الجزائر تعتمد خطابين، الأول داخلي يميل إلى التهدئة وامتصاص الغضب الشعبي عبر تصريحات تلمّح إلى إمكانية تفعيل العقوبة، وخارجي يؤكد على الالتزام بتعليق التنفيذ والانسجام مع التوجه الأممي.
الجزائر ـ «القدس العربي»: يتفجر في كل مرة الجدل حول تطبيق عقوبة الإعدام في الجزائر، تأثراً بجرائم كبرى مثل الاعتداء على الأطفال أو الاختطاف أو الإتجار بالمخدرات، لكنه نقاش يبدو في ظاهره موجها للداخل، في وقت تعمّق الدولة الجزائرية في كل مرة التزامها بقرار تعليق عقوبة الإعدام الذي اتخذته منذ أكثر من ثلاثة عقود.
ومع ما تشهده الجزائر من استفحال لجرائم بشعة في المجتمع، أحدثت تصريحات غير متوقعة من رئيس مجلس قضاء بجاية شرقي الجزائر، سجالا واسعا في البلاد. فقد ذكر في كلمة مصورة له، خلال افتتاح السنة القضائية أن عقوبة الإعدام ستُفعّل قريبا في الجرائم المتعلقة بخطف الأطفال وترويج المخدرات داخل المؤسسات التعليمية، مستندا إلى تعهدات نسبها إلى رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون.
وقد استُقبل هذا التصريح كما لو أنه إعلان رسمي عن استئناف العمل بعقوبة الإعدام، غير أن صمت وزارة العدل عن التوضيح زاد من الشكوك، خاصة أن هذا النوع من القرارات لا يُتخذ إلا ممن لديهم الصفة التنفيذية، ما جعل العديد من المصادر القانونية ترى أن ما قاله رئيس مجلس القضاء لا يرقى إلى مستوى القرار، ولا يمكن أن يُعتدّ به إلا إذا صدر من الجهات العليا أو عن وزارة العدل نفسها.
وفي خضم ذلك، يلح نواب من التيار الإسلامي والمحافظين على فتح نقاش تفعيل عقوبة الإعدام. ومن هؤلاء، النائب أحمد بلجيلالي عن حركة مجتمع السلم الذي دعا إلى تنظيم استفتاء شعبي حول تطبيق حكم الإعدام في قضايا قتل الأطفال، مؤكداً أن هذا المطلب يحظى بإجماع شعبي واسع. واستدل النائب بمأساة الطفل عبد الرحمان في الشلف والطفلة مروة بوغاشيش، معتبراً أن استفحال الجرائم المروعة يستدعي عودة العقوبة الشرعية التي تضمن «حفظ الأنفس» وردع المجرمين. وطالب بلجيلالي الحكومة برفع التجميد عن تنفيذ الأحكام النهائية بالإعدام، داعيا السلطات إلى مواجهة ما أسماه «الضغوط الخارجية» بشجاعة، عبر استفتاء شعبي يكرّس السيادة الوطنية في هذا الملف.
ومع تصاعد المطالب الداخلية، تجد الجزائر نفسها تحت ضغط مضاد من منظمات دولية، على رأسها منظمة العفو الدولية التي تجدد سنوياً دعوتها إلى الإلغاء التام لعقوبة الإعدام. وأشارت مديرة المنظمة في الجزائر حسينة أوصديق، في تقريرها الأخير، إلى أن الجزائر سجلت انخفاضاً حاداً في عدد أحكام الإعدام عام 2024 (8 أحكام فقط مقابل 38 حكماً في 2023)، معتبرة ذلك «اتجاها إيجابيا» يجب أن يتوّج بالإلغاء النهائي للعقوبة. وأكدت أوصديق أن الجزائر رعت القرار الأممي العاشر الداعي إلى وقف استخدام الإعدام، وهو ما ينسجم مع موقفها الخارجي، داعية السلطات إلى ترجمة هذا الالتزام إلى تشريعات داخلية تلغي العقوبة نهائياً.
ومنذ سنوات، ينحو الاتجاه العام لأحكام الإعدام في الجزائر إلى التضاؤل، باستثناء سنة 2022 التي احتلت فيها البلاد المرتبة الثانية في شمال أفريقيا بعد مصر إثر قضية القتل الجماعي للشاب جمال بن سماعيل التي صدر فيها 49 حكماً بالإعدام. وتعتبر العفو الدولية أن المحكومين بالإعدام يعيشون «بسيف ديموقليس فوق رؤوسهم» بسبب طول مدة تعليق التنفيذ. ومع ذلك، لم يُنفذ أي حكم منذ 1993، حتى في أشدّ سنوات الإرهاب، حين ظلت الدولة متمسكة بتعليق التنفيذ رغم صدور مئات الأحكام آنذاك.
ويقدّر عدد المحكومين بالإعدام في الجزائر بالمئات، وفق تقارير المنظمة، بينهم لمبارك بومعرافي المدان بقتل الرئيس الراحل محمد بوضياف، الذي لا يزال يقضي عقوبته في السجن منذ أكثر من ثلاثة عقود. ويستند الموقف الرسمي الجزائري إلى ما تصفه السلطات بـ«الالتزام الأخلاقي والسياسي» بعدم تنفيذ الإعدام، وإن ظلت المحاكم تنطق به رمزياً في الجرائم الخطيرة.
وفي هذا السياق، يرى عدد من المحامين والحقوقيين أن التوجه العام للدولة منذ التسعينات يسير نحو الإلغاء التدريجي لعقوبة الإعدام، معتبرين أن أي عودة إلى التنفيذ ستكون صعبة من الناحية السياسية والدبلوماسية. ويؤكد الحقوقيون أن الجزائر، منذ انضمامها إلى المجموعة الدولية لمناهضة الإعدام سنة 1993، سعت إلى ترسيخ هذا التوجه في خطابها الخارجي، بدءاً من دعمها لإعلان الجزائر سنة 2009 الداعي لإلغاء العقوبة في الدول العربية، وصولاً إلى مشاركتها الفعالة في قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة.
وعلى الصعيد الدولي، كرّست الجزائر التزامها بتجميد الإعدام في جميع الاستعراضات الدورية لملفها الحقوقي. وردّ السفير لزهر سوالم، الممثل الدائم للجزائر في مجلس حقوق الإنسان بجنيف، قبل فترة، على انتقادات بعض الدول الغربية بالتأكيد على أن «عقوبة الإعدام في الجزائر ملغاة بحكم الأمر الواقع»، لعدم تنفيذ أي حكم منذ نحو ثلاثين سنة. وأوضح أن استمرار النطق بها في المحاكم لا يتناقض مع هذا التوجه، لأن التنفيذ معلق بقرار سياسي مستقر منذ 1993.
أما وزير العدل السابق رشيد طبي، فقد أكد في مداخلة له أمام مجلس حقوق الإنسان أن الجزائر «تلتزم فعلياً بتجميد تنفيذ الإعدام»، وأنها استبدلت هذه العقوبة في بعض الجرائم بعقوبات أخرى كالسجن المؤبد. وأشار إلى أن الحكومة صوّتت في الأمم المتحدة لصالح قرارات التجميد المتعاقبة، وأنها ترى في هذا الموقف توازنا بين مقتضيات الردع واحترام حقوق الإنسان.
ويبرز من مجمل هذه المواقف أن الجزائر تعتمد خطابين، الأول داخلي يميل إلى التهدئة وامتصاص الغضب الشعبي عبر تصريحات تلمّح إلى إمكانية تفعيل العقوبة، وخارجي يؤكد على الالتزام الراسخ بتعليق التنفيذ والانسجام مع التوجه الأممي. هذا التباين ليس جديداً، فقد رافق الجدل حول الإعدام مختلف المراحل السياسية منذ تسعينات القرن الماضي، وظهر بوضوح في فترة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة الذي أكد عدد من وزارئه السياسيين تعاطفهم مع المطالب الشعبية المنادية بتطبيق الإعدام، من دون أن يترجم ذلك إلى قرار رسمي.