الخطاب من وجهة نظر إدراكية

أقدم للقراء الكرام مقتطفات مبسطة من محاضرة ألقيتها على مدارج كلية الآداب والفنون والإنسانيات في منوبة تونس، ضيفا على مخبر نحو الخطاب وبلاغة التداول. وفي ما يلي جملة من الأفكار الأساسية مطبقة على مقطع حواري دار بين صحافي والرئيس روبرت موغابي (1924 – 2019) رئيس زيمبابوي السابق. سأل الصحافي الرئيس: سيدي الرئيس متى ستقولون الوداع لشعب الزمبابوي؟ فأجاب موغابي: إلى أين هم ذاهبون؟
يذكر رائد النحو العرفاني رونالد لونغاكار جملة من الأفكار الأساسية التي تربط بين النحو العرفاني والخطاب أوّلها، أنّ الوحدات اللغوية مستخلصة من أحداث الاستعمال وتعني أحداث الاستعمال الحالات التي يستخدم فيها المتخاطبون اللغة فعليا، في وضعية من وضعيات التواصل البشري. ومن المفروض أن يكون كل حدث استعمال متألفا من، تصوّر ذهني شامل عن الوضعية التي يتحدث عنها المتكلم، ويستمع إليها المخاطب. والتصوّر الشامل وهو كامن في حدث الاستعمال فيه إدراك المتخاطبين لظروف تفاعلهما وللخطاب نفسه. وهذا الإدراك يجمع بين استيعاب الأرضية Ground وحيز الخطاب الراهن Current Discours space الذي يدور بينهما.
في محاورة موغابي مع الصحافي فإنّ الكلام يتألّف من وحدات لغوية، أو رمزية لا يمكن فصلها عن حدثها الاستعمالي، وهذا الحدث الاستعمالي مستخلص من هوية المتحاورين، فالأوّل صحافي سائل، والثاني هو رئيس دولة افريقية (زمبابوي) المجيب؛ واللغة المستخدمة في الأصل الفرنسية (وقد تكون الإنكليزية) ونقلناها إلى العربية. أحداث الاستعمال في الحوار كانت تنتمي إلى اللغة المنطوقة، ثم بعد ذلك وصلتنا في هذا الخطاب مكتوبة، لذلك فإنّ الخطاب الذي نعتمده قد فقد كثيرا من الأحداث الاستعمالية في الخطاب الشفوي مثل، النغمة والإشارات والإيماءات، وهي علامات فُقدت ولم يعد لها حضور في الخطاب المكتوب. لذلك ينبغي أن نشير إلى تفقير في الوحدات التصويتية التي ترتبط بوحدات تصويرية أي بغياب بُنى رمزية كانت موجودة في الخطاب الأصلي افتقدته عند الكتابة.
ولا شكّ أنّ المتخاطبين مدركان لظروف التفاعل بينهما، فالسائل سيحترم النواميس التي تربط بين مستجوب صحافي ومستجوب سياسي، ولكنّه سيحاول أن يكسر بعضها. وكان سؤاله داخلا في هذا الكسر للعادات وفيه جرأة نادرة. ومن جهة أخرى على الرئيس المستجوب أن يتعامل مع الصحافي ليس فقط كرئيس، بل كمناور يراوغ الأسئلة ولا يعاقب من خرج على نواميسها.
ويدرك المتخاطبان أنّهما إزاء خطاب مخصوص هو محاورة صحافية لا يسأل فيها الصحافي شاهد عيان لحادث سير أو لجريمة في الأحداث اليومية، بل إنّه يسأل رئيسا في السلطة يعرف عنه أشياء معلومة ومشتركة غير أنّها لا تقال له من بينها إطالة المكوث في السلطة (حكم بين 1987 و2017 وكان في السلطة وزيرا أول من 1980). ويعرف الرئيس المحاور أنّ الخطاب الصحافي مفتوح على المحاذير التي لا تكون في الخطابات الأخرى، لذلك يستعدّ كل طرف من داخل هذه الدائرة الإدراكية لاتّخاذ قرارات مناسبة لنوعيّة الخطاب، بما في ذلك معرفة النواميس التي تربط بين سلطتين: سلطة الصحافة وسلطة السياسة.
ومن جهة أخرى يتضمّن إدراك الكلام الدائر بين الطرفين عنصرين أساسيّن هما، الأرضية وفضاء الخطاب الراهن. تتألف الأرضية من الحدث الاستعمالي والمتكلم وهو هنا الصحافي في السؤال، ثم موغابي في الجواب. والمستمع وهو موغابي أولاً، ثم الصحافي ثانيا. ويتمثّل التفاعل بينهما في السؤال عن التنحّي ومغادرة الحكم. وفي الأرضية أيضا عناصر أخرى من بينها: الزمن وما يفيدنا هنا أنّه زمن يمارس فيه المسؤول سلطة الحكم ولسنا ندري أهو قريب من 14 نوفمبر/تشرين الثاني 2017 تاريخ عزل الرئيس أم هو بعيد؟ وأمّا مكان الحوار فمهمّ أيضا لأنّ المكان الآمن من التتبع يمكن أن يشجّع الصحافي على طرح السؤال الذي طرحه.
الأرضية مهمة ههنا لأنها تفسر السبب الذي اختار فيه موغابي أن يراوغ في ردّه على سؤال الصحافي، فالظروف السياسية تضغط، والجواب المباشر قد يكون اعترافا ضمنيا بنهاية حكمه وبتتبع سيرة هذا السياسي، فإنّه راوغ كثيرا قبل الإطاحة به، بدءا من تسليم مهامه إلى زوجته وصولا إلى عدم الاعتراف بمن عزله؛ ثمّ انتخب من كان معارضا لحزبه.
أمّا فضاء الخطاب الراهن فإنّه فضاء ذهني Mental Space يتشكّل في لحظة التفاعل بين المتكلّم والمخاطَب، هو الفضاء المشترك الذي يُبنى بشكل حركي أثناء الحوار بين المتحاورين ويُستخدم مرجعا لفهم المعنى. فهو على حدّ تعبير لانغاكار «فضاء ذهني يضمّ العناصر والعلاقات التي من المفترض أن المتحدث والمستمع يشتركان فيها، بما هي أساس للتواصل في أي لحظة ضمن مجرى الخطاب: مثل الخطاب السابق، والسياق المباشر للكلام، والمعرفة المسبقة، وغيرها». ومن المعلوم أنّ الفضاء الذهني عند فوكونياي يعني حيزا إدراكيا صغيرا يبنيه المتكلم والمستمع أثناء الحديث لتنظيم المعنى وفهم المقصود، بناء على المعطيات المقامية والسياقية، وارتكازا على جملة من التوقعات الحادثة أثناء الخطاب.. في الحوار المذكور ينشئ المحاور فضاء افتراضيا موازيا للفضاء الواقعي الذي يجمعهما يكون فيه موغابي غير ممارس للسلطة، مثلما هو عليه الأمر عند الحديث؛ بل بما هو مغادر للسلطة. صيغة السؤال هي التي بنت هذا الفضاء وصار لنا شخصان موغابي واقعي واحد وموغابي افتراضي؛ وسلطة ممارسة في الواقع، وسلطة أخرى افتراضية مغادرة. لكنّ موغابي في جوابه لا يرفض الفضاء الافتراضي، بل يبني فضاء موازيا لفضاء الصحافي به يصبح المغادر المودّع لا الرئيس، بل الشعب. إنّه بذلك لا يهدم الفضاء الافتراضي من أساسه، ولكنّه يغير فيه الشخصيات الموازية والأحداث، ويظل هو خارج هذا الفضاء عالقا بفضاء الواقع.
ويضمّ الفضاء أيضا المعرفة والعناصر التي يفترض الطرفان أنها مشتركة بينهما في تلك اللحظة. المعرفة المشتركة المفترضة بين الصحافي وموغابي لحظة السؤال، تتمثّل في أن موغابي كان في نهاية فترة حكمه، أو تحت ضغط مغادرة السلطة. وسؤال الصحافي يفترض ضمنا أنّ الرئيس سيغادر منصبه وكلمة «الوداع » تفترض حدثا موجّها إلى المحاوَر. الطرفان كلاهما فاهم أنّ المودِّع هو شعب الزمبابوي. هذا هو الفضاء الذهني الذي يتيح للصحافي أن يكون سؤاله مفهوما، ويتيح للرئيس أن يجيب. فحدث الاستعمال يقع داخل سياق الكلام الراهن أي في إطار الظروف المادية والعقلية والاجتماعية والثقافية. وتُعدّ الأرضية مركزَ سياق الكلام، ومن عناصر هذا السياق حقيقةُ أنّ المتحدث والمخاطَب منخرطان في عملية رؤية منسَّقة لوجهٍ ما من وجوه العالم. وبهذا المعنى، فإن النافذة التي ينظران من خلالها، تُعدّ جزءا من سياق الكلام. فموغابي يعيد بناء فضاء الخطاب الراهن بشكل مغاير يراه الصحافي والقارئ مغادرا، ويرى هو الشعب مغادرا بينما يظل هو ثابتا لا يرتحل. ليس في هذا المعنى بناء لفضاء مثيل لما بناه المتنبي إذ قال:
إذا ترحَّلتَ عن قومٍ وقد قدَروا ألا تُفارِقهُمْ فالرَّاحلونَ هُمُ
لأنّ الراحل الفعلي في الفضاء الواقعي قد تمّ للفرد، وأنّ الراحل في الفضاء الافتراضي الذي لم يتمّ وكأنّه تمّ هو للقوم أي الجماعة. لا وجود لراحل فرد في فضاء موغابي، حتى على سبيل الافتراض وكلّ الرحلة للجماعة. هناك تفكير يقلب الأصول: الفرد أصل الوجود والجماعة يمكن أن ترحل. في الاستراتيجية الخطابية يعتمد موغابي الانحراف عن فضاء الـخطاب الراهن الذي رُسم له؛ بل إنّه يؤسّس عليه خطابه المنقلب وذلك بقصد السخرية من السؤال، ونفي الضعف، وخلق غموض أو إرباك. هو غير مستعد لقبول افتراض الرحيل. إنّ زعزعة الفضاء الافتراضي الذي حاول الصحافي بناءه هي ثورة على السؤال وعلى الواقع الذي يحاول إيجاد السؤال والكيان الذي يهدّد السياسي في وجوده بما هو سائد. لقد أعاد المجيب تأطير الخطاب عبر التلاعب بفضاء الخطاب الراهن وعبر تغيير زاوية النظر في مشهد الوداع من موَدَّع إلى مودّع.

أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية