حين كَتب الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه في كتابه «هكذا تكلم زرادشت» عن مفهوم «العَوْد الأبدي»، كان يقصد تلك الفكرة المزعجة والمثيرة في آنٍ معاً، وهي أن حياتنا بأفراحها وأحزانها، بانتصاراتها وهزائمها، ستتكرر إلى ما لا نهاية. في عالم نيتشه، كانت الفكرة فلسفية ورمزية، لكن في الشرق الأوسط، يبدو «العَوْد الأبدي» وكأنهُ قدرٌ حقيقي، الحروب والصراعات والمآسي نفسها تعود باستمرار، وكأن تاريخنا مُجرد حلقة لا تنتهي من الخراب، يختلف فيها اللاعبون وتتبدل أسماء الضحايا، لكن السيناريو يظل واحداً.
في سوريا، يتجلى «العَوْد الأبدي» بأوضح صوره، من خلال استمرار البُنى الذهنية والسياسية التي تحكم العلاقة بين السُلطة والمجتمع، فرغم التغييرات الجذرية التي شهدتها البلاد، تبدو الأنماط السلطوية وكأنها تعيد إنتاج نفسها بأشكال جديدة. النظام الذي أرسى قواعده على الخوف والولاء المُطلق لم يختف مع سقوطه، بل تحول إلى نموذج قابل للتوريث حتى لخصومه الظاهريين. هذا التكرار ليس مُجرد صدفة، بل يعكس تجذر مفاهيم معينة للحكم والسلطة في الوعي الجمعي. فالدولة، في هذا التصور، ليست مؤسسة خدمية أو عقداً اجتماعياً، بل غنيمة يجب الاستحواذ عليها والدفاع عنها، والمجتمع ليس مصدراً للشرعية، بل تهديد محتمل يجب احتواؤه ومراقبته وتطويعه. أما الإعلام والخطاب العام، فيتحولان إلى أدواتٍ دعائية تخدم السردية الرسمية وتخضع الواقع للرؤية السلطوية.
هكذا تتكرر الدورة: من شعار «الدولة الشرعية ضد الإرهابيين» إلى «السُلطة الثورية ضد الفلول»، من رواية «المُندسين» إلى رواية «الانتهاكات الفردية»، ومن «التعفيش» إلى مفهوم «غنيمة الحرب». كأن التاريخ يرفض التقدم إلى الأمام، ويصر على الدوران في حلقةٍ مغلقة تُعيد إنتاج الكارثة بوجوهٍ جديدة. العود الأبدي هنا ليس فلسفة للتصالح مع القدر، بل واقع مرير يحبس المجتمع في دائرة من الاستبداد المتجدد.
العراق قدّم نموذجاً آخر لهذا العود الأبدي، حيث تكررت دورة العنف والاستبداد رغم التغييرات الجذرية التي شهدها البلد. بعد الغزو الأمريكي عام 2003، والذي جاء تحت شعار «إنهاء الاستبداد وبناء الديمقراطية»، سرعان ما انزلقت البلاد إلى دوامة جديدة من العنف الطائفي والاستبداد السياسي، وإن كان تحت مُسميات مختلفة. هذا التكرار يكشف عمق الأزمة البنيوية في المنطقة. فالمشكلة لا تكمن فقط في الأنظمة السياسية، بل في الثقافة السياسية نفسها، التي تنتج هذه الأنظمة وتعيد إنتاجها. الطائفية التي ظهرت في العراق بعد 2003 لم تكن مُجرد نتيجة للفوضى، بل تعبيراً عن أنماط تفكير مُتجذرة تختزل السياسة في صراع هويات بدلاً من تنافس برامج ومشاريع. هكذا عاد العراق إلى دورة العنف والفساد والاستبداد، لكن هذه المرة تحت غطاء ديمقراطي شكلي. النُخب الحاكمة الجديدة تبنت الممارسات القديمة نفسها: احتكار السلطة، نهب الثروات، قمع المعارضة، واستخدام الدين والطائفة أدوات للتعبئة والسيطرة. العود الأبدي هنا يتجلى في عودة الأنماط السلوكية والذهنية، حتى لو تغيرت الأيديولوجيات والشعارات.
كأن التاريخ يصر على الدوران في حلقةٍ مغلقة تُعيد إنتاج الكارثة بوجوهٍ جديدة. العود الأبدي هنا ليس فلسفة للتصالح مع القدر، بل واقع مرير يحبس المجتمع في دائرة من الاستبداد المتجدد
فلسطين ربما تمثل أوضح تجليات العود الأبدي في المنطقة، حيث تتكرر دورات المأساة منذ عقود، بتفاصيل مؤلمة ومتشابهة. منذ النكبة عام 1948، مروراً بالنكسة عام 1967، وصولاً إلى مأساة السابع من أكتوبر 2023، لا يتغير في الحكاية سوى موضع الألم وحجم الخسارة.
تبدأ كل دورة بأمل في التغيير، وتنتهي بخيبة أمل أعمق، المقاومة الفلسطينية انتقلت من الأردن إلى لبنان، ومن لبنان إلى الداخل الفلسطيني، وفي كل محطة تواجه التحديات نفسها وتصطدم بالعقبات نفسها. في الأردن، انتهت بأيلول الأسود والطرد القسري. في لبنان، أدت إلى حرب أهلية وغزو إسرائيلي انتهى بخروج المقاومة مجدداً. وفي غزة، تحولت إلى سجن مفتوح يُدار بالجوع والدمار والإبادة الجماعية. النكبة في هذا السياق، ليست حدثاً تاريخياً انتهى، بل حالة مستمرة تتجدد في أشكالٍ مختلفة. كل موجة عنف جديدة تعيد إنتاج الديناميكيات نفسها: تصعيد إسرائيلي، رد فعل فلسطيني، قمع أشد، صمت دولي، ثم هدوء مؤقت يُمهد للدورة التالية. هذا النمط المتكرر يحبس الطرفين، لكن بشكل غير متكافئ، في دائرة من العنف تبدو وكأنها لا نهائية.
نيتشه طرح سؤالاً وجودياً: «هل يمكنك أن تقبل عيش حياتك (بأفراحها وآلامِها) الحالية مرات لا نهائية؟»، لكن في منطقتنا السؤال مُختلف قليلاً: «هل لدينا خيار آخر سوى قبول هذه العودة الأبدية لهذا الخراب؟». لا الأنظمة ولا القيادات ولا حتى بعض «المثقفين» يتعلمون، ولا الشعوب تستطيع تخطي آثار القمع التاريخية. هذا إن دلنا على شيء، يدلنا على أن فهم هذا العود الأبدي للخراب في الشرق الأوسط يتطلب تحليلاً أعمق للأسباب البنيوية التي تجعل التكرار ممكناً ومستمراً. فعلى عكس العود الأبدي النيتشوي، الذي يدعو لتأكيد الحياة وحب القدر، فإن العود الأبدي في منطقتنا يبدو وكأنه لعنة تاريخية تحبس الشعوب في دوائر مفرغة من المعاناة. أحد الأسباب الجذرية لهذا التكرار يكمن في غياب الذاكرة النقدية. فبدلاً من التعلم من الأخطاء الماضية ومعالجة أسبابها الجذرية، تميل المجتمعات والقيادات في المنطقة إلى التعامل مع كل أزمة جديدة وكأنها حدث طارئ ومعزول. هذا الغياب للذاكرة يجعل الأخطاء تتكرر بأشكال مختلفة، دون تعلم حقيقي من التجارب السابقة. السبب الثاني يتعلق بضعف المؤسسات وهشاشة الدولة. في معظم بلدان المنطقة، تبقى المؤسسات ضعيفة ومرتبطة بالأشخاص أكثر من ارتباطها بالقوانين والأنظمة. هذا يجعل أي تغيير سياسي مُجرد تبديل للوجوه دون تغيير حقيقي في طريقة عمل النظام. النُخب الجديدة تتبنى الممارسات القديمة، لأن البنية المؤسسية لا تشجع على السلوك المختلف، ولأن الشعوب مسلوبة الفكر والقرار من قبل بعض المؤسسات العشائرية والدينية. السبب الثالث يكمن في الثقافة السياسية السائدة، التي تقوم على منطق الغالب والمغلوب بدلاً من منطق التشارك والتعاون. هذه الثقافة تجعل السياسة لعبة صفرية، حيث مكسب طرف يعني بالضرورة خسارة الطرف الآخر. في مثل هذه البيئة، يصبح الحوار والتفاوض علامات ضعف، بينما القوة والهيمنة تُعتبر علامات نجاح.
السبب الرابع يتعلق بالتدخلات الخارجية التي تُعقد المشهد وتطيل أمد الصراعات. فالقوى الإقليمية والدولية غالباً ما تفضل الاستقرار المؤقت على الحلول الجذرية، لأن الحلول الجذرية، تهدد مصالحها أو تقلل من نفوذها، هذا يخلق حوافز للحفاظ على الوضع الراهن، حتى لو كان مُدمراً للشعوب المحلية.
نيتشه لم يُقدم «العَوْد الأبدي» كقانون كوني حتمي، بل قدمهُ كاختبار وجودي أخلاقي: «من يقدر على تمني تكرار حياته بكل تفاصيلها يبرهن على امتلاكهِ إرادة خلاقة تتجاوز العدمية»، أما النُفور من الفكرة فيفضح تعلقنا بقيمٍ وأخلاقياتٍ ضعيفة أو مُستَلَبة. هكذا يصبح العَوْد الأبدي معياراً لتقويم أفعالنا: ما لا نستطيع تَحمل تكراره لا يستحق أن نقوم به أصلاً. هو إذن دعوة لمواجهة الذات. لذا فإن مستقبل المنطقة ليس محكوماً بلعنة التاريخ، بل بخياراتنا اليوم وإرادتنا للتغيير. العود الأبدي يمكن أن يكون للخير كما يمكن أن يكون للشر. الخيار بين أيدينا، والمسؤولية على عاتقنا جميعاً.
كاتب سوري