الطروادي الأخير

حجم الخط
0

كتاب جديد عن الشاعر والراحل الكبير محمود درويش، حمل عنوان « الطروادي الأخير «، والعنوان يحيل إلى المحارب والمقاتل وإلى الشخصية الأسطورية الطروادية، التي تتحلى بالصبر والعنفوان والمنازلة الحربية في الحروب الإغريقية ذات السمة الميثولوجية. والشاعر محمود درويش شخصية طروادية بامتياز، على الصعيد الشعري والأدبي، والفكري الثقافي، الذي حارب بواسطته وعبر الفن والصيغة التعبيرية الجمالية، العدو المُصادر والناهب والسارق لمساحة وعيه الطفولي الذي نشأ في قرية صغيرة من قرى الجليل الجميلة.
فالطروادي المثالي محمود درويش، قدّم من خلال الشعر سلاحه الفني الأمهر والألمع والأقهر على صعيد الكلمة، التي انطلقت كالرصاصة بالنسبة للعدو لترديه في صميم حسّه العدواني، وتجعله في النهاية قلقاً لا يطمئن للقصيدة التي يكتبها محمود درويش، العربي الفلسطيني المناهض للعدوان، عبر قصيدة حمولتها الخيال والأفكار، والرؤى الثاقبة لمخيال المحتل، ولأساطيره التوراتية، ذات التوجّهات والملامح والتفاصيل والسرود الصهيونية، التي اختصت بها سلالة هرتزل.
الكتاب يضم أهم حوارات محمود درويش الأدبية والثقافية والجمالية حول الشعر، أعدّها الناشر سعيد البرغوثي، وأرفقها بمقدمة موجزة.
الحوارات بمجملها تحمل رؤية شعرية واسعة، ومعرفة عميقة بالشعر العربي والعالمي، وتنطوي على أفكار وصيغ ومعارف فلسفية، تنير الشعر عامة، والثقافة التي حصل عليها، وكذلك تنير في الوقت ذاته محطات كثيرة من حياته المتقلّبة، بين المنافي العربية والأوروبية، وفلسطين.
في الحوارات والمقابلات المبكرة، ولاسيّما تلك التي أجراها الكاتب اللبناني الراحل محمد دكروب في موسكو مع الشاعر، ومجلة «الآداب»، في بيروت جلّها يوضح طبيعة العمل والمطبخ الشعري لمحمود درويش. كما تكشف هذه الحوارات عن البدايات والتأثرات والقراءات الأولى لدرويش في عالم الشعر العربي والعالمي، وثمة حوارات أجرتها معه صحف ومجلات عالمية، من بينها «اللوموند» الفرنسية و»الباييس» الإسبانية وغيرهما، فضلاً عن شعراء وأدباء وصحافيين عرب كثيرين حاوروه ، كحوارات الشعراء حسن نجمي وعباس بيضون وعبده وازن وشربل داغر، وكذلك أوراس مخلوف، ينضاف إليهم حوار أداره أدونيس خلال ندوة أجريت لمحمود درويش ضمن فعاليات «مهرجان برلين الشعري»، عام 2002، في إحدى قاعات المهرجان، تلك القاعة التي امتلأت بحضور نوعي، وهو خليط من عربي وألماني، فالشاعر شخصية عامة، وهو فضلاً عن كونه فلسطينياً، يحمل جرح قضيته بين الشغاف، ويطوف بها العالم، إنه شاعر عربي مجدد، وله امتداد بأجداده الشعراء القدامى، وأبرز من تجسّدوا في شعره وتمثلهم وأشاد بهم، هما امرؤ القيس والمتنبي، فهو قارئ من نوع مختلف، وبحاثة شعري، يستقصي شعراء عالميين ليقرأ لهم.
في حوارته يبدي آراء صريحة بهم، كرأيه الصريح بأودن وإزرا باوند وإليوت، هذا الشاعر الأنكلوسكسوني الذي لم ينج درويش من التأثر به، لا هو ولا الشعراء العرب الرواد، وهناك حبه وشغفه وإقباله لقراءة الشعراء اليونانيين من أمثال كفافي وسيفريس وإيليتيس وريتسوس، فالأخير جمعته به صداقة فنية وشعرية عالية، دفعت ريتسوس إلى تقديمه في أثينا وإشادته به كشاعر غنائي ملحمي. وفي حوار آخر أجراه معه صبحي حديدي، تحدث درويش عن رأيه في الشعر المكتوب بالإنكليزية في حينه، بعد قراءته للشاعرين الحاصلين على جائزة نوبل، شيموس هينه وديريك والكوت، لم يخفِ درويش رأيه بأن هناك أزمة في الشعر المكتوب بالإنكليزية رغم إعجابه بالشاعرين.
آراء نقدية ومهمة يحملها كتاب «الطروادي الأخير»، فالحوارات متنوعة ومختلفة باختلاف وتنوع ثقافة المحاورين، وهم خليط من الأدباء والمثقفين والصحافيين العرب، فمحمود درويش حالة عربية وعالمية قبل أن تكون فلسطينية، ففلسطينيته معجونة في أنفاسه ونبضه وشعره، المصوغ في قالب شعري محكم البناء، إيقاعياً وموسيقياً، وفنياً، عبر نسيج صعب ومتشابك، إنه شعر ملحمي غنائي، كما عبّر عنه ريتسوس، وهو أدق تعبير في شعر شاعرنا. ونضيف إليه البعد الثالث الأسطوري، لما يحمله ويستوعبه ويستبطنه من رموز وإشارات وهالات، تضيء البعد الروحي والبشري والنفسي، لمن يقرأه ويتملاه، وهو يغوص في هذه الغابة التي تستبطن الملاحم العميقة للتراجيديا الإنسانية، كونها شعرية ترقى لمصاف الأيقونات النادرة، تلك المحيطة بتاريخها وزمنها وحاضرها ومستقبلها.
وعن تسمية البعض له بالشاعر الطروادي، تسأله صحيفة «الليبراسيون»، الفرنسية فيجيب شاعرنا: «أنا لم أختر أن أكون ضحية، لا على المستوى الوجودي ولا على المستوى السياسي، الشروط التاريخية هي التي جعلت الفلسطينيين وأنا من بينهم ضحايا، وهكذا فأنا أجهد نفسي على التعبير عن وعي الخاسر وعن الضحية، هذا هو ما يعنيه أن تكون شاعراً طروادياً».
وبعد استرساله في السؤال، تستطرد الصحيفة وتنتهز فرصتها في الحوار، لتسأله هذه المرة عن المسيح وكثرة استخدامه له، فيرد بلباقته المعهودة: «لديّ كل الأسباب التي تدفعني لاعتبار المسيح صديقاً شخصياً، إنه ابن البلد، فهو من الناصرة في الجليل، ثم إن رسالته رسالة السلام والعدالة، فهو في أمثاله يتحدث كما لو كان شاعراً، فهو في حد ذاته حالة شعرية».
من هنا فعلى محاور محمود درويش، أن يكون ملمّاً بثقافة شعرية، فنية وسياسية، وحتى تاريخية وأسطورية، فهو مزيج من كل هذا، فضلاً عن كون ثقافته متشرّبة بثقافات متعددة، وإثنيات مختلفة، وهويّات غير متجانسة، وهنا يكمن سرّ قوته الشعرية، فهي فيها مرايا متماوجة تعكس واحدتها الأخرى، لترينا اللمعة أو البريق المنبثق من أعماق قصيدته، كما أن الحوار الذي تقرأه للمرة الأولى ستجد فيه متعة تعبيرية، حيث لم تتكرر الأجوبة إلا فيما ندر، ولاسيّما تلك المتعلقة بالمكان، فهو والمكان، ولنسمّه المكان الفلسطيني واحد، غير مجزأ، بل ملتحم ويكاد يكون قطعة واحدة، أو نبضة واحدة، هكذا هي فلسطين فهي فيه وهو فيها، وكون فلسطين بلداً عربياً، فهو عربي أبداً، وهذا ما يكشفه شعره وتجربته وتربيته الجمالية، الإبداعية والفنية والسياسية، وبهذا يتجاوز شعره نفسه، من الفلسطيني إلى العربي إلى العالمي، ففلسطين هي كل الأمكنة، كالمسيح فهو عربي وعالمي وكوني، وموجود وحاضر في كل الأزمنة والأمكنة، التي عبرتها صورته الجليلة من الجليل إلى العالم.
ثمة حوار شفاف دار بينه وبين أوراس مخلوف حول المرأة والحب، وفشله في الزواج مرّتين، والحب الذي لا يحبّه ويخاف منه. فعن النوم يجيب درويش الشاعر المغربي حسن نجمي، على أنه عبادة وسباحة فوق الغيوم. وعن القراءة فهو يقرأ في المساء والليل، ولا يكتب شعره ونثره إلا في الصباح.
شاعر وكاتب عراقي

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية