يُعتبر ‘الصراع الطبقي’ من المصطلحات المثيرة للجدل، حتى أن بعض أصحاب الميول الماركسية يجدون حرجا في استعماله، وذلك لاعتبارات جماهيرية استقطابية، وتجنبا لتُهم الإلحاد والشيوعية، ولارتباط هذا المصطلح في المخيال العام بالدموية والفوضى. إلا أن علماء السوسيولوجيا، حتى أشدهم عداء للماركسية، لا يترددون في الاعتراف بالصراع الطبقي واستعماله في تحليلاتهم السوسيولوجية والسياسية، باعتبار أنه يبقى حقيقة اجتماعية مهما حاول الكثيرون نفيه لأسباب ايديولوجية ومصالحية، لكن الإشكال الحقيقي المطروح اليوم لا يكمن في استعمال هذا المصطلح أو النطق به من عدمه، بل في ضرورة الرجوع إلى أسباب غياب مضامينه الحقيقية على أرض الواقع، ومن ثم تفكيكه وترجمة معانيه على أرض الواقع بما يتماشى مع الحركية السياسية الاجتماعية التي تشهدها تونس اليوم. كانت شعارات ‘الثورة’ التونسية طبقية بالأساس، ولا يخفى على أحد أن السياسة الاقتصادية التي كانت وما زالت قائمة في تونس هي سياسة ذات طابع رأسمالي تابع ومتوحش، تقوم على رهن مستقبل البلاد بيد حفنة من كبار الأثرياء المحليين الذين يقومون بدور الوسيط في التفريط في خيرات البلاد وثرواتها للشركات والمؤسسات والدول الأجنبية… فعندما خرج التونسيون للاحتجاج ضد نظام بن علي، رفعوا شعارات تحمل وعيا جماهيريا تراكم طيلة سنوات من الديكتاتورية (لا لا للاستبداد يا عصابة السراق، لا لا للطرابلسية الذين نهبوا الميزانية، شغل حرية كرامة وطنية…). كما كانت الشعارات المرفوعة موجهة ضد حزب التجمع الدستوري الديمقراطي، الحزب الحاكم أيام نظام بن علي، فكان حلّ التجمع مطلبا شعبيا متفقا عليه، وحلّ التجمع يعني ضمنيا تفكيك منظومة الفساد والاستبداد والمحسوبية… لكنْ بعد صعود ‘الترويكا’ إلى الحكم، أخذ الحديث عن ‘التجمع’ طابعا حزبيا ضيّقا من منطلق أطماع حزبية أو أطماع في البقاء في السلطة. ومصطلح ‘التجمع’ يبدو سطحيا، لكنه مشحون بالمعاني والرموز التي اختزلتها الذاكرة الشعبية، وعبّر عنها الرأي العام الاجتماعي بهذا المصطلح، وقد تطوّرت مضامين هذا المصطلح مع التغّيرات والتراكمات التي عاشتها تونس طيلة فترة حكم بن علي، فارتسمت في المخيال الشعبي صورة أعمق من أن يقع اختزالها في حزب سياسي. فالتجمع لا يرمز إلى حزب أو أشخاص أو دوائر معينة فحسب، بل يمثّل تقاليد وأنماطا سياسية واقتصادية واجتماعية متعلقة بجميع المجالات ومرتبطة بمؤسسات الدولة ومكونات المجتمع. فمصطلح التجمع يجب أن يُفكك ويُحوّل إلى عوامله الأولوية، ويجب البحث عن مشتقّاته، فالترويكا الحاكمة المتربعة على عرش السلطة، التي تسيطر عليها حركة النهضة ‘الإسلامية’، انصهرت في ‘التجمع’ وتزاوجت معه من خلال مهادنة المنظومة الاستبدادية القائمة، واستقطاب رموز النظام القديم وابتزازهم بإعفائهم من المحاسبة مقابل تقديم الولاء والدعم المادي والسياسي، هذا بالإضافة إلى المحافظة على نفس السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تخدم مصالح فئة قليلة.. بعد انتخابات 23 أكتوبر 2011 ضاعت المضامين الطبقية للثورة التونسية بموجب الدخول في الاستقطابات اليمينية التي تقوم على نجاعة الخطابات الرجعية التبريرية السفسطائية. فالتجاذبات أضحت تدور بين قطبين سياسيين- اجتماعيين رئيسيين، أحدهما يحمل طابعا إسلامويا والآخر يحمل طابعا علمانويا أو حداثويا. وتعود جذور هذا الاستقطاب الثنائي، الذي ساهم في المضامين الطبقية لـ’الثورة’، إلى الأزمة التي تلت انهيار الخلافة العثمانية الصورية التي كانت غطاء وهميا بما تمثله من رمز لاستمرارية تاريخية تعود لبدء الإسلام، وهذا الانهيار ترك فراغا أدى بدوره إلى تجاذبات اجتماعية- سياسية مازالت مطروحة في تونس إلى اليوم، في ما يخص تجديد الأسس النظرية للسياسة المدنية ومفهوم الدولة والسلطة. فبعد الحرب العالمية الأولى وبعد انهيار الخلافة العثمانية، تبلورت الحركة الوطنية التونسية بتأسيس الحزب الحر الدستوري التونسي، على يد الشيخ عبد العزيز الثعالبي سنة 1920، وبذلك تطورت الحركة الوطنية كظاهرة سياسية من نوع جديد، تقف على مسافة واحدة من النظم السياسية الدينية التقليدية، ومن النظم الحزبية الحديثة. وهذا التوافق والتناغم فرضته متطلبات المرحلة باعتبار ضرورة التحالف من أجل بناء المقاومة الوطنية ضد الاستعمار الفرنسي. وبعد الاستقلال سنة 1956 ظهر التناقض الذي كان في الحقيقية مؤجلا، بين مشروعين متناقضين، يقوم الأول على بناء دولة حديثة تقوم على ولاء وطني عميق في إطار أخلاقية دستورية وقانونية، ويقوم الثاني على بناء دولة ‘إسلامية’ تقليدية تقوم على الحاكمية والولاء لأمة افتراضية عابرة للحدود. وبقي هذا التناقض قائما بعد الاستقلال، وإن كانت الغلبة لمشروع الدولة الوطنية التي أسسها الحبيب بورقيبة بعد أن قمع اليوسفيين ثم التيار الإخواني. بعد هروب بن علي يوم 14 يناير 2011 اثر الانتفاضة الشعبية، ساد مناخ من الحرية وتكسرت القيود، فعاد ذلك التناقض الذي لم يقع حسمه ليطفو على السطح من جديد انطلاقا من ديناميكية اجتماعية ما زالت سائدة إلى اليوم. ولا يمكن للمشهد السياسي- الاجتماعي القائم في تونس اليوم أن يخرج عن الأسباب التاريخية التي أنتجته، إذ لا يمكن إنكار وجود استقطاب ثنائي بين كل ما هو إسلاموي من جهة وكل ما هو علمانوي أو حداثوي من جهة ثانية، وهذا الاستقطاب هو نتاج طبيعي وتاريخي للمجتمع التونسي. فالقوى السياسية الفاعلة في المجتمع التونسي منقسمة إلى صنفين رئيسيين. فهناك كتلة إسلامويّة تمثل أصحاب الميول الدينيّة الذين بقوا في حالة جمود إنساني، بحيث ما زالوا يصرون على مواجهة هذا العالم المتشعب والمتوحش عبر التشبث الدوغمائي بعقائد لا علاقة لها بالمقاصد الدينية الحقيقية، ولا مكان لها في هذا الزمان والمكان (الفرقة الناجية، الولاء والبراء، الجماعة، التمكين، التكفير، أرض الدعوة، أرض الجهاد، دار الحرب، دار السلام ô) . وكتلة ثانية خضعت لشحنة أو جرعات من التحديث الذي لم يكن نتاج ديناميكية اجتماعية وسياسية وثقافية نابعة من العمق الاجتماعي التونسي، بل نتاج شحنة مستوردة من الواقع الفرنسي بتجاذباته وأسبابه التاريخيّة الّتي أتت مع فترة الانفتاح على الغرب، ثم الاستعمار الفرنسي المباشر لتونس بين سنوات 1881 و1956 وصولا إلى فترة التحديث البورقيبي. ومن جهة أخرى وقع إنتاج كتلة اجتماعية ثالثة تتميز، إما باليأس وإما باللامبالاة والمهادنة والرغبة في الحفاظ على ما هو قائم، وهذا يعود لأسباب ثقافية مرتبطة بالتصحر الثقافي والفكري الذي عاشته تونس، حيث كان المشهد السياسي – الثقافي يدور في فلك خدمة النظام والبرجوازيات الحليفة له، وكذلك لأسباب تعود لارتباط كل ما هو حزبي وسياسي في المخيال الشعبي التونسي بالفساد والانتهازية والوشاية والمصالحية، وهذا نتاج نظام الحزب الواحد الذي يقوم على الرأي الواحد وتقديس الزعيم، أما الكتلة الاجتماعية – السياسية التقدمية والفاعلة فهي أقلية ووزنها محدود. إذن، المشهد السياسي-الاجتماعي القائم في تونس يمثل عائقا أمام بلورة وتفعيل ‘الصراع الطبقي’ الذي وقعت تغطيته بالصراعات والانتماءات الجانبية (حداثوية / إسلاموية)، وبالطرح الديماغوجي والمغلوط لانتماءات وقع تسويقها بطريقة ممنهجة من طرف اليمين الديني وللخروج من هذه الإشكالية لا بد من إيجاد الآليات الناجعة من أجل كشف هذه الأساليب التي تساهم في خدمة مصالح الرجعية والفئات القليلة التي تنهب البلاد والعباد. تونس اليوم تحتاج إلى بروز حركة ذات مرجعية إسلامية ديمقراطية مستنيرة تؤمن بالولاء للوطن وتتبنى الديمقراطية الشعبية، لأن الدخول في صراع مع التيار الإخواني في تونس عبر المواجهة المباشرة لن ينفع، بل سيؤدي إلى تغوّله باعتبار قدرته العجيبة على عقد التحالفات وإثارة التناقضات الجانبية، إضافة إلى نجاعة خطاباته اليمينية الدينية التي تتميز بالفاعلية في الدمغجة والاستقطاب. ومن جهة أخرى على التيارات الديمقراطية الشعبية ‘الثورية’ أن تخرج من القولبة والنمطية الإيديولوجية نحو تفعيل مفهوم الصراع الطبقي بتبسيطه وتكريسه لدى الجماهير بالتوازي مع حراكي ثقافي اجتماعي.