الرواية… الجذور والأصول

إن أهمية تتبع تاريخ الأجناس الأدبية، تأتي من الدور الذي يؤديه في الوقوف على طبيعة تحوّل الأشكال إلى أنواع، ثم تحول بعض الأنواع إلى أجناس، دُشّنت قوالبها واستقرت في مرحلة متأخرة زمانيا عن المرحلة التي فيها تأسست ونمت وتطورت. وقد سعت الحركة الرومانسية في منتصف القرن الثامن عشر إلى أن تولي كلا من تاريخ الأجناس وقضية الأصول اهتماما نقديا؛ فوضعت تصوراتها الخاصة للتاريخ الأدبي. وعاد مفكرو الرومانسية – وانطلاقا من نزعتهم الإنسانية في النظر إلى الأدب نظرة عالمية – إلى أدب العصور الوسطى، وتحدثوا عن نظرية الإنسان العظيم. ومن هؤلاء فيكتور هوغو(1802-1885) الذي أعطى لتاريخ الأجناس الأدبية مساحة، خاصة في المقدمة النظرية لمسرحيته كرومويل، مستندا في دراسة هذا التاريخ إلى (الحقيقة الآتية: لم تشغل الأرض حضارة من طبيعة واحدة.. إذ تنامى الجنس البشري بمجموعه وتطور ونضج شأنه شأن كل فرد منا. كان طفلا ورجلا ونحن نشهد الآن شيخوخته.)
وبناء على هذه الحقيقة، قسَّم هوغو تاريخ الأجناس الأدبية إلى بدائي، قديم، حديث؛ في البدائي استيقظ الإنسان على الشعر الغنائي، وفي القديم كانت الإمبراطوريات، وجرت الحروب فنشأت الملحمة، وفي الحديث بنى الإنسان المسرح، فمات الشعر الملحمي، وبدأ عصر الدراما. ومعلوم أن أرسطو هو من نصَّ على الأجناس الثلاثة (الغنائي، الملحمي، الدرامي) غير أن ما يفترضه هوغو هو، أن لا جنس من دون أصل، بل (لا شيء يوجد بلا أصل، فبذرة العصر الثاني موجودة دوما في أحشاء العصر الأول).
وإذا كان الأمر كذلك، فإن من المنطقي أن تكون جذور الرواية موجودة في العصر الذي سبق عصر الرواية مباشرة؛ وهو العصر الذي فيه اكتمل قالب القصة العربية، وترسَّخت قواعده. ومن الطبيعي بعد ذلك أن تكون الرواية امتدادا لذلك القالب وتطويرا لمواضعاته بحكم التقارب الزماني والاحتكاك الثقافي والمحاذاة الجغرافية.
وعلى الرغم مما للرومانسية من بطانة فكرية ذات تأثير عالمي، وما لتنظيرات هوغو حول الأجناس من أهمية، فإن ذلك لم يؤثر في أن يقتلع من فكره مسألة التفوق العرقي والملكية الأرستقراطية للأوروبيين في القرن السابع عشر، ولذلك ظلَّ محكوما بها، وهو ينظر إلى الأجناس الأدبية على أنها امتداد لتاريخ الإغريق والرومان؛ يقول: ( إن في لحظة قيام المجتمع المسيحي كانت القارة القديمة قد قُلبت رأسا على عقب. كل شيء اهتز حتى جذوره. وكانت الأحداث آخذة على عاتقها تدمير أوروبا القديمة وتشييد أخرى جديدة تتصادم وتتصارع دون هوادة، دافعة الأوطان كيفما اتفق، هذه إلى النور، وتلك في الظلام).
من هنا تتأكد أسباب عدم تمكن الرومانسية من تثبيت تصوراتها، وسرعان ما أفلت مع علو كعب النزعات العلمية والتوجهات الواقعية للقرن التاسع عشر. وكان أن وضع المفكر الفرنسي فرديناند برونتير( 1849- 1906) أفقا تطوريا للأجناس، متأثرا في ذلك بنظرية داروين في نشوء الكائنات الحية وتطورها. وكان للتصورات الفلسفية التي وضعها إيان وات وبرسي لوبوك ونورثروب فراي وغيرهم، دور مهم في أن تكون دراسة الأشكال الأدبية متقدمة على دراسة تاريخ الأدب. وإذا ما تمت الإشارة إلى سرديات العصور الوسطى، فإنها عادة ما تكون إشارة مقتضبة وناقصة وسلبية. وكان لنا أن رصدنا العوامل التي جعلت منظري الغرب يتجاهلون الأصول ويغضون الطرف عن هجرة التقاليد في كتابنا (الأقلمة السردية من العصور الوسطى حتى القرن التاسع عشر).
والغالب على تفاسير النقاد الغربيين لجنس الرواية، أنها جنس جديد اكتمل في القرن الثامن عشر تعبيرا عن الفرد الأوروبي والمجتمع البورجوازي. يقول جورج لوكاش: (إن الخصائص التي تعني الرواية وحدها وترتبط بها لم تبدأ بالظهور إلا بعد أن صارت الرواية الشكل الذي يعبِّر عن المجتمع البورجوازي) وبحث لوكاش عن جذور هذا المجتمع التاريخية، فوجدها تعود إلى العصر البطولي الذي عرفته ملاحم الإغريق. فعد الرواية من ثم امتدادا للملحمة، على أساس أن العصر الذي عاشه الأفراد في زمان الملاحم كان بطوليا، وأن العصر الحديث في أوروبا هو عصر بورجوازي حيث لا بطولات فردية مهولة. وعدَّ الخرافة والهجاء والسخرية مجرد أشكال وهمية وطوباوية، وببطولة غير إيجابية في حين وجد الرواية انقلبت على الخرافة بالعلم، وعلى الوهم بالواقعية، وببطولة إيجابية. وإذا كان شعار أدباء العصور الوسطى (اعمل ما تشاء) فإن شعار أدباء العصر الحديث هو (دعهم يعملون حسب التعبير البورجوازي).
وفي هذا الإطار التفسيري لتاريخ تطور الأجناس، وضع لوكاش مصطلح (الباثوس) ويعني المحرك الدينامي للرواية أي (القوى العامة التي لا تظهر لذاتها فقط في فرديتها، بل التي لا تزال نابضة بالحياة أيضا في القلب الإنساني، وتهزُّ الروح الإنسانية حتى في أعمق أعماقها.. قوة منطقية للروح في ذاتها، ومضمون جوهري لكل ما هو عقلاني). وضرب مثلا على ذلك برابليه وسرفانتس، وعدَّهما مؤسسي الرواية الحديثة.
ولن نجانب الصواب إذا قلنا، إن الباثوس بهذا التعريف الذي حدده لوكاش، ينطبق على كل فعل سردي وفي أي زمان ومكان، حيث الضرورة والصدفة هما أساس التحبيك الفني الذي فيه الصراع هو صراع الخير والشر الشامل لكل أنواع الصراعات الجزئية، التي عرفتها العصور القديمة والوسطى والحديثة، باستثناء أنّ الأبطال والفرسان تحولوا إلى طبقات وأيديولوجيات. واستنادا إلى هذه الماهية في عمل الباثوس، تغدو الرواية قالبا غير جديد، ولا مبتكر تماما، بل هو تطوير لقالب القصة الذي كان قد انتقل عبر ترجمة مرويات العصور الوسطى التي كانت مكتبات الأندلس تحتفظ بالكثير منها. وبعد سقوط غرناطة انتقل غالبيتها إلى أوروبا بحكم القرب الجغرافي والمصالح التجارية والعسكرية. وبهذه الطريقة، هاجرت التقاليد السردية، فترسَّخ العمل بقالب القصة العربية في أوروبا منذ عصر النهضة، مما نجده في أعمال الفرنسي رابليه والإسباني ثرفانتس والإنكليزي دانيال ديفو.
وكل أدب متأخر زمانيا، إنما يَستدل بنفسه تدريجيا على الطرق التي تمكّنه من أقلمة ما ابتكره ورسخه الأدب المتقدم من قوالب وتقاليد بالتحوير تارة وبالتعديل تارة أخرى. ولا شك في أن التفسيرات الغربية لنشأة الرواية هي التي تفرض ضرورة العودة بالنقد الأدبي إلى دراسة السياقات التاريخية والجغرافية والاجتماعية والميثولوجية، التي كانت المدرسة البنيوية قد أهملتها، وكانت الدراسات الثقافية قد وجهتها – وحسب منظومة الفكر الغربي نفسها- نحو مفاهيم ثيمياتية مثل الهوية والاستعمار والآخر والمجتمع والثقافة وما إلى ذلك.
وقد استغرب الناقد هارون كيبيدي فارجا، أن تكون الرواية وريثة الملحمة، غير أنه فسَّر الأمر على أنه مجرد مفارقة فنية، فيها الملحمة جنس هو الأكثر خضوعا للقوانين، والرواية جنس هو الأقل خضوعا للمعايير، وأن هذا كله يأتي، في رأيه، ضمن ما سماه (التغيرات الجذرية التي لحقت حضارتنا في نهاية القرون الوسطى، ومع ذلك تشكل الرواية في تاريخ الأجناس الأدبية ونظريتها، حالة خاصة).
إن هذا التناقض الذي يقع فيه هذا الناقد هو مثال من أمثلة كثيرة على الطريقة التي بها يجافي النقد الغربي الأصول، كي لا يخوض في أمدائها العلمية، لأنه يعلم أن تلك الأمداء ستضع النقاط على الحروف، وستدل على دور آداب العصور الوسطى في نهضة الأدب الأوروبي الحديث.
ولأن من غير الممكن تفسير الكيفية التي بها نشأ جنس الرواية، ولماذا لم يشهد الأدب الغربي جنسا سرديا آخر أتى بعده، راح النقاد الغربيون يتحدثون عن موت الرواية ورواية اللارواية، وأن لجنس الرواية أجناسا فرعية ليس من السهل تحديد عددها بدقة.. وهلم جرا من التصورات والتصنيفات والتمثيلات التي تمنهج الرواية، حسب الفلسفات التي يستند إليها المنظر السردي الغربي، حسب الأيديولوجيات التي ينتمي إليها، وليس حسب مقتضيات التاريخ الأدبي وتطور السرديات نفسها.
وما من تفكير نقدي إلا ويستند إلى خلفية فلسفية توجه الناقد نحو جزئية ما من جزئيات الفكر، كي يُسيِّر من خلالها مدخلاته، ويوجه من ثم مخرجات تلك المدخلات. وإذا كان مثل هذا التفكير يصح مع قضايا الحياة بشكل عام، فإنه يخفق مع قضية الإبداع الفني الذي هو فعل كلي مثله مثل الفلسفة، ولا تفهم كليته بالتجزئة، إنما تفهم بالإحاطة والتكملة. والرواية فعل إبداعي قبل أن تكون قالبا سرديا، وإبداعيتها هي في قالبها الذي له من السعة ما يجعله يضم داخله مختلف الأجناس والأنواع والأشكال ويتمكن في الآن نفسه من العبور عليها أيا كانت أساليبها وصيغها وتقنياتها، ومن دون أن تطرأ على بنية القالب أي زيادات أو متغيرات.

كاتبة عراقية

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية