في بلدنا مصر وأكيد في غيرها، هناك مقولات سائدة لا معنى حقيقي لها. على رأسها مقولة إن الدولة تفعل لكم كذا وكذا وكذا. هذه المقولة التي يرددها كل المسؤولين على النحو التلقائي، ويبدو فيها الفخر بما تفعله الدولة، وكأن الدولة يجب أن لا تفعل ما يدعو إلى الفخر.
الكلمة طبعا في الأصل يجب أن تكون الحكومة أو النظام الحاكم، لأن الدولة مصطلح معناه الأرض والشعب والحكام. فالدولة لا يمثلها الحكام فقط، لكن الأرض والشعب معهما. الأرض صامتة لا تحتج لما يحدث حولها ولا تفخر به، وتترك الأمر للشعب يقول رأيه، وعلى الحكام أن ينصتوا ويسمعوا ويبرروا خلافاتهم مع آراء الشعب. وكلمة الشعب هنا تعني كل الناس، كعنصر أساسي في الدولة، لكنهم عادة يختلفون في الفكر ودرجة القبول والمعارضة، فتكون الديمقراطية هي الحل بين كل عناصر الشعب. لا يوجد شعب واحد على راية واحدة إلا في ما يهدد الوطن من الخارج. أما في الداخل فهنا يختلف الكثيرون، فمن يرى في مشروع ما نهضة، ومن يراه إسرافا. ومن يرى في التخطيط العمراني ميزة، ومن يرى في الفوضي ميزات. هكذا تظهر الخلافات التي أصلها طبيعي، فلا خجل من وجود الطبقات، لكن الخجل يأتي حين لا تكون هناك ديمقراطية، وتتصور طبقة ما أنها صاحبة الحق في كل شيء، وغيرها لا قيمة لهم ولا يفهمون.
حديث رجال الحكم عما تفعله حكومتهم باعتبارهم الدولة قديم. صار تراثا ومن الصعب تغييره، خاصة أن الإعلام يستخدمه بكثافة، ونحن أيضا في أحاديثنا العادية وكتاباتنا، ولم يفكر مرة أحد أن يقول الحكومة أو النظام إلا نادرا. أحببت فقط أن أشير إلى ذلك لأن له عقبات سيئة، فيمكن أن يعتبر النقد لأفعال الحكام تهديدا للدولة، ومن ثم يقع صاحب الرأي في قضية لم تكن في ذهنه أبدا. اصطلاح الدولة يعطي قداسة للحكام، بينما الأصل أنه يعطي قداسة للوطن. ولكي تظهره الصورة أكثر أذكركم، كم مرّ على مصر من حكام صاروا صفحات في التاريخ وبقيت الدولة. الأمر الثاني وهذا ما جرى في السنوات السابقة، أن هناك ثأرا يظهر في الأشياء الصغيرة والكبيرة. الكبيرة مثل الإرهاب، الثأر مفهوم فيها، فهو ابن التطرف، والصغيرة مثل الآراء في بعض الناس أو بعض المواقف، هي المزعجة وغير المفهومة. هناك موقفان يحكمان آراء الناس الآن.. موقف سياسي وهذا يمكن الاتفاق أو الاختلاف معه. فهناك من يدافعون عن كل شيء يفعله النظام، دون أي فرصة للتفكير في الرأي المعارض. هذا الموقف رغم تكراره يعرف أي شخص أنه يمكن أن يتغير، حين يتغير النظام الحاكم. فكم من النظم كان لها مريدون، وكم من مريدين بعد زوال النظام السياسي لعنوا فيه!
لم يعد يدهشني هذا، فمثلي رأى ذلك منذ عام 1952، رأيت لا قرأت. قرأت عما قبل ذلك، لكن الذي يدهشني هو الموقف الثاني، أي الديني، واعتبار الجنة والنار هما مرجع كل سلوك، هذا أمر غرقنا فيه منذ السبعينيات وطالما كتبت فيه، لكن الأمر يصل إلى تفاهات من نوع أن لبس المرأة سبب التحرش، بينما لا يقف أحد عند بشاعة سلوك التحرش، أو الشماتة في فتاة انتحرت لأن حبيبها راح يهددها بالصور التي معه لها، دون النظر إلى جريمة هذا الذي كان يسمى حبيبا، واعتبارها جنت على نفسها بنفسها، ولا أحد يعرف ظروف هذه الصور، ولا أحد حتى يفكر في إسداء النصيحة للأخريات أن لا يفعلن ذلك مع أحد، فمن يُحبِك حقيقة لن يحبِك للصور، لكن لنفسك وعقلك، وغير ذلك كوني على حذر. حتى هذه النصيحة لا يقولونها وينطلقون في الإدانة لها وينسون أنها انتحرت.
هناك موقفان يحكمان آراء الناس الآن.. موقف سياسي وهذا يمكن الاتفاق أو الاختلاف معه. فهناك من يدافعون عن كل شيء يفعله النظام، دون أي فرصة للتفكير في الرأي المعارض.
وموقف مثل أن الفنانات مصيرهن النار لأزيائهن وما يقمن بتمثيله، ووصل إلى درجة الهجوم على فنانة أعلنت التبرع بأعضائها بعد الوفاة باعتبار أن أعضاءها في النار. ووصلت إلى درجة اعتبار حريق الجونة في مهرجان السينما هناك عقابا على مظهر الممثلات وثيابهن، وتمنى الكثيرون جدا لو كانت التهمتهم النيران! وتصل وهذا هو العجيب إلى الشماتة في كثير من المقبوض عليهم، ووقعوا تحت طائلة قانون الحبس المفتوح، باعتبارهم كانوا يوما ضد الإخوان المسلمين، ويستحقون ما يحدث لهم. كثيرا ما كتبت في ذلك ومن ثم لا معنى أن أعيد رأيي الذي أبسّطه، أن هناك فارقا كبيرا بين السنوات الأولى التالية لثورة يناير/كانون الثاني حين كانت النفوس ملتهبة، وما يحدث في كل الثورات بعد ذلك من هبوط في الحماس يصل إلى حد الاستسلام، وترك الأمر للزمن أو للأجيال الأخرى. هذا ليس رأيا، لكنه حقيقة فلا توجد ثورة استمرت عشر سنوات في الشوارع والمظاهرات، فما بالك بثورة عزف فيها أكبر عناصرها وهم الشباب، عن الحكم من البداية وتركوا الحكم للكبار. هل سيظل الشباب في الشوارع كل الوقت وأي شارع سيقبل هذا؟
تؤلمني هذه الشماتة لأنها تخرج عن مساحة الاختلاف في الرأي إلى مساحة الشماتة الشخصية والانتقام المجاني، دون أي مراعاة أن الشخص الذي يشمتون فيه، في كل الأحوال كان معارضا يبحث عن الأفضل، أو حتى يتصور ذلك، ولم يكن بينه وبين أحد قديم أو جديد ثأر شخصي. اعتبار كل فرد لنفسه أنه الحقيقة المطلقة، يعكس درجة من الانحدار في المستوى التعليمي والثقافي، وهو ليس بمستغرب في دولة شمولية النظام منذ سنوات بعيدة، فالحاكم الأوحد، لا بد أن ينعكس على كل فرد أنه هو الفرد الأوحد. وتتدنى المسألة لتصل إلى كل المراتب الاجتماعية، ويكون الخروج منها مهمة صعبة تحدثها الثورات حين تنجح، لكن حين تفشل تزداد الظاهرة، وتبدو في كثير من الأحيان عند البسطاء راحة ذهن، أو راحة بال وابتعادا عن المشاكل. الميديا الآن تعكس هذا كله، وأراها تنفجر به أكثر من أي وقت، حين يكون هناك ضحايا في السياسة أو في العلاقات الاجتماعية.
هذه النظرة الكلية تصل حتى إلى الرأي في المفكرين والكتاب. فمن يرى طه حسين ملحدا لا يتخلى عن ذلك، ولا يفكر في قراءة أعمق لطه حسين، أو قراءة للآخرين له وليس من يتبعهم فكريا. ومن يرى محمد حسنين هيكل رجل النظام السياسي لا يسمح لنفسه ليقرأ كتبه ويرى قيمتها. ومن يرى فنانا مُجاريا للسلطة، لا يرى في أفلامه أي قيمة. ومن يرى كاتبا موافقا على أحد مشروعات الدولة، يعتبره موافقا لها وعميلا في كل وقت. وهكذا تمشي مع الحبل لتصل إلى أن هذه النظرة الشمولية بنت النظام الشمولي، قد وصلت إلى أجيال شابة. هذا أمر يجعل أي شخص محب للوطن يتأني، وربما يتراجع ويترك الحياة حوله تمضي كما هي، ويبتعد عن أي حديث في السياسة، لأنه لو كان شاعرا قد لا يقرأ له أحد شعرا، ولو كان قاصا أو روائيا قد لا يقرأ له أحد قصة أو رواية، وهكذا. في الحقيقة ليس أسهل من الحط من قيمة الآخرين راحة للبال، لكنها في النهاية تجعل المجتمع بلا رؤية، وبلا أشخاص يمكن أن يدافعوا عن غيرهم، أو حتى عن التقدم في الحياة، لأن هناك من ينتظره ويخرج له قولا قديما أو حديثا قديما، كأن الزمن لا يمر، والآراء لا تتغير، والأحداث لا تتطور، وهكذا.
روائي مصري