الدولة القاتلة

السلطة في الجزائر جهاز قاتل، لأن النواة الصلبة فيها تحوّلت إلى كروموزومات قاتلة ومستحكمة، وصارت تفتك برموزها الفاعلين من القيادات العسكرية والسياسية والاقتصادية. وذلك هو الطراز الأخير الذي تحّولت إليه السلطة في الجزائر، فقد تَطَوَّر نظام الحكم إلى خلاف ما يجب أن تصل إليه دولة، تستند إلى مقومات وحوافز وخصائص الدولة المدنية الحديثة، خاصة أنها جاءت أثر التحرر من دولة كبيرة مثل فرنسا.
وعليه، هل يمكن أن نصل في الحياة الدولية وممارساتها، إلى إدراج دولة في قائمة جديدة يطلق عليها هذه المرة الدولة القاتلة، على خلفية أن السلطة فيها صارت تنتقم من كل الذين يرتادونها، على تفاوت عملية القتل، من الإعدام مثل حالة بوضياف في الجزائر، الذي تم قتله على الهواء مباشرة، وهو نوع من الإعدام أمام الملأ العام، إلى الإبعاد عن الشأن العام، على ما تم مع الآلاف من الشخصيات المدنية والعسكرية التي تقبع في السجون، والملاحقة في أروقة القضاء، أو أشخاص مسؤولين فارين من وجه العدالة، فضلا عن عقوبات وقف التنفيذ للجميع وهي «العقوبة» السارية المفعول، ويستند إليها نظام الحكم في الجزائر، عملا بالقاعدة المقلوبة التي تقضي بأن كل الأفراد مُدانين، ولا يمكن إطلاقا إثبات العكس.. لأن التهمة جاهزة وتطال كل من يحاول أن يقترب بشكل سليم وشرعي إلى السلطة.
دائرة القتل في الجزائر توسعت وتحوّلت إلى نوع من الانتحار الذاتي، الكل يُقتل حتى لو كان يؤدي مهامه في السلطة ولفائدتها، على النحو الذي أنهى به قائد الأركان السابق القايد صالح حياته يوم 23 ديسمبر 2019، بعد أن عيّن مُفضله عبد المجيد تبُّون رئيسا للدولة، ليحال هذا الأخير إلى مَرْتَع المنتظرين لدورهم على مذبح السلطة، وقد سبقه إلى هذا الوضع الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، عندما وقّع على عهدته الرابعة في انتخابات عام 2014 وحكم على نفسه بالإعدام السياسي، وتسللّت بسبب ذلك جائحة القتل إلى ماهية السلطة ورحيقها، واستحكم مفعولها في نظام الحكم، لا تنجو منه لا المعارضة ولا السلطة ذاتها. تلك هي ملامح الصورة الجديدة التي تتحلّى بها الجزائر، بناء على تجربة خائبة مع الديمقراطية والإنسان والأرض، التي يجري التعامل معها برسم التدمير والتخريب والفناء. والأمر يقتضى ضرورة إحالة ملف «حالة السلطة القاتلة» على المراجع والهيئات الدولية العليا، من أجل إسعاف بلد يبدد ثرواته ويدمر إمكانياته، بَيّن على أكثر من وجه أنه فاشل وعاجز عن إدارة شؤون مواطنيه، بل أكّد على أنه من فرط الجرائم اليومية صار النظام في حد ذاته قوة عمومية عمياء، لا يمكن التعويل عليها في تدبير الحكم وتسييره، لأن أصل الدولة في نواتها الصلبة صارت قاتلة، لا يعتد بتصرفاتها، إلا على سبيل تصريف الأعمال وبحكم الشيء بالفعل وليس بالقانون.

دائرة القتل في الجزائر توسعت وتحوّلت إلى نوع من الانتحار الذاتي، الكل يُقتل حتى لو كان يؤدي مهامه في السلطة ولفائدتها

منذ مدة ليست بالقصيرة، دخلت الجزائر في بَيَات شَتَوِي أرهقها، وأتى على مفاصلها وشرايينها إلى حد العجز، على ما شاهد العالم رمز «الدولة» وهو على كُرسي متحرك يظهر للعالم أجمع أن البلد كله مُقْعد لا يقوى على أي شيء، بل رشّح الوضع برمته إلى تشكّل فعلي لعصابة غير دستورية. وعليه، فإن الحالة الجزائرية، على ما آلت إليه في العقدين الأخيرين، قدّمت بالأدلة والشواهد والقرائن، أن السلطة في ذاتها استقلت بشخصيتها الاعتبارية لتصنع منها شخصية قاتلة، لا يوجد من يحاسبها إلا الهيئات الدولية الكبرى. فالعجز في تكوين الدولة التامة ذات الشخصية الاعتبارية هو الذي حوّلها إلى كيان ذاتي، ينفرد بما هو خارج القانون، ولا يستند إلا لاعتبارت البقاء في الحكم القائم على آلية المناوبة بين رموز الفساد أنفسهم. ولعلّ هذا هو الذي جعلها تفقد بشكل جنوني رهيب مكانتها كدولة عادية في المجتمع الدولي، وتتحول إلى كيان سياسي هلامي، عدمي، لا يستند إلى أي شرعية، بل مجرد تصريف مؤقت للأعمال إلى حين تتولى الهيئات الدولية النظر في ملفها الجنائي.
الجزائر تفقد اليوم صفتها الشرعية، وبموجب ذلك لا يمكن أن تحصل على عدالة قضاياها، أو إنصاف لمواقفها. فهي تثير عطف وعناية الآخرين بها على ما ترمز إليه بقوة شخصياتها الرئيسية الرئيس السابق بوتفليقة، والرئيس الحالي عبد المجيد تَبُّون، دولة مُقْعدة لا حول لها ولا قوة، تستجدي الإعانة والإسعاف والتدخل السريع لإنقاذها.. بل الوضع فات والسلطة آلت إلى الإجرام في أعلى مستوياته عندما يعنى احتكار «العنف غير الشرعي» وتحويل الشخصية الاعتبارية إلى شخصية مجرمة، لا يوجد من يحاكمها، دولة قاتلة من رحمها ومن نواتها الصلبة. آخر طراز الإجرام وآخر أنواعه: الدولة القاتلة، بعدما عهدنا في حوليات التصنيف الدولي من يدخل بعض الدول إلى دول راعية للإرهاب، ودول مارقة وقبلها دول تتمتع بشرط الدولة الأكثر رعاية.. نظام الحكم في الجزائر فقد خاصيته الشرعية بسبب اغتصابه «للعنف الشرعي» والقوة العمومية، وحوّلهما إلى عنف غير شرعي خارج الدستور، وبعيد عن القانون والأخلاق ومجرى العادة التي يَتَوَاضع الجميع على أنها معقولة ومقبولة، كما قام بعملية خَوْصَصَة القوة العمومية، لفائدة أشخاص نظام الحكم. كل ما يجري اليوم في الجزائر، بفعل وأثر ثقافة العصابة وممارساتها غير مقبول، على ما يلاحظ المرء في حياة الناس العاديين، ناهيك من رفضه لكافة مقترحات النظام ذاته.
وما نروم أن نؤكده في هذه الظاهرة الجديدة في حياة الجزائر والجزائريين، هي أن الذي يثبت بأن الدولة صارت قوة قاتلة، هو القضاء ذاته الذي يتحرك بسرعة لإدانة وتهمة كل من تسوّل له نفسه التفكير في مشاركة الحكم في إدارة ريع البلد، لأنه تصرف يندرج في الشرك السياسي. فالسلطة واحدة وإلى الأبد ولا تقبل إطلاقا مشاركة غير عناصرها، والعناصر الذين يتم تعيينهم لفائدتها. فالقضاء هو الشهادة الدامغة التي تنوب عن أي تعليق، أو اجتهاد، أو تفسير لوصف السلطة بأنها قاتلة. حقيقة الحقيقة هي أن القضاء يفصح بأكثر من شاهد ودليل على أن السلطة في صلبها العسكري، تستخدم السلاح الكاتم للصوت من أجل التخلص من العناصر المعارضة ومن أجل الانتحار أيضا. ولأن صفة القتل والاغتيال البطيء طالت النظام، وصارت في آخر ظهور لها صفة ملازمة لها، فإن حقيقة الحقيقة الأخرى هي عجز الشعب عن إصلاح الوضع، لأن الأمر لم يعد يتعلّق بأفراد يمكن إزالتهم أو تجاوزهم، ولكن الداء كامن في جسد السلطة في مادتها الحيوية، لأنها مست «البيو» الذي لا ينفع معها أي ترقيع، أو تعديل، أو إصلاح طارئ.. بل يتطلب ضرورة استقلال جديد لا بد أن يحدث على كافة الأصعدة، خاصة بالتكيف الشرعي مع البيئة الدولية.
كاتب وأكاديمي جزائري

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية