كتبت في المقال السابق حول الخوف، هذا الشعور المستبد بنا وعلينا في منطقتنا الشرق أوسطية، هذا الهرمون الساري في أجسادنا عجزاً وشللاً، حتى إن مشهد قتل الأطفال تفجيراً وتجويعاً وحرماناً من بدائيات الطبابة ومن سقف آمن ومن دفء سرير بسيط، هذا المشهد الذي يفترض أنه يفتت الصخر، لم يستطع حتى أن يأخذ كِسرة من صخر قلوبنا، هذا الصخر المحاط بالخوف والمحمي بالأنانية والمغلف بالرغبة العارمة في السلامة الشخصية ولو على حساب الكرامة والبقية الباقية من الإنسانية في أرواحنا. لا شيء يمكنه أن يلين صخر قلوبنا، فهو يركن أعلى جبل شاهق من الخوف والأنانية، جبل بنته سواعد أمنية مرعبة على مدى قرون من الزمان علمتنا فن السكوت وحرفة المشي بجانب الحائط.
وكتب صديق عزيز لهذا العمود معلقاً على أسباب خوفنا حاصراً إياها في اثنين: السلطة الأمنية والمخابراتية، والسلطة الدينية الممثلة في رجال الدين ومواعظهم وفتاواهم. وكما هو متوقع، أتى البعض من ردود الفعل على الصفحة كما على خارجها، «لتتهم» صاحب الرأي بالإلحاد، فتلك «وصمة» تستخدم في عالمنا الشرق أوسطي تجاه المتسائل أو الناقد حين يتعذر تبرير أو تفسير موقف أيديولوجيا الدين من الحدث المفجع، أو حين يعجز المتدينون، خوفاً أو تمصلحاً، عن استخدام الدين لإحداث تغيير للواقع المؤلم، أو حين ينتفي الرد التبريري تجاه التساؤل أو النقد ولا يتبقى سوى الاعتراف بالخطأ والنقص، وهذا اعتراف نادراً ما يتبدى في عالمنا، ليحل محله في الأغلبية العظمى من الحالات ذلك الاتهام السهل و»المؤثر» بالإلحاد، والذي سرعان ما يغلق باب النقاش ويحيد بالحوار من طريق الموضوع محل الاهتمام، إلى طريق شخصية المحاور، تقييماً لإيمانه وقراءة لنواياه. وهكذا، وعوضاً عن مواجهة النفس بالنقص والعجز، اللذَين نعانيهما في كافة مناحي الحياة، ولربما على رأسها المنحى الديني، ننفس عن نقصنا وعجزنا وضعف حجتنا باتهام من يتساءل وينقد ويرفض، خصوصاً من يسائل الدين و»رجالاته» ويحاسبهم عن دورهم الحقيقي وتأثير أيديولوجيتهم الإصلاحي. فلو أن الدين كأيديولوجيا ومنهج حياة، لم يستطع لنا تحريكاً أو تشجيعاً أو تقوية للموقف الجمعي مساندة لغزة الآن، في خضم المذبحة الجارية تحت مسمع ومرأى العالم، فمتى يستطيع أن يحركنا إذاً؟ وأي قيمة حقيقية لطريقة استخدام الناس له أو لتفعيل تعليماته الأخلاقية والإنسانية في سلوكياتهم وأفكارهم وأقوالهم؟
في مقالها الذي أشرت له في مقالي السابق، تقول إسراء عرفات: «منذ بداية الحرب الإسرائيلية على غزّة، لم يُستخدم الدين كأداة تعبئة تطالب بوقف المجازر أو تحرّض على الخروج إلى الشوارع، بل أُعيد إنتاجه كوسيلة للتأقلم النفسي وتبرير العجز. وبدلاً من أن يكون الإيمان وقوداً للفعل، تحوّل إلى مهرب وملاذ روحي يُسكّن الألم ويُغلق أبواب السؤال. انتشرت مقاطع كثيرة على منصات التواصل الاجتماعي تستدعي آيات قرآنيةً، وتربط «قرب زوال إسرائيل» بنبوءات غيبية، في تجاهل شبه تامّ لأيّ فعل ميداني أو سياسي». تؤكد عرفات أن «هذا الخطاب بالتحديد يأتي متناسباً مع توجهات السلطة السياسية الحاكمة في كثير من الأنظمة العربية، لأنّه يُريحها ويُسهم في تهدئة الناس، فكلّما ابتعد الناس عن الفعل السياسي ولجأوا إلى الغيبيات، ارتاحت الأنظمة التي لا تريد أحداً يطالب أو يُحاسب أو يتحرّك». وحقيقة الأمر أن هذه المنهجية لا تنحصر في «تنظيم» رد الفعل تجاه غزة أو القضية الفلسطينية ككل فقط، إنما يستخدم «سلاح» التهدئة الدينية والتسويف العقائدي هذا تجاه الأغلبية العظمى من «المعضلات» التي تواجهها الأنظمة العربية، حتى تجاه «معضلة» تأفف شعوبها من قمعها، حيث تنحو هذه الأنظمة لاستخدام قراءات دينية شرعية لطاعة ولي الأمر؛ لإشعار الشعوب أن السكوت عن الطغيان فضيلة، وأن تحمل القمع جهاد في سبيل الله، تماماً كما كانت تُستخدم الأديان، كل الأديان، سابقاً في إقناع العبيد أنهم محكومون بأقدارهم، وأن العبد المطيع الجيد هو إنسان متدين جيد. الطريق إلى الجنة -بحسب تفسيرات «رجالات» الدين عندنا- دوماً مرصوف بالتحمل والطاعة والصبر: تحمل الأنظمة القمعية، تحمل الأسياد الطغاة، تحمل الزوج القاسي، تحمل الأهل المسيئين. الطريق إلى الجنة في القراءات الشائعة مفروش بالألم ودون مبرر.
ولقد كتب صديق عزيز آخر للعمود يؤكد في تعليقه أن «الدين مش مخدر، الدين عزاء للضعفاء وسلاح للصابرين». وفي حين أن الأيديولوجية الدينية هي بلا شك علاج روحي للأغلبية من البشر، وهي فعلاً مسكن لآلام النفس ومقو لملكة الصبر والتحمل وداعم للإيمان بوجود حكمة عليا لما يحدث ونهاية عادلة له، فإن التفعيل السياسي له في المنطقة، لا بد أن نعترف؛ يبتعد بالدين عن دور التهدئة الروحي ويعزله تماماً عن دور التعبئة النفسي والفعلي للمواقف المستحقة، آخذاً إلى الدور التخديري للأسف، مستخدماً إياه لبرمجة الناس على الطاعة والصبر والانتظار، انتظار مخلص ما في زمن ما يأتي لينهي كل مشكلاتهم ويقضي على كل صور الظلم في الحياة. وإلى حينها، على الناس أن يصبروا ويحتسبوا ويطيعوا، و»إلى حينها» يمتد هذا ويمتد، إلى أن تصبح الطاعة والصبر والانتظار عادات مغروسة عميقاً وصوراً من الورع والإيمان. ومع ثبات هذه «الخصال»، تضيع النفوس المتقدة والحقوق المسلوبة، وتتحول الشعوب إلى قطعان مقودة بحبال الطاعة والصبر عوضاً عن لعب دورها الأول والحقيقي في حكم نفسها وفي خلق مواقف متقدة جمعية، تعبر عن أخلاقها وفكرها الديني الذين يفترض أن ينبع منهما موقف إنساني صلب مجمع عليه ولا مساومة فيه.
الحقيقة أننا كشعوب عربية إسلامية، قد خذلنا الفلسطينيين وسلمنا القضية الفلسطينية. والحقيقة أن الشعوب الغربية، اللاإسلامية أو «الملحدة»، هي التي تخرج في مظاهرات مليونية من أجل القضية، وهي من تحرك الرأي والقرار العالميين ولو تحريكاً بسيطاً. وعلى حين أن القضية هذه لا يجب أن تكون قضية عربية ولا إسلامية وإنما قضية إنسانية مدنية حقوقية عالمية، فإن ما لا يمكن تجاهله هو القرب الجغرافي والاجتماعي والأيديولوجي لنا مع القضية وأصحابها، ما يحملنا معظم المسؤولية النفسية والفعلية، وما يجعل صمتنا ليس فقط مريباً ولكن مسكيناً مهيناً، ومما يشير بوضوح إلى نوعيتنا كشعوب، وإلى نوعية البرمجة التي خضعنا لها، ومما يتنبأ بواقعية بمصائرنا، بالقادم القريب والبعيد، وبقرب بيعنا نحن كذلك إذا ما حتمت المصالح.
للعبودية صيغ كثيرة، وللترويض أساليب عدة، قد لا تتبدى لنا بوضوح، لكن نتائجها ترتسم رسماً على وجه الصمت، والتخاذل، وترجي اللقمة، وسلامة المشي جنب الحائط… وانتظار المخلص.