كانت غنيمتي نهاية شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2025 من معرض الكتاب في الكويت، صداقة الشعر.. صداقة الشعراء.. إذ اكتشفت وجها آخر مشرقا للشعر لم أكن على دراية به. وفي هذا المقال وما يليه من مقالات أخرى، أحاول أن أشرك القارئ في التعرّف إلى أربعة شعراء هم: علي بن نخي ودخيل الخليفة ومحمد صرخوه وعلي الفيلكاوي؛ ولكلّ منهم تجربته الخاصّة في الكتابة. على أنّ ما شدّني في كتاب علي بن نخي «الأرض تنأى عناقي سديم» (ط. أولى الكويت 2025 سلسلة إشراقات، يختارها ويشرف عليها أدونيس) هو هذه «القصيدة النثر» ـ وأنا أصرّ على أنّ هذه الصفة بالمصدر «النثر» هي الترجمة السائغة، بدل تلك الخاطئة «قصيدة النثر»؛ وهو تركيب بالإضافة ألا سند له في النحو الفرنسي ـ ذات الشعريّة «الغريبة». وقد حرت في توصيفها؛ ثمّ استقرّ رأيي على أنّها «شعريّة الباريدوليا»التي وسمت الشعر والرسم الحديثين في الغرب عامّة. وهذا يقتضي شيئا من تفصيل القول، بسبب من هذه المصطلحات الأجنبيّة التي تفد علينا وتتزاحم، ولا ندري كيف نعرّبها من غير إخلال بمفهومها. لأقل هي «شعريّة الكتابة اللغويّة» التي تقوم على تفكيك أنساق الخطاب الشعري المعياريّة وصياغتها مادّة قائمة بذاتها؛ بتخليصها من «الأداتيّة» أي نقل المعنى. وأقدّر أنّ هذا «التحوّل» ممّا يجعل القارئ يواجه النصّ من حيث هو سلاسل أو عناقيد أشبه بوميض البرق؛ مادّتها شظايا لغويّة تشعّبا وتشقّقا وتجاورات غير متوقَّعة؛ منطقها من منطق «البارادوليا» من حيث هي ظاهرة بصريّة عشوائيّة لا مرجع لها؛ مثل تخيّل وجوه بشريّة أو حيوانات في قطع السحاب، أو سماع أصوات خفيّة.. وهي باختزال، مَنزع إدراكيّ ينشأ في حيّز «العشوائي»، لكن من غير أن تعني «خبطا» لغويّا، أو ركوب الشعر على غير بيان. ومثل هذا النصّ كما هو عند علي بن نخي، ينشأ من «بِيَاض» جمع بَياض، وليس «بياضات» كما هو شائع عند المعاصرين. وهي انقطاعات وتقطّعات تركيبيّة، تحفز القارئ «النوعي» إلى البحث في ما تعقده من علاقات خفيّة.
ومن هذا المنظور فإنّ القراءة نفسها فعل إدراكيّ يكاد يكون هو أيضا صورة من «الباريدوليا». ولعلّ هذا ما حاولته وأنا أقرأ بمتعة كتاب علي بن نخي؛ وأُنْشُد وحدة نصّيّة في حيّز «التشتّت» اللغوي الذي يخلو تماما من علامات التنقيط:
«وجهك موج في كلّ بحر أجلس بين يديه تارة أراد عصفورا وأخرى توشوش لي بهالة من نور»، أو «أضواء المشفى أغصان معتمة تتمدّد في البياض الستائر جرف عالم ينمو»، أو «ظلّي يتأرجح في فجر ذهبي»، أو «في البيت لمحت طيفك سقطتْ في الدغل المحاذي شجرة»، أو «عريك موج يشعّ في جسدي»، أو «داخل عباءة النخيل أختبئ عطرا يابسا»، أو «الأسوار ترحل عن حقولها»، أو «صخرة سوداء شقّت جدولا اختفت في بريقه نبتة ذهبيّة»، أو «حنطة في إناء الشمس»، أو «أجلس إلى النافذة يغطّيني صمت أنظر السماء تقطر في خجل»، أو «على قرن غزال حطّت عصفورة»، أو «لم أر وجهي في المرآة بدأت تمرير موسى الحلاقة وإذ بوجهي يختفي من جديد شعرت به مبتعدا انتظرته عاد ثمّ خرجت إلى الناس كأنّ شيئا لم يكن»، أو «مثل فيل ورقي أراقب طرق الشعر الخفيّة».
وما إليها من أمثله تستدعي نقل النصّ بأكمله، وتجعل القراءة نوعا من «الاستدراك الإدراكي»، أو إدراك صورة أو كلمة بأخرى من أجل الاستحواذ على دلالة ما هي ليست معطى نصّيا ثابتا.. كما هو الشأن عند شعراء معاصرين مثل الأمريكي رون سيلمان، الذي قرأه علي بالإنكليزيّة، وحدّثني عنه بعمق.. وقد عدت إلى بعض نصوصه.. ما ساعدني على «فهم» هذه الشعريّة التي تشرع «القصيدة النثر» العربيّة على آفاق غير مطروقة من التجريب الفطن، الذي يمكن رصده في ثلاثة عناصر تعزّز «الباريدوليا»، أحدها تشظية المعنى وإعادة تركيبه من دون رابط منطقي، ممّا يحفز القارئ إلى صنع معنى أو دلالة هي أشبه بتلك الصور التي يمكن أن نتخيّلها في الغيوم، أو في تلاعب الأضواء والظلال.. وهي إيحاءات مشرعة على معان ما متحوّلة.. والآخران: اقتناص اليومي العابر، وما يمكن أن أسمّيه «العدول الإدراكي».
وأكثر هذا الكتاب صور مكتملة وغير مكتملة وتفاصيل ملتبسة من اليوميّ والمعيش، أو «مشوّشة»، على الرغم من أنّ كلمة «تشويش» لا أصل لها في العربيّة، وهي من «التهويش» وهو التخليط، أو من ذكريات ما مثل ذكرى الجدّة «وقفت جدّتي في الحديقة وصاحت بي تعال أيّها القطّ رحت أجرّ ضحكات خجولة نحو ازهارها».. وعلى أساس من هذا «التوصيف» يمكن لنا ان نقرأ هذا العمل الشعري، من حيث هو مِراسٌ لغويّ، يجرّد العلامة من سياقها المرجعي؛ ويحوّلها إلى فضاء بصري – لغوي «عشوائيّ»، أو أنّ شكله هو «اللاشكل» أشبه بالنار، أو النور غير المقيّدين.. وإذا كان لا بدّ من معنى أو من دلالة.. فلا منفذ لهما سوى خيال المتلقي، وليس بنية النص وحدها.. وقد أعادني هذا الكتاب إلى قراءة شعراء معاصرين «يخيطُون» اللغة وسجلّ اليوميّ على نحو غريب غير مألوف.. من أمثال تشارلز برنستين، الذي يهدم منطق اللغة.. وينشئ فيها خللا أو تصدّعا.. في مشاهد حضريّة يوميّة وتراكيب «معطوبة» عن قصد.. أو ربّما عن غير قصد.. تماما كما هو الشأن في الرسم.. ممّا يذكّرنا بليوناردو دافنشي الذي كان يوصي بتأمّل البقع التي تلوح على الجدران أو الصور التي تنسجها السحب والغيوم.. من أجل حفز الخيال.. وتوليد الفكرة.. وتركيب المشهد.. من المناظر الطبيعيّة التي «تنتسج» لها ملامح إنسانيّة، أو الأشياء التي تتّخذ هيئات ووجوها.. الصخرة التي تلوح مثل رأس، أو الشجرة التي تبدو حيوانا، أو كما في شعر ت. س. إليوت.. حيث الضباب الأصفر حيوان له ظهر يفركه، وخطم وهو يمسّح نفسه بزجاج النافذة.. أو كما في إشراقات رامبو، وفصل في الجحيم، حيث المناظر وجوه وكائنات، أو عند الأمريكي الفيتنامي أوشن فاونغ الذي يرى في الدخان الذي يتلوّى ويتصاعد في السماء وجها بشريّا يتفكك.. وفي الضوء المختلج يدا بشريّة تبحث عن أحد ما.. أو في ظلّ الكرسي الذي يتحوّل إلى شخص جالس.. ينتظر.. في الحجرة المظلمة عند الأمريكي مارك ستراند.. حيث الفراغ والظلال وأثاث المنزل كائنات لها حضور ونفس.. وهذا إدراك بصري متخيَّل، وليس تشبيها كما قد يقع في الظنّ، بل ليس استعارة بالمعنى البلاغي أي بنية تماهٍ بالمطابقة تمّحي فيها الحدود والفواصل بين الأشياء والماهيات.. وإذا القارئ المتلقّي مثل الشاعر، «يرى» و»يسمع» حيث الباريدوليا نفسها استعارةٌ لقراءة يمكن نعتها دون شطط بـ»الشعريّة الباريدوليّة»، تسبر المضمر داخل الظاهر؛ كما هو الشأن في الرمزيّة والسرياليّة. وربّما لا غرابة فعلوم الأعصاب كما قرأت، تقول إنّ الدماغ يَنشُدُ مألوف الأشكال وتحديدا الوجوه. وما ليس بـ»شيء» يصبح شيئا يَرى ويُرى؛ حيث الشاعر يبحث عن وجوهٍ تشبهه، فيما هي عدم لا غير.. أو هو يريد استكمال الناقص فيه.. هناك اليوم مراجعات متتالية لمقولة «الجنس» أو «النوع». وقد لا تكون هناك حدود جليّة، خاصّة في هذه الكتابة الشعريّة التي تلوح سائبة تخبط هنا وهناك.. وهي كما أسلفت مراس لغويّ ذكي، و»جنس أدبيّ» مداره على ثلاثة أنواع من الإيقاع مترابطة:
أوّلها «إيقاع تسلسلي» من السَّلْسَلُ والسَّلْسال والسُّلاسِلُ وهو الماء العَذْب السَّلِس، والسَّلْسَل هو الماء العَذْب الصافي، إِذا شُرب تَسلْسَل في الحلْق أي جَرى أي هو اللَّيِّن الذي لا خشونة فيه، وتوصف به الماء عادة. وهو يجري في الكتاب كلّه.
وثانيها «الإيقاع التعاقبي» الذي يتّصل بعضه ببعض أشبه بالبرق الذي يُرى في التوائه، أو وهو يستطيل في عرض السحاب، أو بالرمل الذي ينعقد بعضه على بعض، كانعقاد الكلمات في هذا الكتاب وانفراطها في الآن ذاته. وثالثها «إيقاع ديناميكي»، أو «إيقاع صاعد» منتظم متكرّر» حركةً أو صوتاً أو الاثنين معا، كما في القصيدة التي نحن بها، مداره على «المونولوج». والكتابة عند علي بن نخي وهو شاعر باحث خرّيج رياضيّات وفلسفة درس في استراليا، ورشة كبرى مُشرعة على موارد شتَّى، وتجسيد لأجناس وأنواع مختلفة وتشبيك بين نصوص متباينة الأزمنة والأنساب تتعالق في ما بينها على نحْو ملتبس؛ فهي متماهية من حيث هي، في الوقت نفسه، متجاورة؛ من حيث هي، في الوقت ذاته أيضا، متحَاورة. ومن حيث هي في الوقت ذاته تتفاصلُ ليتجاوز بعضها بعضا. إذن أقول إنّ الكتابة الشعريّة كما ذكرت غير مرّة مرجل يغلي لا غطاء له ولا يتلاشى بُخاره.
كاتب تونسي