يقول بورخيس «إن الكتاب هو الأكثر دهشة بين كل الأدوات التي اخترعها الإنسان طوال تاريخه، إذ أن بقية الأدوات امتداد للجسد، الميكروسكوب والتليسكوب امتداد للعين، الهاتف امتداد للسمع، المحراث والسيف امتداد لليد، غير أن الكتاب امتداد لشيء آخر، امتداد للذاكرة والمخيلة». وهو الصورة الواضحة لمحتويات العقل وعتاده لتغيير العالم.
لكن رغم هذا تعظم حيرتنا كلما اقتربنا من حقيقة الكتب وعمليات التدوين التي بدأت في أزمنة غير أزمنتنا، وفي ظروف غير التي نعيشها اليوم.
بالنسبة لشاب في العشرين من عمره أو الثلاثين ، فإن هاتفه الذكي أهم من كل الأدوات المخترعة، أما مقولة بورخيس فقد فقدت روعتها، وخف وهج معناها كثيرا، إنّها مفهوم مجرّد من الوقائع التي يؤمن بها الإنسان التكنولوجي، فلا محراث ولا سيف، تقلّصت أدوات الإنسان إلى أن أُختُزِلت في هذه القطعة العجيبة ذات الأزرار، التي تتطور كل عدة أشهر لتفاجئنا بتطبيقات خيالية، من بينها تطبيقات نجد فيها مكتبات أدبية بأكملها، باستطاعتنا أن نتجول فيها ونفتح الكتاب الذي نريد، كما أخرى فيها مكتبات غنائية، وهناك تطبيقات صحية توصلنا مباشرة بأطبائنا، وأخرى على تنوعها وكثرتها يصعب ذكرها كلها.
تسهل حياة الواحد منا اليوم كلما أتقن طرق استعمال تطبيقات هاتفه، وكلما كان هاتفه أذكى، ولا أدري أين تقف الذاكرة والمخيلة من كل هذه الاختراعات التي تلبي السائل في ثوان عديدة، وتقفز به بين العواصم والقارات، وتوصله بمن يريد، وتجيبه عن كل الأسئلة التي يطرحها.
هذا كل ما نعرفه سلفا عن هذا المستعمر الجديد الذي اكتسح العقول اكتساحا لا مثيل له، حتى أن الدراسات الحديثة تأكدت من أن مخاطر الإدمان على الهواتف الذكية، بحجم مخاطر الإدمان على المخدرات، ويبدو أنها تضرب الذاكرة، وقد تصيب صاحبها بالزهايمر مبكرا، كما تعرّضه لأرق يسبب له عدوانية سلوك نحو محيطه، وقد أطلق على هذا النوع من الإدمان اسم «النوموفوبيا». أمّا علاجه فيبدو أنّه لا يتخطّى مقترحات لا غير، لم تبلغ مرحلة نضجها لتصبح خطة علاج. هذا أمر نعيشه، ونختبره يوميا، لكن المفاجأة غير المتوقعة هي أن هذه الظاهرة التي تلامس تقريبا سبعين في المئة من مستعملي الهواتف الذكية، تقابلها ظاهرة أخرى غريبة، تسجلها مبيعات الكتب الورقية في العالم، خاصة أمريكا وأوروبا، وتكشف أن الفئة العمرية نفسها تقرأ تقريبا بين خمسة عشر وعشرين كتابا سنويا، وهناك كتب معينة تسجل مبيعاتها أرقاما قياسية، تكشف إقبال فئات جديدة على الكتاب سنويا.
فأي المعطيات نصدق؟
تجّار الكتب متفائلون، ويحققون أرباحا جيدة، حتى في عالمنا العربي تبدو هذه الظاهرة في تصاعد، وهذا مبني أيضا على ملاحظاتي الشخصية في بعض معارض الكتب، ومن خلال أحاديث بعض الناشرين. مفاجأة الكتاب هذه تشبه عودة الابن الضال إلى حضن أهله، ولعلي قاسية في هذا التشبيه، أو أنني بعيدة عن مربط الفرس كما يقولون، لكن ما التفسير الذي يمكن أن يتقبله العقل بعد كل المعطيات التي قدمتها سابقا؟ لقـــد قيل لنا على مدى السنوات الأخــــيرة أن المستقبل للأونلاين، وقد بـــدت التكهنات صادقة، حين بدأت جرائد تغلق أبوابها، وتلفزيونات تلحقها، وحـــين ظهرت بدائل على الشبكة العنكبوتية، جذبت جماهير بأكملها. يقول لي أحد الناشريــن أن مبيعاته لم تشهد هذا الازدهار منذ سنوات، إذ أن الإقبال على الكتاب أدهشه هذه السنة، وأرقام مبيعاته في تصاعد مستمر منذ سنتين، وقد أشار إلى أن الفئات العمرية القارئة الأكبر شابة، عكس ما قد يتبادر للذهن على أن للكتاب جيلا وفيا له من أيام الزمن الجميل.
الكتاب هو الأكثر دهشة بين كل الأدوات التي اخترعها الإنسان طوال تاريخه، إذ أن بقية الأدوات امتداد للجسد، الميكروسكوب والتليسكوب امتداد للعين، الهاتف امتداد للسمع، المحراث والسيف امتداد لليد، غير أن الكتاب امتداد لشيء آخر، امتداد للذاكرة والمخيلة.
إن شيئا ما لا أجد له تفسيرا، يضعنا أمام معطيات متناقضة، ولا أدري هل هو انتشار لنوع من الوعي لمقاومة الإدمان التكنولوجي؟ أم أنه بحث عن المعلومة الصحيحة من مصادرها؟ أو أن السبب لا يزال مبهما أمامي، وقد أجده في بعض المداخلات بعد نشر المقال.. ثم لا أدري إن كنا نأخذ المعلومة من عقر تجاربنا، أو من تجارب الآخرين، بدون تمحيص جيد وقراءة عميقة لمؤشراتها، فقد أخبرني صديق أن الوضع في بريطانيا مأساة حقيقية لتسويق الكتاب، وأن القراءة في تراجع، وقد استمعت إلى ملاحظاته من باب أنه مقيم في بريطانيا منذ سنوات طويلة، وقد كدت أصدق حكايته وهو يعطيني أرقاما مخيفة عن تراجع بيع الكتب، وإغلاق المكتبات، إلى أن اختليت بنفسي و شغلت محرك البحث للتأكد من الموضوع…
يا للصدمة…
الأرقام تتحدث بالمليارات عن الأرباح، سواء بالنسبة للكتاب الورقي أو الرقمي، و أن موضوع التراجع لو أخذناه بعيوننا ومنطقنا فهو جد طفيف، حدث منذ ثماني سنوات قدر بـ 9.8 ٪ ويبدو أن الحلول وجدت سريعا، أطلقت الكتب الإلكترونية، والكتب الصوتية، ومعها وسائل أخرى للقراءة مثل الكيندل، الذي لم يجد بابا عندنا، أما المفاجأة الحقيقية فهي أن الكتاب الورقي بحضور منافسيه أقلع من جديد لتحقيق مبيعات عالية، حتى أنه هذا العام قيل إن سوق الكتاب الإلكتروني في بريطانيا وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا جيد، ولكن بالمقابل سوق الكتاب الورقي أفضل بكثير. وفي إحصائيات قام بها مركز دراسات مهتم بالقراءة في جنيف، قال إن 73٪ من عشاق الكتاب جربوا الكتاب الإلكتروني ولكنهم أوفياء للكتاب الورقي، وإنهم يلجأون للتطبيقات الرقمية في حالة واحدة، وهي عدم توفر مطلبهم ورقيا. وفي نتيجة غريبة اتهمت أمازون على أنها ضربت الورقي وكانت سببا في تراجعه لفترة.
هل ينطبق هذا الأمر علينا؟
ما هو متوفر عندنا عموما هو ظاهرة الـpdf التي ضربت الكتاب الورقي، وهي ملجأ فرض نفسه في غياب توزيع جيد للكتاب، هناك مناطق واسعة في العالم العربي يسودها قحط ثقافي حقيقي، ما يجبر طلبة تلك المناطق إلى اللجوء للطرق غير المشروعة للحصول على المعلومة، وهنا طبعا نحن لا نتحدث عن بديل رقمي أو ebook ، نحن أمام محنة حقيقية يعاني منها القارئ والكاتب والناشر والمكتبي أيضا، وهذا الأخير متضرر آخر في دائرة الكتاب، لكنه مبعد لأسباب غير مفهومة. مع أنها تفضي بنا إلى عالم القرصنة الغريب الذي يدمر السوق المشروعة للكتاب، بدون أهداف تجارية، فمكاسب المقرصنين معدومة، في سبيل تعميم المعرفة، بل إن التجاوب مع أي قرصان من هذا النوع ينال الاستحسان والحماية أمام تشتت المتنافسين في قطاع النشر وتسويق الكتاب وانشغالهم بعداواتهم الصغيرة.
وإن كان هذا الموضوع حساسا وله أهميته القصوى التي تتطلب حلا عقلانيا، إلا أنني في هذه العجالة اليوم، أقف على عدة نقاط إيجابية، أولها أن التكنولوجيا لم تهزم الكتاب الورقي، ولو أن خورخي لويس بورخيس بيننا لصاغ جملته بما يناسب عصرنا الإلكتروني، ورغم ذلك، فالرجل لا يزال مدهشا بكل أدبه، وما زال مؤثرا بعتاده القديم الذي ضرب به الأمثلة.
٭ شاعرة وإعلامية من البحرين