القائم بأعمال رئيس بلدية الخليل: إسرائيل تسعى لفرض سيادتها

سعيد أبو معلا
حجم الخط
0

الخليل – «القدس العربي» : لا يتوقف الاحتلال الإسرائيلي عن ممارساته بحق مدينة الخليل، جنوب الضفة الغربية (280 ألف نسمة)، وتشمل ممارساته كل جوانب المدينة ضمن عملية إعادة سيادة وهندسة لواقعها التي ينشط المشروع الاستيطاني في قلبه، وهو ما يجعل تجربتها مختلفة عن واقع الحال في بقية مدن الضفة الغربية.
ويوم الإثنين، نقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي مجموعة من المكعبات الإسمنتية التي نصبتها منذ عدة سنوات في منطقة باب الزاوية، مركز الخليل التجاري وسط المدينة، وهو ما فُسّر بأنه سرقة نحو 30 متراً مربعاً من مساحة شارع الشهداء.
وتأتي هذه الإجراءات في إطار سياسة الاحتلال المستمرة للسيطرة على الحرم الإبراهيمي والبلدة القديمة، واستهداف الأحياء الفلسطينية، خاصة تل الرميدة وشارع الشهداء وسط مدينة الخليل، التي أغلقتها سلطات الاحتلال بالحواجز العسكرية بشكل كامل منذ عام 2000، وأقامت فيها عدة بؤر استيطانية، إضافة إلى مستوطنتي بيت هداسا (الدبويا)، ورمات يشاي (تل الرميدة)، وحرمت المواطنين من أبسط حقوقهم في مجالات الحياة كافة، ضمن سياسة احتلالية تهدف إلى تهجير السكان وتوسيع الاستيطان في المنطقة.
■ «القدس العربي» حاورت القائم بأعمال رئيس بلدية الخليل الدكتورة أسماء الشرباتي حول دلالات ممارسات الاحتلال بحق المدينة، والتي ترى أن الاحتلال مستمر في قضم وتفتيت قلب مدينة الخليل، وكذلك في استثمار نتائج سياساته الأمنية التي ترتب عليها تنامي الفلتان الأمني وغياب سيادة القانون في المناطق التي كانت تخضع لسيطرته الأمنية. وفيما يلي نص الحوار:
□ فجأة، المنطقة الجنوبية في الخليل أصبحت حديث الشارع، أما الاحتلال فكانت له وجهة نظر في إدارة المكان.. ما الحكاية من وجهة نظرك؟
من أجل الدقة، الاحتلال لم يغلق كامل المنطقة الجنوبية (38 ألف نسمة/ 20% من مساحة الخليل)، بل أغلقها تقريباً، ولمدة أربعة أيام، في مساحة تبلغ 4 كيلومترات منها. عندما نقول المنطقة الجنوبية نتحدث عما يطلق عليه H2، وهي أغلب المنطقة الجنوبية التي تشكل تقريباً 10% من أراضي الخليل. يعيش في المنطقة نحو 18 ألف مواطن، وفيها 12 مدرسة، و3 مراكز ثقافية وخدمات تابعة لبلدية الخليل. أما سياسة الاحتلال فهي تقوم على خلق المشكلة ثم ادعاء العمل على إيجاد الحل. لا يوجد في المنطقة الجنوبية أي حضور أو نفوذ للسلطة الفلسطينية، وذلك بسبب الاتفاقيات التي نصت على أن تتبع أمنياً للاحتلال، مع التأكيد على أن خدمات البلدية قائمة في الجهتين H1 وH2، غير أن H1، التي تبلغ مساحتها 80% من مدينة الخليل، تقع تحت السيطرة الأمنية الفلسطينية.

«لا يهم الاحتلال محاربة الفلتان الأمني ووقف الخارجين عن القانون فهو يستثمر في ذلك الواقع الذي صنعه»

□ هذا ينعكس حتماً على تقديم الخدمات، ما أبرز الفروقات؟
■ الواقع السياسي المختلف بين المنطقتين يجعل الفرق في طبيعة تقديم الخدمات مختلفاً أيضاً. فالمنطقة التي تتبع السلطة الفلسطينية تكون فيها إمكانية أسهل لتقديم الخدمات، وكذلك ضبط المخالفين، ومنع الاعتداءات، ومنع سرقات الكهرباء… إلخ. هي منطقة نصلها بسهولة، وهناك إمكانية أسهل في عملية ضبطها. أما المنطقة «H 2» فالأمر فيها مختلف وأكثر تعقيداً، كما أن طبيعة المشاكل مختلفة. إنها تعكس حالة من سياق سياسي واجتماعي مختلف عن بقية المناطق التي نقدم فيها الخدمات، كبلدية، بأريحية نوعاً ما. أما المنطقة التي تسيطر عليها إسرائيل أمنياً ففيها صعوبات وإعاقات كثيرة، وهي تتكثف في المناطق القريبة أو المتاخمة للبؤرة الاستيطانية داخل المدينة. وهي تُصنَّف بأنها مناطق مغلقة وحساسة، حيث تتحول مهمة تقديم الخدمات فيها إلى عملية معقدة لكونها مغلقة، مثل: تل الرميدة، وشارع الشهداء، وهي تتطلب ترتيبات خاصة مع الجهات الإسرائيلية. والحقيقة تقول إن الناس هناك يصمدون بصعوبة، وعدد السكان فيها في تناقص واضح.
تكمن الصعوبة في مناطق «H 2» من الناحية الأمنية والسيطرة على الخارجين عن القانون، فأي مواطن يقوم بمخالفة للقانون يتوجه إليها، والسلطة لا يمكنها التحرك هناك، وبالتالي نجد أي حالة فلتان أمني هناك. أي شخص لديه سلاح غير قانوني يتوجه إلى هناك. والأصل أن تكون هناك سيطرة احتلالية على المكان، وهذا لا يحدث. والحقيقة أن الاحتلال لا مشكلة لديه مع الخارجين عن القانون؛ فلا مشكلة لديه بمن يتحدى المجتمع الفلسطيني. أما السلب المسلح، والسرقة، والتهديد، والبلطجة، وأعمال الزعرنة، فهي كلها سلوكيات لا مشكلة للاحتلال معها، وبالتالي هي مكان كبير وواسع يحتمي فيه كل الخارجين عن القانون.
هذه الصورة نتاج تراكم لسنوات طويلة، أما الاحتلال فعمل على إنعاشها، أي أصبح مكاناً للحماية. يمكن أن تفتعل المشاكل في أي مكان على امتداد الخليل، وهناك مكان يمكن أن يوفر لك الحماية.
□ حتماً الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، فالوضع المنفلت يترتب عليه تداعيات كثيرة؟
■ طبعاً، هذا أمر استثمر الاحتلال فيه كثيراً لدرجة ظهرت معها ظواهر فلتان أمني ومشاكل داخلية بين العائلات وإطلاق نار وحوادث قتل. في البداية كان الأمر مرتبطاً بخلافات بين العائلات الكبيرة، ثم أصبح جزءاً من صراعات داخل العائلة الواحدة، حيث رأينا حالات تناحر بين فروع العائلة في المنطقة نفسها.
هذا المشهد لا يمكن رؤيته بمعزل عن استثمار الاحتلال له والتأسيس له، ليأتي في حملته الأخيرة وكأنه يريد ضبط المنطقة وتخفيف مشاكلها. هنا لا أرى أن معطياتهم بعد الانسحاب دقيقة. لا أرى أنهم صادروا أسلحة كما ذكروا، بل ما حدث هو تأصيلهم لحالة جديدة؛ حيث وضعوا البوابات وأغلقوا المنطقة ووضعوا الحواجز الثابتة. الاحتلال فرض سلطة وأفرز خطاباً سياسياً جوهره تقديم نفسه مرجعية للتواصل بين العائلات في المنطقة. هذا مؤشر على إنشاء مرجعية فلسطينية مختلفة عن السلطة ومؤسساتها، أساسها شبكة العائلات التي يمكن للاحتلال التواصل معها. وهي معادلة خطيرة وحساسة من وجهة نظرنا.
ما جرى خلال الأيام الأربعة أن المنطقة عاشت وضعاً صعباً للغاية، لكن الأهم أنها عاشت لحظات مهينة للمدينة جميعها. وأنا لا أرى أنها حالة مؤقتة، في ظل الحدود والبوابات الثابتة التي قاموا بوضعها وتركوها خلفهم بعد الانسحاب.
□ أين تكمن خطورة الحدود التي تركوها خلفهم؟
الحدود في المنطقة الجنوبية قريبة جداً من الحرم الإبراهيمي والبلدة القديمة، وبالتالي يمكننا أن نقول اليوم إن قراءة المشهد في مدينة الخليل تشبه ما حدث ويحدث في القدس عندما حاولوا فصل المدينة عن ضواحيها.
■ والهدف كان تفتيت التجمعات السكانية في ضواحي القدس مثل: أبو ديس، والعيزرية… إلخ، حيث تم التفتيت بكتل استيطانية وعزلها عن القدس. طالما كان الاحتلال عاجزاً عن إزالتها فإنه خلق بديلاً عبر تفتيتها وحصارها وعزلها. قد يكون هذا السيناريو لمدينة الخليل، مع التأكيد أن البؤر الاستيطانية في المدينة موجودة داخلها وفي قلبها، وهي قريبة من بعضها البعض، ويسعى عبر ممارسات دائمة إلى التقريب بينها وربطها بعضها ببعض. وأكثر منطقة قريبة من هذه البؤر هي المنطقة الجنوبية، وبالتالي تبدأ محاولة عزلها والسيطرة عليها من هذه الحدود. وكذلك إنشاء الاحتلال لشبكات عائلية، مع ادعاء قدرته على التواصل معها وإدارتها، إلى جانب وضع بوابات وفتحها وإغلاقها متى أراد، وبسط سيطرة وممارسات قمعية… إلخ، كلها حالة واضحة من فرض السيادة، وهذا توجه مختلف عن السابق نحو المدينة.
خلال العامين الماضيين، كان التوجه نحو مخيمات شمال الضفة الغربية وانعكاسها على المدن مثل: جنين وطولكرم وبشكل أقل نابلس. هنا أرى أن معادلات مدينة الخليل تختلف قليلاً؛ مخيمات المحافظة بعيدة عن المدينة، كما أن البؤر الاستيطانية داخلها، وهذا أمر نادر في التجربة الفلسطينية.
هنا أقول: أنا لست متفائلة بالواقع. أرى أن دور الخليل وصل إلى مرحلة يعيد فيها الاحتلال النظر به، ويفكر في أدوات الضبط والسيطرة على المدينة بطريقة خاصة تقوم على تفتيت التجمعات وضبطها والتحكم فيها، وإنشاء بديل عن السلطة الفلسطينية في بعض المناطق. وهو أمر يضاف إلى السيطرة المباشرة الإسرائيلية على الحرم الإبراهيمي ومحيطه، وتوسيع البؤرة الاستيطانية، وسحب صلاحيات البلدية عن الحرم في بعض الأجزاء، وتغيير الملامح في أجزاء، وهكذا.
□ إلى أين تمضي الخليل في ظل كل ذلك؟
■ مجمل الإجراءات التي يقوم بها الاحتلال تضعنا أمام مشهد واحد يجعلنا نرى أين تذهب الخليل، وعلى ماذا تُقبل. أرى أن المشهد يحمل سرعة في التوسع الإسرائيلي، وهو تسارع صامت، حيث يترافق مع ضعف في المؤسسة الفلسطينية التي لا تمتلك خطة حول كيفية المواجهة. أما على صعيد الأفراد فيبدو أن المشهد أساسه التشويش؛ الروح الوطنية التي كانت تقاوم الواقع تمر بحالة من التردي في أغلب مناطق الضفة الغربية، وهو ما ينعكس على الخليل.
على صعيد المؤسسات في المدينة أرى أنها تعمل منفردة، بحيث تستخدم كل مؤسسة أدواتها في تقديم خدمة للمجتمع الذي ترتبط به أو لمن تمثلهم المؤسسة. دور البلدية مختلف؛ فهي تعمل بمحددات لها علاقة بالدفاع عن البلدة القديمة، وبالدفاع القانوني، وبالدفاع اللوجستي الخدمي، لكنها تبقى في النهاية مؤسسة واحدة لها محددات وقدرات.
هنا أقول بوضوح إن المؤسسات المختلفة، إلى جانب مؤسسات السلطة الرسمية في المدينة، لا تعمل كجسد واحد، إلا بالكلام والتصريحات طبعاً. مثلاً، التصريحات حول الموقف تجاه الحرم الإبراهيمي والبلدة القديمة لا بأس بها، لكن على مستوى سلوك هذه المؤسسات فلا نرى ما يبشر بالكثير. التصريحات الإعلامية القوية تريح الضمير، وتوصل الصوت، لكنها لا تدافع فعلياً عن مقدرات المدينة.
البلدية لا يمكنها وحدها مواجهة الهجمة الاستيطانية الضخمة على المدينة، أما الرد الفلسطيني كدولة وكمؤسسات فليس بحجم الهجمة للأسف. أقول هذا الكلام وأنا أشعر بالخجل من الحالة التي أصبحنا عليها. وعلى الصعيد المجتمعي فهناك إشكال حقيقي؛ المبادرات الفردية والشعبية ضعفت، وفقدت روحها العفوية، وتم احتواء الكثير من المبادرات. أما شريحة الجامعات التي كانت تقوم بدور فعال سابقاً فأصبحت غائبة عن المشهد.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية