أسعى في هذا المقال إلى تمديد النظر في موضوع النقد لما بعد الاستعمار، وفق التجربة التاريخية الجزائرية مع الاستعمار الفرنسي، لأنها تمثل تجربة نموذجية، يمكن أن نَسْتلهم ونأخذ منها الدَّرس والبَحث، ومُعالجة إشكالية النقد الاستعماري وما بعد الكولونيالي. فقد مَكَث الاستعمار الفرنسي في الجزائر وطال لأكثر من مئة وثلاثين سنة، رتَّب حالة أَطْلق عليها عام 1951 عالم الاجتماع الفرنسي جورج بلاندييهGeorges Balandier «الوضعية الاستعمارية»situation coloniale، انصرف معناها، من جملة معاني أخرى، إلى حالة فريدة تتداخل الاعتبارات المحلية مع المؤثرات الخارجية، أي المجتمع الجزائري المتَخَلِّف والسُّلطة الفرنسية الدَّخيلة بِعَتادها العسكري ونظامها الإداري، بحيث يمكن تعريف الاستعمار بأنه جملة من المفارقات والتناقضات، التي أفرزتها نزعة وتاريخ الاحتلال الفرنسي للجزائر.
فالوضعية التي نجمت عن ممارسات وتصرفات وطريقة إدارة النظام الفرنسي للمجتمع الجزائري وإقليمه، هي وضعية استعمارية. صحيح أن الفعل فيها يعزى بالأساس إلى الحكم الفرنسي، لكن رد الفعل يعود تلقائيا إلى السُّكان الذين أَطْلق عليهم المستعمِر وصف «الأهالي»، أي هؤلاء الذين تُمارس عليهم السلطة، ولا يمارسها إطلاقا، لافتقارهم للوضعية القانونية والسياسية والإدارية، التي تقتضيها الدولة الحديثة.
وعليه، أو هكذا يجب إن نواصل التفكير في أمر نقد الاستعمار وما بعده، بأن التجربة الجزائرية، مادة وموضوع ومثال لأي بحث في المسألة الاستعمارية، كما في مسألة ما بعد الاستعمارية، ولعَلَّنا نكون قد أَجَبنا على نصف السؤال / الإشكال الذي أثاره الناقد سعد البازغي في بعض كتاباته، كون غياب النقد لما بعد الكولونيالية في عالمنا العربي هو غياب التجربة الاستعمارية نفسها، التي حالت دون الخوض في هذا النوع من الأدب: النقد لما بعد الاستعماري، فالبلاد العربية، كما يذكر الناقد السَّعودي البازغي، لم تَمُر بتجربة استعمارية حقيقية، ويستحيل من ثم أن يظهر منجز إبداعي يتواصل بالنقد مع المغامرة الاستعمارية. ويُستثني من ذلك فقط الجزائر وفلسطين. ولا يقدم أي مثال عن الوضعية الاستعمارية في الجزائر، وهذا ما أحاول تناوله في هذا المقال.
تجربة الجزائريين مع الاستعمار تنطوي في جوهرها على النَّقد، وعلى التَّطلع إلى ما بعد الاستعمار، على خلاف تجربة الفرنسيين التي كانت تجربتهم تُلحُّ على توكيد الاحتلال ونقض الوعود
في تعريف وتحديد الوضعية الاستعمارية، يمكن أن ننتهي إلى أنها الحالة التي تُظهر التَّنَاقضات والمفارقات والاختلالات، التي لازمت تشريعات الإدارة الفرنسية، إن في الجزائر، أو في فرنسا. وقد تطلب الأمر لكشف هذه الحالة، الطَّرفين معا الجزائري والفرنسي، الطرف الفرنسي بالفعل الاستعماري، والجانب الجزائري بنقد الفعل الاستعماري، وكانت اللغة المشتركة بينهما هي اللغة الفرنسية، التي غابت كثيرا عن الوعي العربي الحديث والمعاصر، لإدغام الاستعمار الفرنسي للجزائر ضمن الإشكاليات والمسائل التي طرحت لحظة ما بعد الاستعمار، وما بعد الاستقلال. والواقع الذي تظهره تجربة الجزائر مع الاستعمار طافح بالمفاهيم والأفكار والمباحث والملاحظات، التي تؤكد حالة الاستشراق ونقده أيضا، كما تؤكد حالة الاستعمار ونقده أيضا. ومن هنا، يجب أن ننظر إلى الذات بالنقد وهي تخوض تجربة البحث قبل ما نلجأ إلى الحكم والرأي الأخير.
ومن جملة ما يمكن أن نُثيره في هذا المقال، حول نقد ما بعد الاستعماري، أن تجربة الجزائريين مع الاستعمار تُلحُّ وتنطوي في جوهرها على النَّقد، وعلى التَّطلع إلى ما بعد الاستعمار، على خلاف تجربة الفرنسيين التي كانت تجربتهم تُلحُّ على توكيد الاحتلال ونقض الوعود والتَّلكؤ عن تحقيق المطالب. فعندما تثار المسألة الأهلية، أو المسألة الوطنية، أو المسألة الدينية، وحتى المسألة الاستعمارية، فإن الطرف الجزائري له رأيه وكلمته، وماذا يريد بالضبط في حالة منتظمة، تندرج ضمن السجل التاريخي، الذي يُقَيّد كل ما حدث من وقائع ومواقف في سيرورة من التواصل والانقطاع، وفي جدلية من الفعل ورد الفعل، وفي صيغة مقاومة / حوار على رأي الكاتب والبحث الجزائري عبد القادر جغلول. فقد لازم حركة الجزائريين الوطنيين منهم، والإصلاحيين نشاط محكوم دائما بهاجس تخَطّي الوضع الاستعماري إلى ما بعده، سواء أكان ذلك في الأدبيات السياسية وحولياتها، أو في المنجز الثقافي وأجناسه المُخْتَلفة، حيث يكشف دائما التداخل والصراع والحوار بين المستعمِر والمستعمَر.
واليوم، عندما ندرس تاريخ الاستعمار في الجزائر، كحالة عربية، أي في مجال التاريخ العربي والإسلامي، أو في عالم متَخَلِّف، نقف من جملة ما نقف عنده، نزعة الرُّنو إلى تجاوز وتخطي الوضعية الاستعمارية، ليس بالرفض العشوائي والشَّعبوي، بل بالعقل والفهم والمصالحة الجريئة التي تأخذ بروح العصر ومقتضيات الدولة الحديثة. ويمكن أن نذكر، على سبيل المثال لا الحصر، كتاب المناضل والمثقف الجزائري محمد الشريف ساحلي «تصفية التاريخ من الاستعمار»décoloniser l’histoire ، الذي أراده بيانا تنديديا للمدرسة الاستعمارية في كتابة تاريخ الجزائر. وحالة المناضل والمثقف محمد الشريف ساحلي هي حالة فرد بصيغة الجماعة، التي عبّرت عن وجود تيار فكري وسياسي وثقافي لنظام استعماري، يروم في اللحظة المدنية والحضارية، التي يعيش فيها أن يتجاوزها.
غير أن التجربة الاستعمارية في الجزائر لم تكن قاصرة على الشجب والتنديد فقط، بل بإمكانية المساهمة في حل المسألة الاستعمارية، وتقديم مخارج لها بداية من المخرج السياسي والاجتماعي، وليس انتهاء إلى المخرج الديني، أي في صلب القضايا الشائكة، التي تسبب فيها النظام الفرنسي، مثل المطالبة بضرورة فصل الدين الإسلامي والدولة، على غرار ما كان يَنُصُّ عليه قانون الفصل لعام 1905، المنجز الكبير للدولة المدنية الفرنسية الحديثة والجديدة. ويمكن أن نقف على المئات من المقالات والدراسات والبحوث والاقتراحات، داخل أجهزة المجالس التمثيلية، قدمها جزائريون وفرنسيون على السواء، كلها ترمي إلى تخطي الوضع القائم بنقده ورسم ما بعده. فقد كانت اللحظة التاريخية تحمل الفعل ونقده على السواء، سواء أتم ذلك من الجزائريين، أو من بعض الفرنسيين، خاصة منهم الذي صار يطلق عليهم ما بعد الحرب العالمية الأولى بأنصار الأهالي indigénophiles، أي الفرنسيين الذي رابَطُوا عند الموقف الذي يحذِّر فرنسا من مغبة استمرار نظامها الاستعماري، في خلق تناقضاته ومفارقاته في الجزائر، لأن الكارثة سوف تحل لاحقا على الجميع.
كاتب وأكاديمي جزائري