الناصرة – «القدس العربي»: يؤكد الباحث الفلسطيني ابن مدينة حيفا، الدكتور جوني منصور مؤلف كتاب «التدين في مناهج وكتب التعليم في إسرائيل»، تغلغل المكوّنات والمركّبات الدينية والعقائدية في مناهج وكتب التعليم في إسرائيل، ليس فقط في جهاز التعليم الديني، بل في الجهاز العلماني أيضا. ويشير إلى أن جهاز التعليم في إسرائيل مكوّن من عدة أجنحة: جهاز التعليم الرسمي – العلماني، وجهاز التعليم الرسمي – الديني، وجهاز التعليم العلماني الخاص، وجهاز التعليم الديني الخاص.
أمّا ما يتعلق بفلسطينيي الداخل، فالوزارة الإسرائيلية تتعامل معهم وفق مبدأ التجزئة، رفضا لأي دلالة على أنهم أقلية قومية وطنية، إذ تُصنَّف أطرهم التعليمية إلى: جهاز التعليم العربي، وجهاز التعليم الدرزي، وجهاز التعليم البدوي.
المناهج الإسرائيلية تنتج العنصرية والكراهية وتشيطّن الفلسطينيين والمرأة
ويوضح الدكتور جوني منصور لـ»القدس العربي»، أن هناك صراعا داخليا محتدما في المجتمع الإسرائيلي بين العلمانيين والمتدينين، وأن المناهج التعليمية أصبحت ساحة لهذا الصراع. وعن ثنائية التدين والعلمانية يضيف: «يعود هذا الصراع إلى بدايات الحركة الصهيونية التي حاولت دمج المفهومين الديني والقومي، ما أدى إلى علمانية ناقصة”.
وحول هيمنة اليمين الديني، يرى منصور أن صعود اليمين المتطرف في إسرائيل، خاصة في عهد حكومات بنيامين نتنياهو منذ 1996، أدى إلى تغلغل متزايد لما يسميه «السلفية الدينية اليهودية» في جهاز التعليم. مشيرا إلى أن ذلك تمّ من خلال تعاقب وزراء من التيار الديني اليميني على وزارة التعليم، المعروفة بـ»وزارة المعارف»، إضافة إلى وزارات أخرى، فضلا عن زيادة الميزانيات المخصصة للمؤسسات والنشاطات الدينية. أما عن التغلغل الديني في المناهج، فيشير إلى أن المناهج الإسرائيلية، بما فيها الكتب العلمية، شهدت إقحاما كبيرا للمحتوى الديني، حتى في مواضيع تعليمية غير مرتبطة مباشرة بالدين مثل، الرياضيات والفيزياء واللغة الإنكليزية، بهدف ترسيخ قيم القومية الدينية العنصرية ويهودية الدولة.
وينبّه منصور إلى نفي الوجود الفلسطيني، مؤكدا أن الكتب التعليمية الإسرائيلية تعمل على إنكار الفلسطينيين من خلال تجنب ذكر كلمة «فلسطين» أو «فلسطينيين»، والاكتفاء بوصفهم بـ»الأعداء» أو «الإرهابيين»، أي شيطنتهم واعتبارهم غرباء لا يستحقون العيش على هذه الأرض.
وفي سياق آخر، يشير جوني منصور إلى مضامين التحريض وتمجيد الجيش موضحا، أن المناهج الإسرائيلية تهدف إلى إعداد الطلبة للانخراط في صفوف الجيش عبر تمجيد بطولاته وتصويره على أنه «جيش الربّ»، الذي يقاتل الأعداء انطلاقا من العقيدة الدينية. ورغم الصورة المعلنة للجيش باعتباره علمانيا، إلا أن التأثيرات الدينية فيه قوية جدا. كما يلفت الانتباه إلى هيمنة قيم استعلائية وعنصرية داخل هذه المناهج، إذ تعزز فكرة «شعب الله المختار»، وأن غير اليهود «الأغيار» خُلقوا لخدمة اليهود. ولا تقدم هذه المناهج شروحا تاريخية أو علمية تتيح النقاش والتفكير النقدي، بل تعتمد على الرواية التقليدية في نصوص التوراة التي تصوغ وعي الطلبة وتوجههم نحو رؤية عنصرية إقصائية.
وحول شواهد على التدين، يقدم منصور أمثلة ملموسة من المناهج، مثل قصص توراتية تحط من شأن المرأة، وتصوير العرب كأعداء وغرباء ومنحطين ثقافيا واجتماعيا، وربط الظواهر الطبيعية بالمعتقدات الدينية. وهو ما يعكس في نظره تراجعا عميقا في الفكر العلماني داخل جهاز التعليم الإسرائيلي.
مراجعة كتاب
في مراجعة لكتاب منصور، «التدين في مناهج وكتب التعليم في إسرائيل»، أعدها عبد الغني سلامة، ونشرها مركز الأبحاث الفلسطيني، تبرز إضاءة على قضية حضور التدين في جهاز التعليم الإسرائيلي، مع شواهد عن تغلغل التيار الديني اليميني في وزارة المعارف.
ومن هذه الشواهد، ازدياد التحويلات المخصصة لدعم الأنشطة الدينية في المدارس، وتخصيص ميزانيات ضخمة لمؤسسات تعليمية دينية خاصة، فضلا عن تمويل نشاطات دينية في المدارس الرسمية بلغت 210 ملايين شيقل (42 مليون دولار) عام 2016. ويرصد الكتاب ـ حسب مراجعة سلامة – التصدعات بين التيارين الديني والعلماني في جهاز التعليم، ويبين كيف أن المناهج في فترات التأسيس تأثرت بأفكار التنوير والانفتاح الأوروبي الحديث، حيث أقام مؤسسو الدولة جهاز تعليم حداثوي، لكن مع صعود اليمين الديني تغيّر التوجه، حتى إن وزير المعارف نفتالي بينيت، عند إعداد الكتاب، اعتبر أن التعليم الروحي الديني أهم من التعليم العلمي.
ويوضح الكتاب أن التعليم في إسرائيل إلزامي من سن الثالثة حتى الثامنة عشرة، لكنه ليس حياديا ولا ديمقراطيا، بل موجّه ويخضع لرقابة الدولة الصارمة. وينقسم إلى تعليم رسمي تديره الدولة والسلطات المحلية، وتعليم غير رسمي تديره مؤسسات دينية معترف بها، بالإضافة إلى المدارس الخاصة. والجهاز الرسمي نفسه ينقسم إلى علماني نسبيّا، ورسمي ديني صهيوني، فيما يتمتع التعليم العربي باستقلال نسبي لكنه خاضع لإشراف الوزارة، وهناك أيضا أطر خاصة بالدروز والشركس والبدو. وجميع المؤسسات التعليمية تخضع لتفتيش وزارة المعارف. ومنذ 2009، تولى وزارة المعارف وزراء من التيار الديني اليميني (جدعون ساعار، شاي بيرون، نفتالي بينيت)، وأدخلوا المزيد من المركبات الدينية في المناهج والكتب، بما فيها العلمية، فضلا عن الأنشطة ذات الطابع الديني، لتعزيز القيم اليمينية لدى الطلاب. وفي المقابل، تأسس في تل أبيب عام 2015 «منتدى العلمانيين» المطالب بتعليم ليبرالي يحترم التعددية، ويقدم اليهودية على أساس ثقافي لا ديني. أما تغيير الكتب والمناهج فيخضع لوزارة المعارف ولجنة التعليم البرلمانية كل خمس سنوات، لكنه يتأثر أيضا بتوجيهات الوزير. وتُستخدم المناهج وسيلة لبناء الهوية الإسرائيلية وترسيخ يهودية الدولة، مع تغييب الفلسطينيين تماما من التاريخ والجغرافيا والذاكرة، والاكتفاء بوصفهم «الأعداء”.
ويعرض الكتاب شواهد من المناهج، منها مراجعة منتدى العلمانيين لأكثر من 600 نص من 80 كتابا مقررا من الصف الأول حتى الصف الثالث الثانوي، فظهر أن ثلثها يتضمن إشارات دينية وصلوات ونصوصا توراتية وشروحات عن الأعياد اليهودية. كما تضم المناهج خرائط تعتمد الرواية التوراتية وأسماء المستوطنات، ورسومات مشفرة مثل، «اليهودي الطيب» و»الغريب الشرير» الذي يمثله العرب والفلسطينيون. كما تغيرت أسئلة التاريخ لتفضّل تاريخ الشعب اليهودي على باقي التاريخ، وتكثر القصص التوراتية في الأدب، وترد أحكام تلمودية تحرم المرأة من الميراث، أو من الشهادة أمام القضاء. حتى في كتب المراحل الأولى، مثل كتاب للصف الثالث، ترد قصص عن حرمة السبت تقدّم الطقوس الدينية على الحياة نفسها، وفيها تصوير نمطي للعربي كعدوّ ومتخلف.
كذلك يبرز دور الأنشطة اللامنهجية التي تنفذها جمعيات دينية بتمويل الوزارة والأحزاب اليمينية، وعلى رأسها منظمة «زهوت» التي تضم 45 جمعية، نصفها مرتبط بحزب البيت اليهودي، ولها 63 مركزا تنشط في 700 مدرسة و300 روضة، أي نحو نصف المدارس العلمانية. ويُدعى الطلاب لأداء طقوس دينية عند بلوغهم الثالثة عشرة. وتكشف الأرقام الفجوة: عام 2015 حوّلت الوزارة 31 مليون شيقل للجمعيات التعليمية (90% منها دينية يمينية)، فيما ارتفع المبلغ عام 2016 إلى 210 ملايين بأمر من بينيت، وهو دليل على نفوذ الأحزاب الدينية. أما المحتوى الديني التحريضي، فيتضمن تكريس مفاهيم تلمودية تميّزية ضد المرأة وتحظر الاختلاط وتعزز القيم الذكورية. كما تعمل المناهج على إعداد الطلاب للانخراط في الجيش منذ الصغر، عبر تمجيد الجيش وتقديمه كـ»جيش الرب». وتغلب الإثنوقراطية في المناهج، من خلال التركيز على المصادر اليهودية حصرا، وتفضيل الهوية اليهودية على غيرها تحت فكرة «شعب الله المختار». ولا تتيح المناهج مجالا للحوار أو التساؤل، بل تشكّل وعي الطلاب وفق رؤية أرثوذكسية استعلائية. وتُمرر خرافات دينية كحقائق، مثل القول، إن التوراة تنبأت بالمحرقة، أو ربط المطر بالأعياد الدينية، أو إدراج صلوات في كتب المهارات الحياتية. وفي كتب الثقافة، يُتجاهل الدافع الديني المتشدد لقاتل رابين، في محاولة لتبرئة التيارات الدينية المتطرفة.
ويخلص سلامة إلى أن الكتاب يركز أساسا على مناهج التعليم العبري في المدارس الرسمية، بالاستناد إلى مراجعات منتدى العلمانيين وملاحظاتهم، التي تعكس منظورا علمانيا يهوديا. ورغم أهميتها، يشير إلى أن الحاجة تبقى قائمة لتسليط الضوء أكثر على العبارات والمضامين الدينية التي تحرض بشكل مباشر ضد العرب والفلسطينيين.