تطبيقها العملي (moral) الفضفاض. في نهاية المطاف، هذا السياق نعرفه ويعرفه معنا حماة الأمم المفترضين في شخص قادتهم.
لكنّ هناك جديدا.. جديدا يرقى إلى مستوى القطيعة التي لم نتقبلها، بيد أننا كنا نستشعرها منذ زمن ممتد طبعته هشاشة النظام العالمي، وهي هشاشة يرجعها معظم الباحثين إلى نهاية الحرب الباردة. لكن الاستشعار كان منخفض الكثافة (low intensity)، لأن زمن الحرب الباردة كان محكوما بقواعد لعبة التعامل المعقلن مع الردع النووي شرقا وغربا، أي أمريكياً وروسياُ وصينياً أيضاً. وكان هذا الزمن يستشعر خطر التهديدات على نحو منخفض الكثافة أيضا، لأن سقوط جدار برلين كان قد أرسى في الغرب مبادئ مبنية على مقولة «الحرب ولت، أصبحنا نعيش الآن في عالم سلام»، من دون أن نُخضع مقدار صلابة المقولة لمحنة الواقع. ومحنة الواقع، هي التي تقودنا راهنا إلى إعادة النظر في المقولة راهنا، بمعنيي الوقت الراهن الحالي ورهانات المستقبل.
سقوط جدار برلين كان قد أرسى في الغرب مبادئ مبنية على مقولة «الحرب ولت، أصبحنا نعيش الآن في عالم سلام»، من دون أن نُخضع مقدار صلابة المقولة لمحنة الواقع
لم تلفت نظري أكثر أو بالكاد هذه الأيام، عبارة جنرال الطيران المتقاعد الفرنسي باتريك دو تارتر وهو يقول: «لم يعد هناك قانون دولي».
قد تنتابك الصدمة من هذه العبارة وقد ينتابك القلق.. وجدير بهما أن ينتاباك بناء على كل المعلومات، التي بدأت الأجهزة الاستخباراتية تدرجها في تصريحات علنية أكثر من أي وقت مضى، خاصة في مجال التهديد السيبراني، وأيضا النووي، بانتهاكات متكررة، وأخرى قادمة في الطريق، لحظر انتشار السلاح. لكن قد ينجر عن هذا الكلام موقف معاكس، تحتمه ضرورة عدم الاستسلام لواقع عدم الاستقرارن الذي يشخصه عدد من الخبراء. فتغيير معايير تقييم القانون الدولي هو الذي يشكل تحدي الغد، وسواء اتفقت مع فكرة أن القانون الدولي الحالي «لاغ»، «معطل»، «مبطّل المفعول»، أو مع غيرها من التوصيفات المجاورة، تكون خاتمة التشخيص نفسها: لا يمكن أن يبقى الوضع قائما على حاله، وإذا أردنا تفسيرا أدق لهذا الكلام، فهو التالي: ستتغير التوازنات بين الأمم حتما، على نحو يكرس تعريفا جديدا للقانون الدولي متجذرا في التعددية القطبية. كل هذا مهم، بل مهم جدا. لكن الأهم لأنه مبدأ المبادئ من حيث الترتيبات، تقديم تعريف للتعددية القطبية، يساهم في هيكلة نظام عالمي جديد (وإذا أردنا الدقة من حيث فترات التاريخ فهو نظام عالمي جديد جديد). والنظام العالمي الجديد سيكون هو بدوره محكوما بحتمية إدماج الاقتصادات الصاعدة مثل الاقتصاد الصيني والهندي والبرازيلي، ودول الجنوب الكلي بشكل عام. فالشأن الاقتصادي العاجل المتمثل في النمو وتوزيع الثروات، ستحدد من الآن فصاعدا قوانين اللعبة الجديدة، التي سوف ترسم ملامح قانون دولي جديد قد يحمل اسما مغايرا كـ»نظام توازن الأمم» مثلا.
الجيوسياسة تشهد إعادة ترتيب كامل للأوراق كما نرى في إيران، وكما نرى في الشرق الأوسط، ونرى ذلك في الشأن الروسي، كما نرى في أمريكا اللاتينية. كلها محاور تظهر بصورة جديدة وتتحرك بطريقة أشبه بالصفائح التكتونية، تاركة بابا مفتوحا على مستقبل لطبيعة العلاقات الدولية مغاير تماما. والسؤال، كل السؤال: ماذا سيكون؟
باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي