الأدب والأذواق.. من يقود من؟

يفضل كثير من القراء العرب قراءة الروايات أو المجموعات القصصية المشبعة بالعاطفة والانفعال، التي تقوم على التشويق والإثارة، مع حضور واضح لغرابة أو فرادة في الثيمات. وحسبما تشير إليه حركة النشر والقراءة، تتصدر روايات الحب والعلاقات بين الرجل والمرأة، إضافة إلى العلاقات العائلية والاجتماعية، وقصص كسر التابوهات قائمة ما يطلبه السوق العربي. هذا الميل الواضح نحو الأدب العاطفي والاجتماعي، يجعل روايات الخيال العلمي، أو الأعمال ذات الطابع العلمي، الاقتصادي، السياسي، أو الفلسفي العميق، شبه غائبة عن المشهد الأدبي العربي، أو على الأقل محدودة الإنتاج والحضور. بينما لو نظرنا إلى الآداب العالمية، نجد أن كثيراً من الأعمال الكبرى التي أحدثت تأثيراً عميقاً في المجتمعات، لم تكن بالضرورة قصص حب أو تشويق، بل نصوصاً فكرية أو فلسفية أو رؤى مستقبلية استشرافية.
ومن الأمثلة على ذلك: رواية «عالم صوفي» لمؤلفها جوستاين غاردر، و»الجريمة والعقاب» و»الإخوة كارامازوف» لفيودور دوستويفسكي، رواية «1984» لجورج أورويل، «السائق» غاريت غاريت، المجموعة القصصية «الروبوتات» إسحاق أسيموف، رواية «أرض السواد» أندريه جيد.
لكن، هل الكاتب العربي مُرغم حقاً على الانصياع للأذواق السائدة، وفقاً لما يطلبه السوق والقراء؟
الجواب: بالتأكيد لا. فالكاتب الأصيل لا يكتب ليُرضي السوق وحده، بل ليُضيف قيمة فكرية وجمالية إلى وعي القارئ. غير أن بعض الكتاب قد يختارون التنازل عن فكرهم وثقافتهم وإبداعهم، في محاولة لكسب القراء والاهتمام، أو سعياً لإرضاء الذائقة العامة، فيتحول الأدب إلى مجرد سلعة استهلاكية تخضع لمعايير العرض والطلب، تماماً كما يحدث في أي سوق تجاري. والحقيقة أن هذا المأزق قديم في تاريخ الأدب، فقد كان هناك صراع دائم بين «الأدب الذي يعبر عن عمق الإنسان ووعيه، وبين الأدب الذي يهدف إلى التسلية وإرضاء القارئ».
وقد شهدنا أمثلة عديدة لأدباء رفضوا الانجرار وراء السوق، فكتبوا نصوصاً خالدة رغم محدودية جمهورهم في البداية، ثم أثبت الزمن قيمتهم، في حين أن كثيراً من الكتب التي صنعت ضجة مؤقتة سرعان ما طواها النسيان.
من هنا، تبرز مسؤولية الكاتب في أن يكون قائداً للذائقة، لا تابعاً لها. فالأصل أن يكون دور الأدب في الارتقاء بفكر وثقافة الناس، لا أن يخضع لها وينحدر معها. الأدب في جوهره، ليس مجرد وسيلة للتسلية، بل أداة لتغيير الوعي، ونافذة على رؤى جديدة للعالم والإنسان. فإذا ظل الكاتب حبيس ما يطلبه السوق، فسنبقى ندور في حلقة مفرغة من القصص المكررة، بينما تحتاج الأمة إلى آداب تفتح أمامها أفق العلم، والفلسفة، والاقتصاد، والخيال الذي يستشرف المستقبل.
إن السؤال الأهم الذي يجب أن نطرحه ليس ماذا يريد القارئ؟ بل: ماذا يحتاج القارئ؟ فالقارئ قد يطلب ما يُشبع عاطفته أو يثير فضوله، لكن الأدب الحقيقي يذهب أبعد من ذلك، ليعالج أسئلة الوجود، والحرية، والعدالة، والمصير. الأدب الحقيقي يضيء المساحات المعتمة في الوعي الجمعي، ويدفع الناس إلى إعادة النظر في قناعاتهم وحياتهم، حتى لو كان ذلك صعباً أو صادماً.
إذن، العلاقة بين الأدب والأذواق يجب أن تكون علاقة جدلية، لا علاقة تبعية. على الأدب أن يستمع إلى القراء، لكنه في الوقت نفسه يجب أن يتجاوز رغباتهم اللحظية ليمنحهم ما لم يكونوا يعلمون أنهم بحاجة إليه. حينها فقط يمكن للأدب العربي أن يخرج من دائرة الاستهلاك، إلى فضاء التأثير والخلود.

 روائي أردني

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية