البَطن والبروز الإدراكي

هناك شيء في الدراسات العرفانية الحديثة يسمّى البروز الإدراكي Cognitive Prominence، ويعني أنّنا لا ندرك في الكون الأشياء والوضعيات والمشاهد إدراكا واحدا، فحين يعترضك شخص فمن الممكن أن ينظر إلى وجهك، ولا ينظر إلى باقي جسدك؛ إذ من وجهك يعرفك الناس، أو لا يجهلونك. لكن حين يمرّ بك شخص وينظر إلى حذائك الذي انفك رباط خيوطه، أو ينظر إلى بطنك الممتلئ فقد ركّز حينئذ على شيء فيك مختلف لفت انتباهه.
كذلك الأمر في الكلام اليومي، فنحن وللتعبير عن المعنى الواحد نستعمل عبارات وأبنية لغوية، تُظهر أشكالا من عدم التماثل بأن نركز على عناصر لغوية، نعتبرها الأساسية، أو الأكثر أهمية بالنسبة إلى غيرها. في كل كلام هناك بروز إدراكيّ لعناصر على حساب أخرى؛ ففي قولنا (على الجسر سيارة) أبرزنا السيارة وجعلناها أساسا لقولنا، حتى لكأننا نجيب على سؤال ضمني ما الذي على الجسر؟ قد نكون قلنا هذا الكلام ونحن في انتظار شخص سيأتي وعليه أن يعبر الجسر ولذلك فإنّ إدراكنا سيركز على السيارة بما هي مؤشّر من مؤشرات قدوم هذا المنتظر. البروز الإدراكي يقتضي إذن أن يختار وأن يركّز المرء على جزء معين من المحتوى الذي يعبر عنه، ليعرضه عرضا يكون هو محور الاهتمام.
في لباس شباب اليوم ذكورا وإناثا إبراز لأجزاء من الجسد، لذلك تقتضي الحياكة أن يكون اللباس مناسبا لهذا الدور الداعم لإبراز اللابس، ما يراد لمن يرى ذلك اللباس أن يركّز عليه. لنفترض أنّ بعض الشبان يريدون إبراز البطن باعتباره عنصرا جماليا ذكوريا يختار له اللباس الضيق أو باعتباره عنصرا جماليّا أنثويا يختار له العري أو الكشف. ولو أنّ من أبرز باللباس شيئا لم يفلح في لفت إدراك الرائي إليه لما استقامت الرسالة، لذلك ينبغي أن يكون البروز الإدراكي في التواصل باللباس، أو بغيره من العلامات متشاركا حتى يحدث الأمر وإلاّ مرّ المبرز وغير المبرز بشكل متساو.
من الناحية الإدراكية، فإنّ الفشل في تشفير ما هو بارز يفشل الرسالة التواصلية، وهذا في الإشارات شبيه بمن غمز شخصا من أجل شيء فلم يره. أو رآه ولكنّه فشل في تفكيك شيفرة الغمز والرمز. متلقّ من هذا الضرب لا يؤبه له في عالم التواصل الذكي، إذ لا يعتدّ بالتواصل الذي لا يصل إلى الرسالة، لأنّه منظور إليه على أنّه تواصل فاشل ليس فيه تعاون. لكلّ مستعمل لغة أو مستعمل علامات ثقة في أنّ تأويلا ما لما يشفّره من علامات بارزة سينجح ولذلك فإنّ البروز الإدراكي هو تبئير على عناصر ينجح المتلقّي إدراكيا في التقاطها وتأويلها.
كلّ لغة فيها تبئير إدراكي على جانب من الحقل الإدراكي الكبير الذي تنتمي إليه الكلمات (يسمّى هذا الحقل الإدراكي ميدانا عرفانيّا)، فحين تسألني بالإشارة عن مرافقتي: من تكون؟ وأقول: ابنة عمتي؛ فأنا في الجواب أبرزت جانبا من علاقة النسب الأسري أو الدموي، وعليك كي تفهمني أن تركز انتباهك على علاقة الأخوة بين أبي وأخته لكي تعرف بالضبط ما المقصود من (عمتي) بعد أن تكون ركزت إدراكيا على العلاقة من جهة البنوة (في ابنة). أمّا التأنيث في هذه العبارة فليس مفيدا إذ هو عنصر هامشي أو ثانوي بحكم أنّ البنت التي سألت عنها في هيأتها ولباسها ما يدلّ على أنوثتها. وهكذا فإنّ التأنيث فيها عنصر غير مهمّ بالنسبة إلى العنصرين المذكورين. ولكنّ التأنيث في (عمّتي) مهمّ، لأنّه مفيد في تخصيص العلاقة من جهة الأب: إنّها أخت وليست أخا. لكنّ هذا البروز الإدراكي التفصيلي الذي بنيت عليه العبارات المفردة يكون في خدمة بروز إدراكي أكبر هو الجواب عمّن تكون مرافقتي. وبالطبع لو اعترضنا في مكان آخر خطيب ابنة عمّتي مثلا وهو لا يعرفني ولا أعرفه سيسألها عمن يكون هذا الشاب الذي برفقتها سأكون أنا ابن خالها، وستتغير بالتالي عناصر البروز الإدراكي التي بها أتحدّد في هذه العلاقة الأسرية. وبالطبع فإنّ خطيب ابنة خالي لو كان ممن يغار عليها من الأجانب سيكون جوابها مريحا له لأنّه نزع إدراكيا إمكانا مزعجا بالنسبة إليه؛ وإن كان ريّابا في كلّ الأحوال طبعا، فالأمر سيكون مختلفا في معالجته لوضعية الرفقة.
إن كنت لا أعرف خطيبها وقدّمته لي ولاحظت أنّه بدين، أو أنّ له بطنا كبيرا، وكنت أريد أن أسجّل العيوب لأمازحها، فإنّي سأقول لها لو سألتني عن رأيي فيه: جميل ولكنّ بطنه ضخم قليلا. سيكون البطن موضوع بروز إدراكي أوظّفه في سياق إدراكي محدود لأبني شخصيّته بناء يستثني بقية أعضاء الجسد التي قد تكون فيها عناصر جمال. إن حدثّتُ أمّي ممازحا عن خطيب ابنة أخيها وقلت لها: قابلت بطنا لا رجلا، لكان البطن أيضا في سياق بروز إدراكي مختلف يراد منه اختصار كامل الشخص في عظم بطنه. لكن إن أجابت خطيبته بأنّ البطن هو مركز الجمال عندها، فإنّ المسألة ستختلف من جهة الخلاف بين الجمال والقبح. إنّ البروز الإدراكي في حديثنا هذا مرّ بما يسمّيه العرفانيّون وجهة النظر التي نطلّ منها على العنصر الذي تحدثنا فيه وهو البطن والعلاقة بيني وبين مرافقتي وبين مرافقتي وخطيبها.
في الهجاء يلعب البروز الإدراكي دورا مهمّا في التبئير على المعايب الخلقية، فلو نظرنا على سبيل المثال في بيت المتنبّي هاجيا كافور الإخشيدي: (وتعجبُني رِجْلاك في النَّعل إنّني // رأيتك ذا نعل إذا كنت حافيا) فإنّ الهجاء يكمن في العجز (ذا نعل إذا كنت حافيا) ولكنّ سلامة تأويل المشهد ككل ينبغي أن يحدث فيه ضرب من استباق قراءة العنصر الثاني لفهم العنصر الأوّل لبناء مفهوم الغرابة. ولكنّ المشهد الأساسي المذكور في العجز، مبني على صورة فيها تضخيم باطن الساق ذات اللون المختلف الفاتح، الشبيه بقاع النعل المختلف عن بقيته فالساق في ذاتها لون أصلي داكن وباطنها هو كباطن النعل يكسر بالبياض ذلك السواد. النصّ لم يقل هذه المعطيات، لكنّ اللغة في التصوّر الإدراكي مبنية على التمثيل الذهني للوضعيات التي تعتمد الملكة التصوريّة التي لدى البشر. أنت لن تستطيع أن تفهم المشهد من غير أن يعيد ذهنك بناءه بواسطة العناصر اللغوية المذكورة، ولكن أيضا بواسطة العناصر التصوّرية المحذوفة التي تستدعيها تجربتك: معرفتك بساق أصحاب البشرة السوداء.
عادة ما يدرس هذا البيت حديثا ضمن ما يسمّى بالرسم الكاريكاتيري والحقيقة أنّه ليس كذلك، لأنّ الكاريكاتير هو إبراز لعيب بواسطة تضخيمه كبطن خطيبة ابنة العمّ، التي تحدّثنا عنها سابقا يمكن أن تبرز إن كانت في تصوّري معيبة فأرسمها في جسد تضمر فيه بقية أعضائه إلاّ هو. ولكنّ البطن لا يمكن أن يكون موضوعا كاريكاتيريا، إن كان منسجما مع جسد ممتلئ في كل عناصره، لذلك لا يمكن أن نعتبر ساق كافور هي العيب في جسد ملوّن أراده أبو الطيب الفنان طبعا أن يكون عيبا في جميعه. وليس باطن الساق هو المعيب أيضا لأنّه منسجم مع خلق عامّ، والتبئير التصويريّ، أو المشهدي بالبروز الإدراكي كان فيه تبئير على هيئة: هي هيئة لباس النعل الذي أوحى بعبثية لباسه والخلق الطبيعي فيه هذا الانتعال. ثمّ إنّ إبداعيّة الصورة لا يمكن أن يتفطّن إليها إلاّ من قايس بين أن يكون العبد حافيا وأن يكون منتعلا ليرى أنّ الحافي منتعل، وأنّه لو مثل دوره الطبيعي بأن مشى حافيا لكان أيضا يمثل دوره الثقافي أنّه يلبس نعلا.
إنّ البروز الإدراكي ليس شيئا من أمر اللغة وإنّما هو جزء من تقسيمنا الذهني للعناصر التي هي في حيزنا، تقسيما فيه تبئير على بعضها وجعل بعضها الآخر خلفية، يمكن أن تصبح للضرورة بدورها بؤرة في بناء آخر للمشهد.
أستاذ اللسانيّات في الجامعة التونسية.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية