الجابري ودرس الإبستمولوجيا

حجم الخط
0

بحلول شهر مايو/ أيار من كل سنة تحل ذكرى رحيل المفكر العربي محمد عابد الجابري. خمس عشرة سنة مرت على رحيل الجابري، لكن إرثه الفكري والثقافي لا يزال حاضرا وبقوة، إذ لا تكاد تُعقَد ندوة أو محاضرة ويُثار موضوع قراءة التراث العربي الإسلامي، أو تسليط الضوء على أحد أعلام الحضارة العربية الإسلامية، إلا ويتم استحضار الجابري، وما كتبه أو قاله في الموضوع، وسواء اتفقنا أو اختلفنا مع أطروحة الجابري، ستظل كتاباته في هذا الباب، علامة فارقة في مقاربتها للتراث. والحق أنه بعد مرور خمس عشرة سنة على غيابه، لم يستطع أحد أن يملأ الفراغ الذي تركه الجابري في الساحة الفكرية العربية، ونستطيع أن نقول وبكل اطمئنان، إن قراءتنا وفهمنا للتراث العربي تتحدد بزمانين لا ثالث لهما: قبل قراءة متن الجابري، وبعده!
لكن ما نغفل عنه عند استحضارنا الإرث الفكري للجابري هو أن كتاباته الأولى كانت في مجال مختلف تماما عن مجال التراث العربي الإسلامي ونقد العقل العربي. لقد كان الجابري من الأوائل الذين دشنوا القول في فلسفة العلوم والإبستمولوجيا في الجامعة المغربية، ويظل كتابه «مدخل إلى فلسفة العلوم: العقلانية المعاصرة وتطور الفكر العلمي»، أحد المراجع الذي لا يُستغنى عنه في الموضوع!
تذكرت الجابري وما كتبه في هذا الصدد سواء في كتابه سالف الذكر، أو في مقالات متفرقة عندما كنت أستمع لِمُداخلة الكاتب المغربي فؤاد العروي، أستاذ الإبستمولوجيا في عدة جامعات أوروبية، خلال ندوة نظمتها مؤخرا جامعة مولاي إسماعيل في مكناس، كان المحاضر يشرح للحضور الفرق بين العلم وشبه العلم أو «العلم الزائف»، «pseudo science»، حيث عرَّفَ العِلم بأنه مجموع المعارف، أو نظام للمعرفة على شكل تفسيرات وتنبؤات قابلة للاختبار، في حين أن العِلم الزائف، تخصص يتم تقديمه تحت مظهر علمي، لكنه يخلو من أي نهج علمي أو اعتراف علمي، وهو بهذا التعريف مضاد للعلم وللمعرفة العلمية، ثم ساق المحاضر بعض الأمثلة على ما يُعرف ويتم تداوُله على أنه حقيقة علمية دائمة الصلاحية، ومضمونة التحقق في كل وقت، كمعادلات الفيزيائي ماكسويل التي وحَّدَت بين قوانين الكهرباء وقوانين المغناطيس، وأن هاتين القوتين هما مظهران لقوة واحدة وهي القوة الكهرومغناطيسية.
ما يهمنا هنا هو مدى خطورة تقديم هذه النظريات العلمية على أنها حقائق كونية دائمة التحقق، في حين أن تاريخ العلم يشهد بأنه دائم التغير والتطور، بل العلم يناقض نفسه أحيانا حتى قيل، إن تاريخ العلم هو تاريخ أخطاء العلم!
إن دور الإبستمولوجيا وفلسفة العلوم يكمن تحديدا في ربط المعرفة العلمية بتاريخها وتاريخِيَتها، فهي تطرح أسئلة من قبيل هل المعرفة يقينية أم نسبية، وتساعد كذلك على التمييز بين «العلم» والدجل، أو «الأيديولوجيا». لقد انتبه الجابري باكرا إلى أن التطرف الديني في الجامعات العربية «يجد رجالَهُ الصامدين في شباب كليات العلوم والمعاهد العلمية العليا، أكثر مما يصادفهم في كليات الدراسات الدينية وكليات العلوم الإنسانية». ليستخلص أن السبب يعود لطريقة تلقين العلوم في معاهدنا وكلياتنا العلمية، حيث إن هذه المؤسسات تُلقن العلوم لطلبتها كقوانين فقط، وليس كروح علمية «تتميز أول ما تتميز به بالمرونة والأخذ بالنِسبية». ويضيف الجابري أن دراسة العلوم حصريا كقوانين، يُكَرس «النظرة الحَدِّية المُغلقة والذهنية الدوغمائية والشعور بامتلاك الحقيقة ومن ثم القابلية للتعصب والتطرف ورفض الرأي المخالف».
الإبستيمولوجيا إذن من حيث كونها الدراسة النقدية للعلوم، تُمكن الدارس والباحث، على حد سواء، من التسلح بالأدوات النقدية اللازمة عند الاشتغال بالعلوم، وتدفعنا دائما إلى مساءلة أنفسنا كيف نعلم ما نعلم؟ ما هي حدود المعرفة العلمية وما هي إمكانياتها في تفسير العالم؟ فمن دون هذه النظرة النقدية للمعرفة ونسبية الحقائق العلمية، لا يمكن إلا أن نُكَرس العقلية الدوغمائية، ولن يصبح العِلم ثقافةً في مجتمعاتنا.

كاتب مغربي

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية