الأدب… بين الغباء والذكاء الاصطناعي

حجم الخط
0

تبدو القضية الأساسية التي تـشغـل العقلَ البشريَّ حاليا، في علاقة الأدب بما يُصْطَــلَح عليه (الذكاءُ الاصطناعي) إنْ لم نحددْ، بصفةٍ عامةٍ، دورَ هذا الذكاء في كلِّ حياتنا، وليس في الأدب فقط. ويخشى النقادُ من هذا الابتكارِ الجديدِ الوافدِ، أنْ يُمَهِّــد للأدب فرصةَ الانسياقِ الأعمى وراءه، فيتلاشى دورُه الإنساني، ولا يبقى منه إلا الاسمُ، وبالتالي، سيصبح العالمُ يتشكل ويرتقي بالآلةِ، بعيدا عن العقل البشري. فإذا كان الإنسان أمضى ملايين السنين، كي يتوصَّل إلى إنتاج الأدب، وتخْـليقه في صورته الحالية، فإن (الذكاءَ الاصطناعي) لم يستغرق إلا عُمْرا قصيرا من تطور العقل البشري ليصبح (ظاهرةَ العصر) التي تلهث الدولُ خَلْفَها وتَـتبنَّاها، حتى المتخلفةُ منها، دون أنْ تستعــد لها، مزاجيا وعلميا ومعرفيا وأخلاقيا، ونحن ندرك جيِّدا أنَّ بعضَها يتظاهر بامتلاكه هذا الذكاء، لإضْفاء موجة (الحداثة) على نفسه!
وهذا ينطبق حتى على الابتكارات والاختراعات العصرية الحديثة الأخرى، كالتلفزيون، الهاتف النقال، الإنترنت، آلة التصوير، الألعاب الآلية.. فمثلا، هل استطاعتِ الصورُ أن تعوض اللوحاتِ التشكيليةَ التي أبدعتها أيدي الفنانين الكبار، أمثال ضياء العزاوي، محمود سعيد، دافنشي، بيكاسو، فان غوخ، وغيرهم كثير؟ كل ذلك، يُظهر أنَّ إمكانيةَ الآلةِ الذَّكِيَّةِ للإنتاج سواء الفن أو الأدب، ستكون ضعيفةً، ولنْ تـشُدَّ القارئَ بأثرِها الهَــشِّ، أو تستحوذَ على وجدانه، بقدْر أثَــرِ الإبداع الإنساني، لأنها تعجز عن التعبير بلغة طبيعـية، توازي فُرشةَ الفنانِ ولغةَ الأديبِ، فتستعمل لغةً ميكانيكيةً غيرَ حِسِّيَّةٍ، لا تُحْدِث أثرا في المتلقي، ولا يستطيع ما سينتجه هذا الذكاءُ أنْ يحتل، مثلا، درجةَ حضور الشاعر محمود درويش، أو الروائي نجيب محفوظ، أو الناقد عبد الفتاح كَلِّيطو، أو القاص عزيز نيسين، أو الروائي فـرانس كافكا، والمسرحي نيقولاي غوغول.
ونحن لا نقلل من أهمية هذا الذكاء، بالنسبة لإمكانياته التقنية الهائلة والفعالة في تصميم البيانات، ولَمْلَمةِ المعلومات، وتيسير الحصول على المعرفة، وتحديد المواقع، وسواها من الأدوار الإيجابية التي توفر الجهدَ والوقتَ في ميادينَ شتى، كالصناعة والفلاحة والتعليم والطب والهندسة والأرْشفة الإدارية… بسرعة الإنجاز والتنظيم والتنسيق، لكنْ ما نعنيه هو إنتاجاته السردية، التي تنسجها لغـتُه الجافَّةُ غيرُ الدقيقةِ، والتي (ينقصها الماءُ) بتعبير الجاحظ، لأنَّ هذا الذكاءَ علميٌّ بشكل جذري، يهتم في الأساس بالأرقام، ما ينتج عنها أدب آليٌّ، غيرُ طبيعي، يفتقر إلى التماسك الوجداني والدلالي واللغوي الْقُــحِّ، واللمسةِ الإنسانيةِ، باستثـناء قصص الأطفال البسيطة لذوي السنوات الأولى، من سنةٍ إلى خمسِ سنواتٍ، أو ما يُسَمُّونه بـ(قصص قبل النوم) التي ترتكز ـ أساسا ـ على الرسوم أو الصور، المُذَيلةِ بالجُمَلِ والفَـقَـراتِ القصيرةِ، والحَـبْـكاتِ النَّمطيةِ، أو القصص والروايات العلمية والخيال العلمي، والبوليسية، التي تنبني على وقائعَ وأحداثٍ، ذات مضامينَ علميةٍ وقانونيةٍ ثابتةٍ. أما القصة والرواية والسيرة الذاتية والشعر والمسرحية، فهي أجناس أدبية، تـتمخض عن معاناةٍ ذاتيةٍ، وحِسٍّ إنساني خاصٍّ، وذاكرةٍ مُـمْـتـلـئةٍ بالآمال والأحلام والطموحات والتَّصوُّرات والرؤى، ما يستعصي على الذكاء الاصطناعي تشكيلُها وتخليقُها في شكلٍ فَــنِّيٍّ، لـفــقدانه التفكير والإحساس الــذاتــيــيــن!
ويعارض البعضُ هذا الرأيَ، عندما يستشهد برواية «سيدة المتاهات» للكاتب الكندي كارل شرودر، وخلاصتها أنَّ الذكاءَ الاصطناعي، يستطيع أنْ يغمرُ البشريةَ بملايين القصص المكتوبة بشكلٍ جيِّـدٍ للغاية، لدرجة يستحيل علينا قراءتُها وفهمُها بسهولة، فجُلُّها مُصَمَّم بدقة، يفوق العقل الإنساني. لكنْ ينسى هذا البعضُ أنَّها روايةٌ من (الخيال العلمي) ستظل خيالا، تطمح البشريةُ إلى تحقيقه، وليستْ آلةً حقيقيةً، توصَّل الإنسانُ إلى اختراعِها، وتزويـدِها بكلِّ ما يُوَفِّــر لها الحياةَ الطبيعيةَ!
من البديهي أنْ نقول إنَّ الذكاء الاصطناعي، يـنـتعش ويتغذى بالعقل البشري، فهو خاوي الوِفاض، لا يملك شَرْوى نَقيرٍ من الأفكار وأشكال التعبير الفنية، إلا ما يَرتَــشِفُــهُ من ثَـــدْي الأدب والفن والثقافة والعلم والمعرفة، وما يُــلَــقِّــنُهُ له الإنسانُ. يكفي أنَّ اسمَّه مستعار من لَــفْــظ (ذكاء) وإنْ كان لا يتوفر على شيءٍ من اليقظة والنباهة الطبيعيتين، ولو اليسير منهما. ويأتي اسمُه من تفوقه الباهر على الإنسان بقدرته (الحسابية السريعة) لكنَّ غباءه، يتجسد في العجز عن إسناد أيِّ دلالةٍ، أو معــنى لهذه الحسابات، فتبقى مجردَ أرقامٍ وعلاماتٍ، عاريةٍ بلا هويةٍ، وبلا خلفيةٍ أو فكرٍ. ولهذا عَدَّ الفيلسوف الأرجنتيني (ميغيل بيناسايا) أنَّ (إحلال الآلة محلَّ العقل الإنساني فكرةٌ غبيةٌ وتافــهــةٌ) لأنها تُــعَطِّــــل الــمَــداركَ العــقــلــيةَ للإنسان، الــتــي يــنبغي العــنايةُ بها، وصقــلُها وشحذُها حتى تظلَّ مُتَحَكِّمةً ومتـفـوقةً على كلِّ ما في الوجود من كائنات! ومــن هــنا، نعي أنَّ الـذكاءَ الحَيَّ لـيـس تــقــنيةً، أو آلةً حسابيةً، تَــنْــقُــرُها الأناملُ، بل حركة تُبَـلْـوِر الأحاسيس الدفينة النابضة بالحياة، وتُــعَــبِّــر عن الجسد بــتــضاريسه المتـشعبة في صاحبه، ولا يَكْمُنُ كلُّ ذلك إلا في البشر، الذين يتوفرون على الرغــبة الــذاتــية، والوعي بما يؤلفونه من نصوص أدبية. وبطبيعة الحال، فهذه القضيةُ الشائكةُ، التي نطرحها بَحْثا وتَحْليلا ودراسةً، لا تَهُــمُّ الاقــتـصاديـين، فهــم يرفضونها رفْــضا باتًّـا، لأنَّ ما يـطــمحـون إلـيه، بدايةً ونهايةً، هو الحصول على نتائج عملياتٍ وتوقُّعاتٍ حِسابيةٍ مَحْض، لا غَيْر.. فالمشكلة، إذن، هي كيف نخلق (الدلالةَ والمعنى) بالنسبة للأدب، وليس (الْحَـوْسبةَ) بالنسبة للاقتصاد، أي أن الفارقَ بين الذكاءين، الطبيعي والاصطناعي، كيفي للأول، وكمي للثاني. والسؤال الذي يفرض نفسه في هذا المجال: إلى أين يقودنا هذا التوجه الآلي الجديد في التفكير؟ هل إلى التحول البشري من الطبيعي إلى الاصطناعي، أي إلغاءِ إنسانيةِ الإنسانِ؟ رُبَّما لا نشعر بما نفعــل، ولا نعي النهايةَ التي تــؤول إليها بُحوثُــنا العلميةُ، لأننا نسير بسرعةٍ، دون أنْ نَدْري ما نواجهه في طريقنا من مَطَبَّاتٍ، ستنعكس سلبا على الكَـيْـنونة البشرية.. بينما أقــلُّ ما سنواجِهُـهُ من أخطار، هو التهجينُ بين البشر والآلات، بمعنى تشكيلِ كائناتٍ بوحداتٍ من المعلوماتِ، لا بوجداناتٍ مشتركةٍ، تحقق عيشًا اجتماعيّا للإنسان، باعتبار أنَّ (الإنسان كائنٌ اجتماعي بطبعه) كما يقول عبد الرحمن بن خلدون. لكنْ، ما نعاينه حاضرا، هو تهجينُ الكائناتِ الحيةِ بالآلة، بل ستَــزداد هذه العمليةُ، مع ابتكارات التكنولوجيات الحديثة. فالتهجين، إنْ كان لا بُدَّ منه، نظرا للنمو الديموغرافي الْمَهْوِل، ينبغي أنْ يوجِدَ إطارا لحماية الحياة من التلاشي، لا احتلالا للكائنات الحية، عبر الآلات، التي تُنافس الإنسانَ، حتى في إنتاج الأدب. وحمايةُ الحياة، تأتي من الأدب الذي يترجم الرغباتِ والطموحاتِ الإنسانيةَ بسرديةٍ لغويةٍ حيةٍ، نابعةٍ من الوجدان الإنساني، وهذا ما لا يقدر عليه الذكاء الاصطناعي!
إنَّ القضيةَ لـيستْ حديـثـةَ العهـدِ، أو وليدةَ اليوم، فالفيلسوف اليوناني (أفلاطون) قال إنَّ الحياةَ الحقيقيةَ لا توجد في (العالم المادي)، بل في (عالم الأفكار).. وهكذا تطورتْ فكرتُهُ، ليرثَها منه الفيلسوف (ديكارتْ) في القرنِ السابعَ عشرَ، إذ رأى أنَّ (الجسدَ آلةٌ) أي إمكانية التفكير بلا جسد. وها نحن في القرن الواحد والعشرين نكرر مع الفيلسوفـين أنَّ الحياة الحقيقية لا تكمن في الجسد، بل في الخوارزميات، والجسد ليس إلا مرآةً تعكس تلك الأفكارَ، وبالتالي، لِمَ لا يكون الإنسانُ الآلي هو ذلك الجسد، الذي يُعَوِّضُنا؟ وأكَّدْنا ذلك مع الــذكاء الاصطــناعي، عــنــدما حَــلَــمْــنا بأنــنا نحرر أنــفسنا من أجسادنا، ونجعله ينوب عــنا في التفكير والتدبير والتسيير، بل في التعبير عن عواطفنا وحاجاتنا الإنسانية، ما يطمس الحُدودَ بين تأليف الأديب وتأليف الآلة، ويحفِّز الناشرَ على الاكتفاء بالذكاء الاصطناعي، وتحييد العقل البشري، وبذلك ينتهي دور المؤلف، أو بتعبير رولان بارث: موت المؤلف! وإنْ وَرَدَ قولُه في سياق التحليل النقدي للأدب المكتوب. وهناك قضية أخرى، وهي أنَّ الذكاء الاصطناعي يثير تحدياتٍ أخلاقيةً، ذاتَ صِلةٍ بمسألة التأليف، إذ يُلْقي إنشاءُ المحتوى الفني والأدبي بواسطة الخوارزميات أسئلةً، تتناول العلاقةَ بين الإبداع البشري والملكية الفكرية. وأذكر أنَّ أدباء أوروبـيـين رَفَعوا دَعاوى قضائيةً، ضِدَّ إحدى شركات الذكاء الاصطناعي، المسؤولة عن تطوير برامجها، لاسْـتِغْلال أعْــمالِهِــم الأدبية، بلا ترخيصٍ أو إذنٍ، في تدريب (عـقــولهم الآلـية) على نماذج اللغة، والأسلوب، والحَبْكة… وفي المقابل، فإنَّ إفراط الأدباء في اعتماد التكنولوجيا، يؤدي إلى تـقـلـيص مهارات الكـتابة الـتـقـلـيـدية لديهم، وعـملـية تَحْسينِها وتطويرها!
والخلاصة، أنَّ بــيــن الأدب والــذكاء الاصطناعي مسافةً فاصلةً طويلةً، وكل مــنهــما يحـاول أن يستــفــيـد من الآخر، ولا يـتنكــر له. ولا أظــنُّ أنَّ الأدب يتحدى التكنولوجيا الحديثة، أو ينأى بنفسه عن عصر المعلوميات؛ بل إنه يطور ذاته مع كل تطور تكنولوجي. كما أنَّ الأدب والذكاء الاصطناعي يظلان نشيطين، ينتجان أشكالاً فنيةً تحاكي الطبيعة الحية للعقل والعالم وعلاقتهما التواصلية والتكاملية. لكنْ، تظل الكتابةُ عمليةً إنسانيةً، وبالنسبة للذكاء الاصطناعي، يجب أنْ يُسْتَعْمَل أداةً تكميليةً، وليس بديلا أو تعويضا لها، لأنه يوفِّــر إمكانيات وتحديات في عالم الكتابة، لا غنى عنها للأديب!

كاتب من المغرب

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية