لو قُيّض لفلاسفة العصور الماضية أن يتأملوا واقع الإنسان في الوقت الحاضر، فلربما عجزوا عن توصيف الخواء البشري، الذي على ما يبدو بات يُجسّد نموذجاً عصيّاً على التوصيف أو الفهم. إن إنسان هذا الزمن نتاج تسارع جنوني أقرب إلى قفزات خيالية في تمكُّن شكلانية المادة من جهة، والانسحاق تحت وطأة قيم التطلُّب غير المنتهي من جهة أخرى، فأصبح الإنسان يعيش متوالية لا منتهية من ذاتية الاستغراق والاستهلاك، والتجاهل؛ من منطلق أنّ هذه الحالة غير مسبوقة من حيث الاستنزاف المفرط لكل شيء تقريباً.
كتب هربرت ماركوزه عن مفهوم الإنسان ذي البُعد الواحد، وأتساءل عما يمكن أن يُكتب عن الإنسان في هذا التوقيت، على الرغم من أنه لم يكن بعيداً عن زمننا الحالي، غير أن القفزات التي يختبرها الإنسان منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، قد لا تتيح لأي فيلسوف أو مفكر أن يتمكن من فهم، أو يختزل مفهوم إنسان هذه العصر، حيث لا يبدو لنا أن ثمة بعداً للإنسان، وحين أقول إنه بُعد لا أعني نموذجاً سلوكياً، إنما أعني عمقاً، حيث أسهمت ثقافة اللاثقافة في تفريغ المعنى من الحقيقة، بحيث لم يتبقَّ سوى القليل من الوقت حتى ينتهي الإنسان الأخلاقي، لا بمعناه الديني فحسب، إنما بمعناه القِيَمي الإنساني المطلق.
لقد أسهمت عوامل عدة في تصفية المنظومات الفكرية، التي يمكن أن تحكم الإنسان، فشاعت خطابات متشككة تجاه كل شيء، بما في ذلك التفسيرات المتعالية للخطاب الديني، ونزع قُدسيته، وبناء منظومة من التفسيرات المتضاربة، التي تجعل من فعل اليقين، أو الركون ضرباً من المستحيل، بالتوازي مع انهيار الأفكار الكبرى، وذوبان الأيديولوجيات ببُعدها الأخلاقي، وثمة أبعاد جديدة تحكم وجودنا، تتصل بنموذج متسارع من إنتاج الخطابات المتصلة بالقيم المادية، وانحسار تعريف الذات، لا من خلال أفكار، إنما من خلال تقسيمات طائفية أو عرقية أو عنصرية، مدعومة بتوجهات لا عقلانية، من مبدأ أنها ليست سوى أداة في ظل آلة كبرى تعمل على تفريغ أي محتوى حقيقي من وعي الوجود الكلي للإنسان، بالتوازي مع فراغ في المعنى والقيمة.
إن نقاد الرأسمالية الغربيين، والفلاسفة عامة – بمختلف توجهاتهم، وتعدد مرجعياتهم- لم تعد خطاباتهم، أو رؤاهم، قادرة على اختزال هذا الجنون، وتوصيفه، وتقنينه، ونقده، فثمة طوفان من التفاهة يكاد يحجب كل ما هو حقيقي في عالمنا، ويمكن ملاحظة ذلك على صعيد النتاجات، التي تتعلق بالكتابة والدراما والأغنية والسينما، حيث تكاد تكون النماذج الإيجابية محدودة جداً، وذات تأثير ضئيل. لم يعد للإنسان من بُعد، إنما بات مائعاً وسائلاً، ولا أدل على ذلك من تكريس أنماط خطابية فردية متوحدة، حيث يستغرق الإنسان بمتابعة برامج التواصل الاجتماعي، وتخليق ركام من المحتوى التافه، الذي أسهم في نزع البُعد أو المعنى عن حقيقة وجودنا، فأصبحنا مشوَّهين عقلياً وعصبياً. إن إنسان هذا الزمن لا يستطيع أن يستوعب ما يحركه بأصبعه، على شاشة لا تتوقف عن التقيؤ على مدار الساعة، وبذلك فقدنا قدرتنا على معالجة العالم، ولا أدل على ذلك من خواء البشر ما نراه من متابعات بالملايين لهراء التواصل الاجتماعي، حيث يستغرق الملايين في الاستماع لسيدة تتحدث عن يومياتها، أو مشاكلها النفسية من زواج، وطلاق، وما تخطط له من إعداد لطعام، أو مشاهدة مراهق يلعب ألعاباً إلكترونية، أو طبيب يروّج وصايا سطحية تحت وهم التخصص، وغير ذلك من النماذج… كلها تأتي ضمن طوفان من محتوى يُفرغ المعنى من أي عمق معرفي أو إنساني، فباتت هذه العملية أشبه بترس في آلة كبيرة من تروس استهلاك العقل، وإشغاله، ناهيك عن تحويل كل شيء إلى سلعة، ومُستهلِك ضمن التصور الرأسمالي.
لقد بتنا أقرب إلى ما نعته بودريار، بالمحاكاة، فغدا التمثيل لا يُحاكي الواقع، إنما يُحاكي تمثيلاً آخر، أو مجرد ركام من النسخ فوق النسخ المكررة، وعلى الرغم من استدعاء بعض النماذج الإيجابية لهذه الصيغ الافتراضية من الحرية، وهذا الفضاء، من حيث استجلاب نماذج من التحويل والثورات، وتعرية الديكتاتوريات، غير أن نواتج هذا الفعل لم تحقق إلى الآن النتائج المرجوة، ربما لأنها كانت أضعف من مواجهة محتوى «اللّا بُعد» في عالمنا.
لطالما كانت معضلة المعنى في مواجهة التفاهة سؤالاً كبيراً تساءل عنه المفكرون والفلاسفة، فالكتاب، أو حتى مقال قصير، أو أي محتوى بصري معنيّ بالحقيقي، قد يواجه شبه موت من حيث المتابعة، في حين أن ثرثرة عبثية مجانية تحصد آلاف المتابعات، في حين يصطف القراء الجُوّف لتوقيع كتب هزيلة، تتحدث عن الخوارق والسحر والأبراج، أو أي تأملات سطحية عن الحياة، وهراء التنمية البشرية، ما يعني أننا إزاء خواء عبثي داخلي مهول في واقع الإنسان، الذي فقد ربما كل أبعاده، بحيث لم يعد له حتى بُعد واحد يمكن أن يُعوَّل عليه.
لقد تجاوزنا تنظيرات ماركوزه، التي كانت قد تناولت مفهوم القمع العقلاني، فما نختبره الآن – من وجهة نظري – يفوق بأشواط ما كانت تنتقده مسلكيات النظم الرأسمالية والصناعية، وثقافة الاستهلاك. فبينما ركّز ماركوزه على القمع المؤسسي ضمن البنية الإنتاجية، فإن القمع المعاصر يتمظهر في انزياح الوعي ذاته عبر أدوات الإشباع الزائف، والتمثيل المتكرر للواقع، وفق ما أوضحه بودريار في نقده للمحاكاة، وبهذا فقد أصبح استلاب الإنسان أشد عمقاً، حيث غدا مقتنعاً بحرية فردية سطحية، تُنتج ذاتاً مائعة، أو مغلقة… لنخلص إلى أن العقل البشري أمسى مبرمجاً كي يكون متماثلاً في التفكير، والسلوك السلبي الفارغ. تتقن الأنظمة، والشركات العابرة، والحكومات تصفية أي محاولة للتفكير، أو محاولة تعديل النموذج، ويتأتى ذلك عبر توظيف آليات، وأدوات، ومساهمين، ينتمون إلى ما يمكن أن ننعته بمثقفين تقنيين، يمتلكون حداً معرفياً قابلاً للاستثمار في تمكين التسطيح، وممارسة إرهاب العقل الحر، أو تكريس ما نعته ماركوزه بالحرية السلبية التي تتيح للإنسان أن يستغرق في تفاهات لا متناهية، بحيث ينتهي إلى أن يصبح عقله فاسداً.
إن مواجهة هذا «الكراكن» الضخم (الحيوان الأسطوري)، من حيث قدرته على تصفية العقل، قد يبدو محكوماً بالفشل في الوقت القريب، ولا شيء أدل على ذلك من سلبية العقل الإنساني الذي يتقبل موت الآلاف من الأطفال في غزّة بالتفجير والجوع والمرض، على أنه نتاج طبيعي للمعنى الإنساني، ولا يبدو أن ثمة عقلاً فاسداً كالعقل العربي الذي يبدو متشظّياً بين جبال من الخرافات، والأوهام، والتفاهة، والذاتية، والانسياق إلى مصير من الفناء… إذا ما استمر في سلبيته، وضيق أفقه.
لقد فقد العقل التحكم في ذاته، وبات مرتهناً للآخرين، لا من ضعف، ولكن من رغبة لا يمكن تفهُّم دوافعها إلى الآن، وبهذا فإن الانهيار لم يعُد مقتصراً على القيمة، بل أصبحنا نفكر في وجود القيمة، وأين تكمن مرجعيتها، ولاسيما بعد أن تخلى العرب عن مرجعياتهم الثابتة، أو باتوا بلا مرجعيات أخلاقية، ولكن يبقى السؤال الأكثر جوهرية: هل ما زلنا نمتلك أدوات لاستعادة أو بناء قيم فكرية وأخلاقية جديدة؟
كاتب أردني فلسطيني