الصين وروسيا بعيدا..ما الذي تعول عليه إيران في الحرب؟

في الوقت الذي كانت تلوح فيه إرهاصات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، تدفّق الحديث بقوة عن الدعم الصيني الروسي المرتقب لإيران، على أساس أن بكين وموسكو حليفتان لطهران.
لكن سرعان ما ظهر موقف الصين وروسيا الباهت من الحرب، التي اندلعت بين أمريكا وإسرائيل من جهة، والجمهورية الإيرانية من جهة أخرى، إذ لم يتجاوز هذا الموقف شجب الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، والحديث عن الوساطة في إنهاء الحرب.
حتى نفهم موقف الصين وروسيا من الحرب الدائرة، لابد أن ندرك أن الدولتين تعتبران الحرب جزءا من صراع أكبر حول تشكيل النظام العالمي، فالعالم يعيش اليوم مرحلة انتقالية بين نظام أحادي القطب هيمنت عليه أمريكا منذ انتهاء الحرب الباردة، إلى نظام دولي تعددي ترسّخه قوى صاعدة.
تأسيسا على ذلك، تمثل أي أزمة تتورط فيها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط فرصا استراتيجية للدولتين، لكن مع ذلك تثير الحرب الدائرة، مخاوف الصين وروسيا من خلق موجات من عدم الاستقرار تتجاوز حدود المنطقة. العلاقة بين الصين وروسيا من جهة وإيران من جهة أخرى، بنيت على أمرين: أولهما المصالح التجارية والاقتصادية، وثانيهما موازنة النفوذ الأمريكي في المنطقة، على مبدأ عدو عدوي صديقي. لكن هذا النمط لا يصلح لتأسيس علاقة متينة ترقى إلى مستوى الانخراط في معادلة الصراع، خاصة أن لكل من الدولتين أولويات ليس من بينها إيران، فالصين تركز على ملفات أخرى أبرزها بحر الصين الجنوبي وتايوان، وهو ما تعتبره الصين يواجه تهديدا من الولايات المتحدة، أما روسيا فتركيزها الأكبر على أوكرانيا البوابة الشرقية لأوروبا والهيمنة على البحر الأسود.
ورغم أن الحرب الدائرة تحمل فرصا استراتيجية لكل من الصين وروسيا إلا أنه في المقابل هناك مردود قوي للخسائر على الدولتين.
بالنسبة للصين يمثل انخراط أمريكا في صراع طويل الأمد فرصة استراتيجية في تراجع الدور الأمريكي، ومن ثم يمكن لبكين أن تطرح نفسها كقوة توازن اقتصادية ودبلوماسية، في ظل استنزاف الاقتصاد الأمريكي في الحرب، لكن في الوقت نفسه يهدد طول أمد الحرب أمن الطاقة لدى الصين ومشاريعها الاقتصادية الضخمة المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق، إذ أن الممرات البحرية في الخليج وبحر العرب، تمثل الشرايين الأساسية للتجارة العالمية، ما ينعكس سريعا على الاقتصاد الصيني.

تمثل أي أزمة تتورط فيها أمريكا في الشرق الأوسط فرصا استراتيجية للصين وروسيا، كما تثير مخاوفهما من خلق موجات من عدم الاستقرار تتجاوز حدود المنطقة

أما روسيا، فعلى الرغم من أن انشغال أمريكا بالحرب يعزز مركز موسكو في أزمة أوكرانيا، وما حققته من مكاسب، وعلى الرغم كذلك من أن الحرب وتداعياتها فيما يتعلق باضطراب أسواق الطاقة العالمية سوف يؤدي إلى مكاسب اقتصادية كبيرة لروسيا، إلا أن هناك أيضا خسائر محتملة، منها أن الحرب تقوض مصالحها في المنطقة، وفي الوقت نفسه قد يدفع ذلك الاقتصادات الكبرى إلى تسريع التحول عن مصادر الطاقة التقليدية، الذي يضر بمصالح روسيا على المدى البعيد. ومع ذلك، فإن طول أمد الأزمة سيجعل الدور الصيني والروسي أكثر أهمية، إذ إن الحروب الطويلة تخلق الحاجة المتزايدة إلى الوسطاء الأقوياء القادرين على تقديم ضمانات سياسية واقتصادية. أعتقد أن النظام الإيراني يدرك جيدا حدود التدخل الصيني والروسي، رغم ما استقر في التقديرات من أن الدولتين حليفتان لإيران، ومن ثم كانت طهران تعلم جيدا أنها لا يمكن لها التعويل على الإسناد الصيني الروسي. إيران تعول على أمرين في هذه الحرب:
الأمر الأول: إطالة أمد الحرب أطول فترة ممكنة دون استسلام، ودون الظهور أمام الحلفاء والمؤيدين أنها ضعيفة، وترسيخ فكرة قدرة الصواريخ الإيرانية على ردع العدوان الأمريكي الإسرائيلي. تعول على إطالة أمد الحرب لدفع الرأي العام الأمريكي إلى الضغط على إدارة ترامب لإنهاء الحرب، خاصة مع سقوط قتلى ومصابين من الجيش الأمريكي، وكذلك مع ارتفاع كلفة الحرب التي يتحمل دافعو الضرائب نصيبا منها. وما يدعم هذا الاتجاه أنه منذ الحرب الإسرائيلية على غزة، سادت حالة من السخط الشعبي على الحكومة الأمريكية التي تتورط في الصراعات من أجل مصالح إسرائيل. كذلك الحال مع الداخل الإسرائيلي، الذي يعيش أيامه الحالية في ذعر ويتكبد خسائر جمة، من المحتمل أن تزيد معه الهجرة العكسية، وقد تلجأ حكومة نتنياهو لتجنيد الحريديم لتغطية توسيع دوائر الاشتباك، وتصطدم بهذه الشريحة المؤثرة، كل هذا يمكن له خلق حالة من الضغط الجماهيري وضغط المعارضة على نتنياهو لإيقاف الحرب.
كما أن إطالة أمد الحرب قد يخلق حالة من التعاطف الشعبي مع إيران في المنطقة، ما يضع الحكومات النائية بنفسها عن الحرب في مأزق مع شعوبها، ما يمكن أن يدفعها إلى تبني مواقف دبلوماسية أكثر تشددا تجاه أمريكا وإسرائيل.
الأمر الثاني الذي تعول عليه إيران، هو التأثير على أسواق الطاقة العالمية، فإيران ترد على الضربات الأمريكية والإسرائيلية بتوسيع نطاق المواجهة ووصول صواريخها إلى مناطق خارج مسرح العمليات التقليدية، فهي تستهدف دول الخليج بذريعة القواعد الأمريكية الموجودة على الأراضي الخليجية، رغم أن هذه القواعد لم تنطلق منها طائرة واحدة، ولا أرى أن هناك تفسيرا لاستهدافها دول الخليج، إلا أنها ترغب في إحداث اضطرابات في أسواق الطاقة العالمية، التي تمثل فيها دول الخليج شريانا أساسيا لتدفق النفط والغاز إلى دول العالم. ويكفي أن القصف الإيراني أدى إلى اضطراب الملاحة في مضيق هرمز الذي يمر عبره خمس إمدادات النفط العالمية.
كما أن الصواريخ الإيرانية استهدفت بنى تحتية وشركات كبرى ومنشآت نفطية ومصافي وطريق إمدادات رئيسية، ما أحدث اضطرابا ملحوظا في تدفقات النفط الخام والغاز الطبيعي، وأثار مخاوف من تداعيات أوسع على استقرار أسواق الطاقة العالمية، إضافة إلى أن هناك دولا تعتمد بشكل أساسي على واردات النفط من إيران نفسها.
هذا الاضطراب في أسواق الطاقة العالمية الذي أحدثته إيران، وما يزال آخذا في التصاعد، تنشد من خلاله طهران الضغط على المجتمع الدولي من أجل التدخل لإنهاء الحرب، منعا لتفاقم الأزمة الاقتصادية التي يطل شبحها على العالم. الجانب الأمريكي الإسرائيلي بدوره يعول على استنزاف القدرات الصاروخية لإيران، ودفع الدول العربية للدخول في مواجهة مع طهران، إضافة إلى تثوير الشارع الإيراني على نظامه لإسقاطه من الداخل. أشد ما يُخشى منه حيال معركة عض الأصابع هذه، أن يستشعر النظام الإيراني قرب السقوط ويتبنى خيار شمشون، فيقدم على قصف مفاعل ديمونا الإسرائيلي، فتتحول إلى حرب شاملة قد يتم فيها استخدام السلاح النووي الذي يمكن أن يجر المنطقة – ولانبالغ إن قلنا العالم- إلى حرب ضروس.

كاتبة أردنية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية