عاش الصينيون في الأسبوع الأخير من شهر يوليو 2021 أسوأ أيامهم. ففي أعقاب حالة الركود التي طالت بلدهم بسبب وباء كورونا، حتى جاءتهم عواصف رعدية وفيضانات لم تشهدها البلاد من قبل. وبينما أظهرت مناطق الفيضان جنوب البلاد عدم قدرة أجهزة البلديات على مواجهة الأزمات الطارئة، رغم نفقاتها الهائلة، نصبت الحكومة المركزية في بكين مقصلة لشركات التكنولوجيا والخدمات الإلكترونية أدت إلى انهيار سوق الأسهم والسندات الصينية في الداخل والخارج، نتيجتها خسائر بلغت 823 مليار دولار من القيم السوقية للأسهم الصينية خلال 3 أيام فقط، عن أسعارها في شهر فبراير 2021. تحولت أسواق الصين من حلم لرأسمال المال المغامر إلى كابوس، وأصابت السياسات الحكومية الجديدة أثرياء البلاد بالفزع.
مازال الناس يتابعون حالة البورصات بقلق، آملين أن تتوقف الخسائر وتهدأ الأمور، وينسون أن « البورصة» هي مرآة المجتمع، فما يعيشونه من فزع وفوضى هو انعكاس لما يحدث ويخطط لهم من قبل رئيس الدولة وحكومته منذ فترة. فقد أعلن الرئيس شي جينبنغ، عما سماه ركائز الاستقرار الأربع، التي ستمكن الحزب الشيوعي الصيني من البقاء في السلطة لمدة 100 عام وهي، البنوك، وتنظيم مكافحة الاحتكار، وأمن البيانات، والمساواة الاجتماعية. هذه الركائز المعلنة من الرئيس الذي يؤمن الحزب الشيوعي به كقائد ملهم، أسوة بماو تسي تونغ، تظهر إلى أي مدى يرغب الحزب في إحكام قبضته على الاقتصاد والمواطنين في آن. فقد واكب ذلك صدور بيان من مجلس الدولة «مجلس الوزراء» تعهد فيه بزيادة الرقابة على أمن المعلومات، وإدراج أسهم وسندات الشركات الصينية في البورصات العالمية.
يحاول الحزب الشيوعي طمأنة المواطنين والمستثمرين، بينما يزداد الذعر لدى أصحاب شركات التكنولوجيا والخدمات الإلكترونية والتعليم الخاص، وهم أغنى أغنياء الصين، ومن يرتبط بهم من مساهمين أو متعاملين مع شركاتهم. الجميع يدرك أن حرب تكسير العظام بدأت بين الحزب الشيوعي وهذه الشركات ومن يمثلها، فقد أصبحت شوكة قوية في حلق النظام الشيوعي وحان الوقت لنزعها. فالصين تفتخر أمام الدول الغربية بخاصة، بأن نظامها الاشتراكي لم يتعارض مع النظم المالية الأخرى في العالم، بما جعلها تضم ثاني أكبر تجمع لرجال أعمال تتعدى أملاكهم عشرة أرقام. فإذا كانت الولايات المتحدة الأولى اقتصاديا فيها 614 مليارديرا فإن لدى الصين 388 مليارديرا. ووفقا لمجلة «فوربس» فإن أغنى أغنياء الصين كسبوا 1.5 تريليون دولار في ذروة انتشار فيروس كورونا، وأصبحوا أكثر ثراء من الماضي.
الصين تفتخر أمام الدول الغربية بأن نظامها الاشتراكي لم يتعارض مع النظم المالية الأخرى في العالم
حالة الذعر لدى المليارديرات وأتباعهم لم تأت من فراغ، فقد بدأت الكارثة بكبيرهم «جاك ما» مؤسس مجموعة «النملة» القابضة التي تمتلك أكبر كيانات تكنولوجية وخدمات مالية ولوجستية في الصين، بل الأفضل على مستوى العالم. فقد اختفى مؤسس الامبراطورية العملاقة، لمدة 3 أشهر العام الماضي، عقب توجيهه نقدا لاذعا للمسؤولين في الحزب الشيوعي الصيني، أمام ضيوف مؤتمر دولي في شنغهاي، في أكتوبر 2020، بعدما وصف القوانين المنظمة لسوق المال بأنها تعيق الابتكار وتجعل البنوك تعمل بطرق تقليدية تصلح لإدارة «الدكاكين» الصغيرة، لأنها تصدر من «نادي المسنين» في إشارة إلى المسؤولين في الحزب الحاكم – بينما الصين تحتاج إلى نظام مالي ناضج، تتمكن من خلاله من إدارة السوق، وتسيطر به على اقتصاد العالم. هذا الرجل نسي في حالة غضب أن الحزب لا يتسامح مع منتقديه علانية، ولو كان أثرى رجل في الدولة وأكثرهم في العمل الخيري، وتشغيلا للشباب. ظهر جاك ما، بين عدد من معارفه، بداية العام الحالي لعدة دقائق، ثم اختفى تماما. هذه الحادثة تكشف عما قد يكون تعرض له من اختفاء قسري أو موت أو السجن، إلى حين ظهوره في جلسة محاكمات في وقت لاحق، وهي طريقة تقليدية يتعرض لها المواطنون يوميا، وتحدث مع أصحاب المليارات بين فترة وأخرى.
لقد اعتاد الصينيون على إطاعة السلطة، لكنهم لا يثقون بها، هذا الميراث دفعهم لتبادل المعلومات حول أسباب اختفاء هذه الأسماء اللامعة، بعد أن تأثرت سلبا أموالهم ومصالحهم الشخصية. فالحزب الشيوعي شرع في حربه على شركات التكنولوجيا ليس بعد النقد اللاذع الذي وجهه جاك ما، لقادة الحزب علانية، وإنما لأن الشركات التي يمتلكها ويديرها، أصبحت في رأيهم تتحدى الدولة. في رأي الحزب أن الكيان العملاق لـ»امبراطورية النملة القابضة» وما تديره من 4 كيانات كبرى أصبحت تتعامل مع مليار عميل في الصين في خدمات إلكترونية والاتصالات والتوزيع والتأمين والخدمات المالية، ومن بينها القروض للمشروعات الصغيرة مقابل عمولات بسيطة لا تزيد عن 1%، وحققت أرباحا هائلة، و حجم معاملات مالية في عام الوباء نحو 17 تريليون دولار، وهو أمر فشلت في مجاراته جميع البنوك والمؤسسات الحكومية، ذات الإمكانيات الضخمة التي تديرها أنظمة الحزب الشيوعي وكبار رموزه في أنحاء البلاد وخارجها. وبدلا من أن يتجه الحزب الشيوعي إلى تطوير مؤسساته المالية، استمع إلى جيوش البيروقراطية في داخله، الذين يفضلون أن» يركع لهم الآخرون وإلا كسرت أقدامهم» – وفقا للأعراف الصينية – ووضعوا قيودا على منح « النملة» قروضا للمشروعات الصغيرة، والحد من بعض أنشطتها بزعم الحد من الأعمال التي ترفع المخاطر المالية، والأهم طلبت البنوك الرسمية أن تحصل على حق الاطلاع على بيانات العملاء البالغ عددهم مليار عميل، والتي تمكن شركات جاك ما، من التفوق في أعمالها وابتكار أدوات تكنولوجية ومالية جديدة. وعندما رفض جاك ما طلبهم، باعتبار ما يأمرون به هو سلب لخلاصة أعماله لمدة عقدين، وكل ثروته ورأسمال شركاته، رفع المسؤولون شعار «حاجة الأمن القومي» لإجباره على التسليم بطلباتهم المجحفة.
التفت المسؤولون الصينيون إلى ما أصبح يملكه جاك ما من أصول تقدر بنحو نصف تريليون دولار، وملكية خاصة نحو 60 مليار دولار، وامبراطورية إعلامية، منها صحيفة «جنوب الصين» وثلث أسهم موقع «وي بو» شبيه «تويتر» وشركة عالمية كبرى للإنتاج الإعلامي. وتسيطر شركاته على 35% من البنية الأساسية لشبكات الإنترنت بما يفوق ضعف شركة هاواوي التابعة للحكومة الصينية، وبما يعتبرونه متحكما في صناعة التكنولوجيا والخدمات المالية وأدوات قوى ناعمة، تناطحهم في السيطرة على الجماهير. وبدأت الحكومة تفتش عن شركات المليارديرات المشتبه في ولائهم للسلطة، كالرئيس التنفيذي لشركة «ميتوان» لتوصيل الطلبات عبر الإنترنت، وفقا لوكالة «بلومبرغ نيوز» بأن رئيسها وانغ شينغ تلقى «تحذيرا بعد نشره قصيدة مثيرة للجدل هزت الأسواق، وأثارت ضجة على وسائل التواصل الاجتماعي». وخسرت «ميتوان» 50% من قيمتها السوقية، التي تشارك فيها شركة «تينسنت القابضة» وهي إحدى شركات «النملة القابضة» التي خسرت هي أيضا في هذه الحملة المسعورة ثلث قيمتها السوقية حتى الآن. وجاءت كارثة وقف الحكومة لشركة «ديدي» لنقل الأفراد بسيارات الأجرة، المستحوذة على « أوبر الصين» عام 2016، بعد جمعها من بورصة نيويورك 4.4 مليار دولار، في أكبر ثاني طرح أولي لشركة صينية بعد «النملة القابضة» التي جمعت 25 مليار دولار عام 2014. أزالت الحكومة تطبيق الشركة من الإنترنت في لحظات، بحجة أنها نظمت الطرح في الخارج بدون إذن الحكومة، فلا يمكن استقبال خدماتها على الهواتف وأجهزة الكمبيوتر، وهي التي تهيمن على 88% من إجمالي رحلات خدمات النقل للأفراد، ولديها بيانات 500 مليون عميل نشيط على خدماتها سنويا، وتحقق أرباحا طائلة، فرغم كورونا جنت العام الماضي 838 مليون دولار دخلا صافيا، وتعتبر إحدى الشركات المدعومة من خدمات وتمويل «النملة القابضة» و»سوفت بنك اليابان». وحظرت الحكومة عمل شركات التعليم الخاص، بعد ساعات المدرسة، وهي مؤسسات نمت في العقدين الماضيين، تبلغ قيمة أعمالها نحو 154 مليار دولار.
تدعي الحكومة بأن حملة القمع تستهدف الحفاظ على بيانات المستخدمين وتحقيق سيادة الدولة على المعلومات وتداعيات الأمن القومي، والأمن السيبراني. وهي الحجج التي تدفعها إلى وضع ملايين الكاميرات لمراقبة المواطنين على مدار الساعة لتعزيز قبضتها الأمنية.
كاتب مصري