بغداد ـ «القدس العربي»: لا تزال تداعيات رفض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لترشيح رئيس ائتلاف «دولة القانون» نوري المالكي لرئاسة الوزراء تتواصل في الداخل العراقي، وسط تباين في ردود الفعل بين من يرفض التدخل الخارجي، ويحذر من «انهيار العملية السياسية» بسببه، وبين من يفضل عدم التحدي والمضي بحكومة «تعزِّز الشراكة مع الولايات المتحدة، ومنفتحة على المحيط العربي والإقليمي».
والثلاثاء، أعرب ترامب عن معارضته لاختيار «الإطار التنسيقي» المالكي مرشحا لتشكيل الحكومة المرتقبة. وقال: «أسمع أن البلد العظيم العراق قد يرتكب خيارا سيئا جدا بإعادة تنصيب نوري المالكي رئيسا للوزراء».
وأضاف في تصريحات صحافية: «في المرة الأخيرة التي كان فيها المالكي في السلطة، انحدر البلد إلى الفقر والفوضى الشاملة. لا ينبغي السماح بحدوث ذلك مرة أخرى».
وأردف: «بسبب سياساته وأيديولوجياته (المالكي) المجنونة، إذا تم انتخابه، فلن تساعد الولايات المتحدة العراق بعد الآن».
«تحظى بتأييد وطني»
وأمس، أجرى رئيس حزب «تقدم»، الزعيم السني محمد الحلبوسي، مباحثات مع القائمَ بأعمال سفارة الولايات المتحدة الأمربكية لدى العراق جوشوا هاريس. وتناول اللقاء الذي جرى في مقر الحلبوسي «تطورات الأوضاع السياسية في البلاد، والحوارات الجارية لانتخاب رئيس الجمهورية، وتشكيل حكومة قادرة على مواجهة التحديات، وتحظى بتأييد وطني، وتعزِّز شراكة العراق مع الولايات المتحدة، ومنفتحة على المحيط العربي والإقليمي، بما يخدم الشعب العراقي وتطلّعاته»، وفق بيان لمكتب رئيس «حزب تقدم».
تحذير
في حين حذر القيادي في تحالف «الأنبار المتحد»، محمد عبد الستار الدليمي من انهيار العملية السياسية.
وقال في تصريح صحافي إن «إرسال مبعوث أمريكي يعد سابقة خطيرة تشبه مرحلة الحاكم المدني بعد عام 2003، ويفتح الباب أمام تدخلات خارجية تهدد السيادة العراقية وسيقوم بخطوات مشابهة لما قام به سلفه السابق بول برايمر واتخاذ قرارات خاطئة تعيد البلد الى حقبة مظلمة الرابح فيها إدارة ترامب، ويبدو أن اتخاذ قرارات خطيرة أولها التدخل في آلية ترشيح رئيس الوزراء نوري المالكي وبإجماع سياسي يمثل الأغلبية لرئاسة الوزراء وتعد هذه الخطوة بمثابة انهيار العملية السياسية في العراق».
وأضاف أن «تدخل إدارة ترامب في اختيار رئيس وزراء ورفضه يعد سابقة خطيرة تهدد النظام السياسي في العراق، ويفتح الباب على مصراعيه لتدخلات خارجية في تشكيلة الحكومة الجديدة».
وأشار إلى أن «وزارة الخارجية أخفقت في ردع التجاوزات الأمريكية على سيادة العراق دون اتخاذها لأي موقف شجاع يبرز رفض حكومة وشعب العراق لسياستها العدائية».
«ما أيامك إلا عدد»
وهاجم الأمين العام لـ«حركة النجباء» أكرم الكعبي، أحد أبرز الفصائل العراقية المنضوية في ائتلاف «المقاومة الإسلامية»، ترامب، قائلاً: «ما أيامك يا ترامب ومن معك من المهووسين إلا عدد وما جمعكم إلا بدد»، وفيما أكد أن أيامه (ترامب) باتت معدودة، انتقد خضوع «الحُكام» إلى ما وصفه بـ«محور الشر»، مؤكداً أنهم لن يسلموا.
كذلك عبّر رجل الدين الشيعي جواد الخالصي عن رفضه التدخل الأمريكي في الشأن العراقي الداخلي، على خلفية موقف ترامب الرافض لترشيح المالكي لرئاسة الوزراء، مشيراً إلى أن الاحتلال لا يبرر هذا المستوى مما وصفها بـ «الوقاحة السياسية»، وفيما وجّه انتقاداً لاذعاً بشأن تحويل المناصب السيادية إلى حصص طائفية أو حزبية، دعا إلى تغيير نظام الحكم في البلاد من جمهوري إلى رئاسي.
وخلال خطبة صلاة الجمعة في مدينة الكاظمية، حذّر الخالصي من «مظاهر الاستعلاء والتدخّل الخارجي في شؤون البلاد، ولا سيما حين يتدخّل حكّام جائرون لفرض مواقفهم بشأن شاغلي المناصب العليا في الدولة العراقية»، معتبرًا أنّ «ذلك يشكّل انتهاكًا صارخًا للقرارات الدولية، وتجاوزًا للثوابت التي تنظّم العلاقات بين الدول».
وأضاف أنّ «الاحتلال الأمريكي للعراق، الذي جرى التحذير منه منذ بداياته، لا يبرّر الوصول إلى هذا المستوى من الوقاحة السياسية التي جعلت العالم يعيش حالة قلق واضطراب وخوف متزايد».
كما نبّه إلى «خطورة التعويل على السياسة الأمريكية أو التعاون معها»، واصفًا هذا المسار بأنّه «يشبه علاقة الذئب بالشاة؛ إذ إنّ الذئب لا يتردّد في افتراس الشاة متى ما طالبت بحقّها».
مباحثات للحلبوسي مع مسؤول أمريكي… وتحذير من «انهيار» العملية السياسية
وأكّد أنّ «التجربة أثبتت بشكل قطعي أنّ العدوّ الأمريكي، الذي أفسد الأرض، ودعم الظالمين، وساند الكيان الصهيوني، وشارك في جرائم الإبادة، لا يمكن أن يكون حريصًا على مصلحة الشعوب، ولا ساعيًا لمساعدتها»، لافتًا إلى «تهديداته المتكرّرة بوقف ما يسمّيه دعمًا للشعب العراقي ما لم يخضع لإرادته».
وأعلن «رفضه القاطع للتدخّل الأمريكي في العراق»، داعيًا في الوقت ذاته إلى «مراجعة الواقع السياسي الداخلي القائم على المحاصصة والتنافس الحزبي والشخصي، والذي عدّه مضرًّا بمصلحة العراق، وغير قادر على خدمة الشعب العراقي».
وأوضح أنّ «تحويل المناصب السيادية إلى حصص طائفية أو حزبية، سواء في رئاسة الوزراء أو رئاسة الجمهورية أو رئاسة البرلمان، أدّى إلى العبث بمقدّرات الدولة، وإلى إيصال شخصيات تحمل مشاريع تقسيمية أو طائفية إلى مواقع القرار، في وقتٍ يعاني فيه العراق وشعبه من أزمات خانقة ومظلوميّة متعدّدة الأوجه».
ودعا إلى «بناء عملية سياسية وطنية جامعة، تقوم على إقامة دولة قوية وقادرة، لا دولة عاجزة وفاشلة»، مشدّدًا على ضرورة «الانتقال إلى نظام حكم رئاسي يمتلك القدرة على الإنجاز، ومتابعة البرلمان، ومراقبة أدائه حين يكون برلمانًا حقيقيًا يمثّل إرادة الشعب».
في الموازاة، انتقد الخبير القانوني، المستشار سالم حوّاس، سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية على مقدرات دول العالم، وتحوّل النظام الدولي إلى منظومة انتقائية تخضع لموازين القوة لا لسيادة القانون.
وقال في بيان صحافي معلقاً على تعامل الولايات المتحدة مع إيران، إن «منطق انتظار الضربة من الولايات المتحدة، والتعامل معه وكأنه قدر سياسي، يُعد خللاً واضحاً في ميزان العدالة الدولية»، مبيناً ان «القانون الدولي لا يميّز بين دولة وأخرى فيما يجوز وما لا يجوز، ولا يمنح طرفاً بعينه حق المبادأة بالقوة مقابل مطالبة الآخرين بضبط النفس إلى ما لا نهاية».
واوضح أن «أي توصيف للصراع على أنه دولي، يفترض، حكماً، أن يكون الأثر مقابل الأثر، والفعل مقابل الفعل، وإلا يحوّل النظام الدولي إلى منظومة انتقائية تخضع لموازين القوة لا لسيادة القانون»، مشيرا إلى أن «ذلك يستند إلى مبدأ المساواة في السيادة المنصوص عليه في المادة (2/1) من ميثاق الأمم المتحدة، التي تحظر التمييز في الحقوق والالتزامات بين الدول».
ولفت إلى أن «إتاحة الفرصة لواشنطن بتوجيه الضربة الأولى، تحت أي ذريعة، قد تفضي إلى نتائج صادمة أو شلّ واسع للحركة، حتى مع القناعة بقدرات إيران التدميرية، وتعدّد أذرعها، وتشابك نشاطها الإقليمي»، مؤكداً ان «المبادأة العسكرية تصنع فارقاً حاسماً لا يمكن التقليل من شأنه قانونياً أو عملياً».
وشدد على أن «الانتظار القسري، في ظل تهديد قائم، لا يُعد التزاماً قانونياً، بل قد يُفسَّر على أنه تفريط بحق الدفاع المشروع عن النفس، كما كرّسته مبادئ ميثاق الأمم المتحدة والسوابق الدولية، إذ تقر المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة بحق الدفاع الشرعي الفردي والجماعي عند وقوع هجوم مسلح أو عند قيام تهديد وشيك مثبت».
وطالب حواس بـ«إنهاء ازدواجية المعايير في تطبيق قواعد استخدام القوة، وتثبيت مبدأ المساواة بين الدول دون استثناء»، داعياً إلى «تحميل أي طرف يبادر بالضربة مسؤولية قانونية دولية مباشرة، وعدم توفير أغطية سياسية تُفرغ القانون من مضمونه».
وخلص إلى القول: «المرحلة تتطلب خطاباً قانونياً واضحاً، يرفض منطق الصبر الانتقائي، ويعيد التأكيد على أن ما يُمنَع على طرف يجب أن يُمنَع على الجميع، وما يُجاز لطرف لا يجوز احتكاره بقوة السلاح، انسجاماً مع مبدأ حظر استخدام القوة الوارد في المادة (2/4) من ميثاق الأمم المتحدة، والذي لا يجيز الاستثناء إلا في حدود ضيقة ومحددة قانوناً».
«شأن سيادي»
ولم تصدر الحكومة أو وزارة الخارجية أيّ موقف رسمي بشأن «تدوينة» ترامب الشهيرة حول رفض ترشيح المالكي، باستثناء بيان لرئاسة الجمهورية أكدت فيه أن القضايا الداخلية للعراق شأن سيادي خالص، فيما أشارت الى الحرص على تعزيز علاقات الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
وفي بيان صحافي، قالت الرئاسة إنها تؤكد «رفضها لأي شكل من أشكال التدخلات الخارجية في الشأن السياسي العراقي، وإن القضايا الداخلية للعراق تعد شأناً سيادياً خالصاً، يقرره العراقيون وحدهم، استناداً إلى إرادتهم الحرة بموجب الدستور ومن خلال النظام الديمقراطي القائم على الانتخابات التي تمثل التعبير الحقيقي عن خيارات الشعب».
واعتبرت أن «احترام السيادة الوطنية يشكل ركناً أساسياً في بناء الدولة وترسيخ الاستقرار السياسي، سيما في عملية تشكيل الحكومة والتي تستند الى نتائج الانتخابات التي جرت في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي وشهدت مشاركة واسعة من قبل العراقيين، والقوى السياسية الفائزة فيها».
كما جددت حرص العراق على «انتهاج سياسة خارجية متوازنة، تقوم على الانفتاح والتعاون الإيجابي مع جميع الدول، وبما يعزز علاقات قائمة على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتحقيق المصالح المشتركة للشعوب، بما يسهم في دعم الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي».