بغداد ـ «القدس العربي»: خلّف ملف نقل عناصر «إرهابية» من سجون سورية كانت خاضعة لقوات سوريا الديمقراطية «قسد» إلى العراق، ردود أفعال متباينة في الداخل العراقي، ففيما حذّر سياسيون من خطورة استقبال «الأجانب» منهم، ملوحين باتخاذ قرار برلماني مُلزم للحكومة، رأت الأخيرة أن الخطوة «استباقية للدفاع عن أمن البلاد القومي»، فيما كشف أحد مسؤولييها أن نقل هؤلاء العناصر جاء بطلب من بغداد.
ويؤكد عضو مجلس النواب النائب ياسر إسكندر وتوت، أن البرلمان سيبحث في جلسته المقبلة ملف نقل عناصر تنظيم «الدولة الإسلامية» وعوائلهم من سوريا إلى العراق، مشيراً إلى أن مجلس النواب سيتحرك لمساءلة رئيس الوزراء ووزيري الداخلية والعدل بشأن حقيقة الاتفاق مع الجانب الأمريكي، تمهيداً لإصدار قرار نيابي ملزم بهذا الخصوص.
خطر بالغ
وقال وتوت، في تصريحات لمواقع إخبارية مقربة من «الإطار التنسيقي» الشيعي، إن «نقل عناصر «داعش» وعوائلهم إلى العراق يمثل خطراً بالغاً، لا سيما مع وجود معلومات تتحدث عن إدخال عناصر من جنسيات أجنبية، وهو ما يعد مخالفة للقوانين الدولية، فضلاً عما يحمله من تهديدات مباشرة للأمن الوطني».
وأضاف أن «الحكومة تتحدث عن وجود اتفاقية مع القوات الأمريكية لنقل معتقلي «داعش» من سوريا إلى العراق، إلا أن البرلمان طالب رئاسة مجلس النواب بعقد جلسة خاصة لمناقشة هذا الملف، عبر استضافة رئيس حكومة تصريف الأعمال ووزيري الداخلية والعدل، للكشف عن تفاصيل الاتفاقية وبيان حقيقتها».
وبيّن أن «البرلمان سيتخذ، بعد انتهاء المناقشات، قراراً نيابياً ملزماً، يتم بموجبه القبول بالاتفاقية في حال اقتصرت على نقل المعتقلين العراقيين فقط، ورفضها بشكل قاطع في حال تضمنت استقبال عناصر من جنسيات أجنبية».
وقال مسؤول أمني عراقي لوكالة أ بـ« إن قرار نقل السجناء من سوريا إلى العراق كان قرارا عراقيا، رحب به التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة والحكومة السورية. وأضاف أن احتجازهم في سجون العراق يخدم المصلحة الأمنية للعراق بدلا من تركهم في سوريا.
فيما أكد مسؤول عسكري أمريكي بارز للمصدر ذاته أن العراق «قدم العرض بشكل استباقي» لأخذ سجناء تنظيم «الدولة الإسلامية» وليس بناء على طلب أمريكي منهم.
وقال مسؤول في وزارة الخارجية السورية إن خطة نقل سجناء تنظيم «الدولة الإسلامية» من سوريا إلى العراق كانت قيد المناقشة منذ شهور قبل الاشتباكات الأخيرة مع قوات قسد.
«خطوة استباقية»
وترى الحكومة العراقية في نقل الجهاديين من السجون السورية إلى العراق، بأنها «خطوة استباقية» للدفاع عن أمن البلاد القومي،
ويقول المتحدث باسم الحكومة باسم العوادي إن «نقل إرهابيي «داعش» من سوريا هو خطوة استباقية للدفاع عن الأمن القومي العراقي»، مبينا أن «الأحداث تتطور في سوريا بسرعة وتختزل بأيام فقط، وهذا يستدعي قرارات مهمة لا تقبل التأجيل تنظر للمستقبل الأمني وتستعد له بخطوات فاعلة».
وأضاف: «لا يمكن التأخر في اتخاذ الموقف بسبب سرعة إيقاع الأحداث وتطوراتها في سوريا»، موضحا أنه «كان للعراق ان يتخذ قراره الحاسم كدولة وحكومة قادرة على حماية أمنها القومي وتحمل الصعاب وإثبات أن المؤسسات العراقية المختصة قادرة على تحمل المسؤولية وهي قادرة فعلاً».
ومضى قائلاً: «لا نتفق مع حملات التخويف ولكن نتفهم أسبابها»، معرباً عن أمله بأن «تستبدل بحملات الثقة والاستعداد وإثبات القدرة على القيام بأي عمل يصب في صالح حماية أرض العراق وشعبه».
وأكد أن «الحكومة تعي جيداً مكامن القوة والضعف في مثل هذه القرارات ولا تتخذ القرارات بصورة غير خاضعة للدراسة ووجود القدرة على القيام بما هو أكبر من مجرد احتجاز سجناء»، لافتا إلى أن «إجراءات التعامل مع إرهابيي «داعش» بدأت بالفعل من بيان مجلس القضاء، ناهيك عن دور الأجهزة الأمنية والاستخبارية وإدارة السجون وغيرها التي يقع على عاتقها وضع استراتيجية فعالة لتطبيق القانون على المستقدمين».
ووفق ما قال مستشار رئيس الوزراء للعلاقات الخارجية فرهاد علاء الدين لـ «فرانس برس»، فإن «قرار نقلهم ينبع من مسؤولية العراق في إعطاء الأولوية لأمنه وحماية المنطقة من أي تصعيد محتمل في المستقبل، لا سيما في حال إطلاق سراحهم أو فرارهم نتيجة للتطورات الجارية في سوريا».
يتزامن ذلك مع إعلان مجلس القضاء الأعلى، أمس الخميس، أن القضاء العراقي سيباشر باتخاذ الإجراءات القضائية الأصولية بحق المتهمين الذين سيتم تسلمهم وإيداعهم في المؤسسات الإصلاحية المختصة، مؤكدا أن جميع المتهمين في التنظيم خاضعون لسلطة القضاء العراقي حصراً.
وقال في بيان صحافي أصدره لإيضاح الموقف العراقي من نقل عناصر تنظيم «الدولة» من السجون السورية، إنه «استناداً إلى أحكام الدستور العراقي والقوانين الجزائية النافذة، وفي ضوء التطورات الأمنية الأخيرة في الجمهورية العربية السورية، وما ترتب عليها من نقل معتقلي كيان داعش الإرهابي من السجون التي كانت تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، يعلن مجلس القضاء الأعلى أن القضاء العراقي سيباشر باتخاذ الإجراءات القضائية الأصولية بحق المتهمين الذين سيتم تسلمهم وإيداعهم في المؤسسات الإصلاحية المختصة».
وشدد على «توثيق وأرشفة الجرائم الإرهابية المرتكبة أصولياً، وبالتنسيق مع المركز الوطني للتعاون القضائي الدولي، لغرض تثبيت الوقائع الإجرامية ذات الطابع العابر للحدود، وتعزيز التعاون القضائي الدولي، وضمان عدم إفلات أي متهم من المساءلة القانونية».
3 سجون مركزية لإيوائهم… وتحرّك برلماني لرفض استقبال الأجانب منهم
وأكد أن «جميع المتهمين، بغض النظر عن جنسياتهم أو مواقعهم داخل التنظيم الإرهابي، خاضعون لسلطة القضاء العراقي حصراً، وستُطبق بحقهم الإجراءات القانونية دون استثناء، وبما يحفظ حقوق الضحايا ويكرس مبدأ سيادة القانون في العراق».
وأصدرت محاكم عراقية في الأعوام الماضية أحكاما بالإعدام والسجن مدى الحياة في حق مدانين بالانتماء إلى «جماعة إرهابية» في قضايا إرهاب وقتل مئات من الأشخاص.
وفي عام 2019، حكم القضاء العراقي على أجانب أدينوا بالانتماء إلى تنظيم الدولة الإسلامية بالإعدام، بينهم 11 فرنسيا على الأقل، لكن لم يتم تنفيذ أي من هذه الأحكام.
وفي أيلول/سبتمبر 2025، قال مصدر مقرّب من التحقيق في قضية 47 جهاديا فرنسيا، لوكالة «فرانس برس» إنهم سيُحاكمون في العراق بعدما نُقلوا من سوريا.
وقال جهاز المخابرات العراقية حينها إنهم ساهموا في «جرائم إرهابية وقع كلها أو بعضها داخل العراق خلال الأعوام (2014- 2017) وأنشطة مهددة للأمن القومي العراقي من خارج العراق». وبعد انتهاء مهمة فريق تابع للأمم المتحدة للتحقيق في جرائم تنظيم الدولة الاسلامية في 2024، أسس العراق المركز الوطني للتعاون القضائي الدولي التابع لمجلس القضاء الأعلى، بهدف مواصلة جمع الأدلة وتوثيق جرائم التنظيم المتطرف.
ويُعدّ المركز الجهة الرئيسية للتواصل مع الدول التي تحقّق في مجال مكافحة الإرهاب، والمسؤول عن متابعة الطلبات القضائية العراقية لملاحقة مرتكبي الجرائم في صفوف التنظيم.
وتشير معلومات صحافية إلى أن هؤلاء «الإرهابين» تم نقلهم إلى ثلاثة سجون عراقية، في إقليم كردستان العراق، والعاصمة الاتحادية بغداد، ومحافظة ذي قار الجنوبية.
وأفادت المصادر بأنه «تم نقل عناصر التنظيم من سجن غويران المركزي في محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا، إلى العراق، على شكل وجبات، وجواً، عبر طائرات أمريكية وبحماية أمنية عراقية»، حسب موقع «الجبال».
وأضاف أن «السجناء يتم نقلهم إلى السجون الاتحادية المخصصة لعناصر قادة وعناصر تنظيم «داعش»، وتحديداً سجون سوسة في محافظة السليمانية، وسجن الناصرية المركزي في محافظة ذي قار، وسجن الكرخ المركزي، الواقع في مطار بغداد».
وتسلّم العراق الوجبة الأولى من «الإرهابيين» بعدد 150 شخصاً، تمهيداً لعملية تشمل أعداداً تقدّر بالآلاف.
وحسب الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة صباح النعمان فإنه «بمتابعةً من الحكومة العراقية للتطورات الأمنية الحاصلة في الجمهورية العربية السورية، ومفرزات التغيرات الأمنية في الميدان، في ما يتعلق بالسيطرة على المعتقلين من إرهابيي «داعش»، وافق المجلس الوزاري للأمن الوطني، في اجتماعه الطارئ الأخير، وبالتعاون مع التحالف الدولي لمحاربة «داعش»، على استلام العراق للإرهابيين من الجنسية العراقية ومن الجنسيات الأخرى، المعتقلين في السجون، التي كانت تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية».
وأضاف في بيان صحافي أصدره في ساعة متأخرة من مساء الأربعاء، أنه سيتم «إيداعهم المؤسسات الإصلاحية الحكومية، وقد جرى بالفعل تسلّم الوجبة الأولى منهم، التي تضم 150 عنصراً إرهابياً من العراقيين والأجانب، من الذين أوغلوا بدماء العراقيين الأبرياء».
ولفت النعمان إلى أنه «سيجري لاحقاً تحديد أعداد الوجبات الأخرى، وفق تقدير الموقف الأمني والميداني، لتطويق خطر انتشار هؤلاء الذين يُعدون من قيادات المستوى الأول في العصابات الإرهابية».
وطبقاً لمعلومات وزارة الهجرة والمهجرين، فإن العراق تسلّم 31 وجبة من العائدين من مخيم الهول السوري وبواقع 19 ألفاً، مع بقاء أقل من 5 آلاف عراقي، مؤكدة أن العراق تعامل مع الملف بمسؤولية عالية سبقت الموقف الأوروبي لتفكيك هذه «البؤرة الخطيرة».
وقال وكيل الوزارة كريم النوري، للوكالة الحكومية، إن «الموقف العراقي تجاه مخيم الهول اتسم بالجدية والعمل المستمر منذ سنوات، حيث شرعت الجهات المعنية بتفكيك المخيم عبر عمليات تدقيق وفرز دقيقة للتمييز بين الضحايا والأبرياء وبين المتورطين بالجرائم»، مبيناً، أن «العراق استقبل الوجبة الـ31 من العائدين، ليصل إجمالي العدد إلى ما يقارب 19,000 شخص، في خطوة تعد استباقية لتفكيك هذا التجمع».
تهديد للأمن القومي
وأضاف أن «التحرك العراقي كان سباقاً مقارنة بالدول الأوروبية التي أبدت تردداً في سحب رعاياها، باعتبار أن وجودهم هناك قد لا يشكل خطراً مباشراً عليها»، مستدركاً بأن «الوضع بالنسبة للعراق مختلف تماماً، إذ يشكل المخيم تهديداً للأمن القومي، كونه لم يعد مجرد مخيم للنازحين بل تحول إلى بؤرة لتجنيد عناصر عصابات «داعش» الإرهابية».
وأوضح أن «مخيم الهول يقع في منطقة الحسكة شمال شرق سوريا، ولا يبعد عن الحدود العراقية سوى 12 كيلومتراً و500 متر، مما يجعل خطره قائماً وقريباً»، لافتاً إلى، أنه «وحسب التطورات الأخيرة، فقد فرضت القوات السورية سيطرتها على المخيم».
وبشأن أعداد المتبقين أشار إلى أن «المعلومات المتوفرة تشير إلى وجود أقل من 5000 عراقي لا يزالون داخل المخيم»، مؤكداً، أن «عملية العودة تجري بتنسيق عالٍ مع الجهات الأمنية وقيادة العمليات المشتركة لمتابعة ملفات الشباب والأطفال، حيث عاد معظمهم إلى مناطق سكناهم الأصلية بعد التدقيق دون تسجيل أي خروق أمنية تذكر، فيما يتم تسليم من تثبت عليهم مؤشرات أمنية أو ملفات إرهابية إلى القضاء العراقي».