كنا في جلسة رمضانية متسعة قليلا فقرر أحد مخضرمي الإعلام والسياسة في الأردن توجيه سؤال لأحد رموز التيار السلفي المعتدل قائلا: يا سيدنا الشيخ بين يديك صاروخان تنوي إطلاقهما من عمان فأين تطلقهما على تل أبيب أم على قم؟.
السؤال بدا مباغتا ولا يخلو من الدهاء والخبث والجواب لم يكن حاسما وعلى طريقة: قم فيها شر لابد من مواجهته ولا أغفل في الوقت نفسه عن تاريخ عداوتي مع تل أبيب.
أهمية هذا السؤال وبصرف النظرعن الجواب تنحصر في زاويتين، الأولى أنه يستعيد كل ما في ذاكرة الأمة اليوم من ذكريات حزينة بعنوان الصراع الطائفي وتحديدا بين السنة والشيعة ويعكس سعي ورغبة النظام الرسمي العربي وتحديدا المحور السعودي والخليجي عموما في تفعيل مؤشرات الصراع الطائفي تحت العنوان الإيراني.
أما الزاوية الثانية فهي تلك المتعلقة في الواقع المنحط الذي وصل إليه مستوى العداء مع إسرائيل في وجدان المواطن العربي حتى بات من الممكن في المجالس والمؤانسات العمل على المقاربة أو المقارنة بين عداء العربي لإسرائيل مقابل العداء لإيران.
بكل الأحوال لا يتعلق الأمر بإطلاق صاروخ هنا أو هناك فحجم الإنفصام الذي زرعنه فينا طهران عندما سمحت لحلفائها وصبيتها بإستهداف أهل السنة في العراق سمح للشيخ السلفي الأردني بأن يحتار إزاء سؤال مؤرق بهذا الحجم.
لا أحد بطبيعة الحال يتعدى إسرائيل بحجم إستهدافها لنا وبحجم الدماء التي أسالتها فينا ولا يحجم جرائمها في شعبنا الفلسطيني التي لا تقل عن جرائم الجيش الأمريكي في شعبنا العراقي.
لكن إيران خذلتنا في العراق وحزب الله خذلنا في سورية عندما دخل المعادلة تحت قاعدة {لن تسبى زينب مرتين}.
منظر الدماء المجانية في شوارع حمص والقاهرة وحتى بغداد هذه الأيام حجة ضدنا عند العدو الإسرائيلي ولسان الصهيونية ممدود لنا بخفة لكي يقول لنا: كم أنتم أغبياء ..أنتم تنافسوننا في قتلكم.
أي غفران يمكن أن يرتجيه الشهداء الذين سقطوا على أيدي أعداء الأمة وخصومها عندما يشاهدوننا كيف نسقط بعدهم بأيدي أنفسنا ..ينطوي الأمر فعلا على شعور بالعار والخجل فمن غير المعقول ولا المقبول أن تتساوى قم وتل أبيب في الخصومة هذه الأيام أو أن نقول لإسرائيل بعدة لغات بأن بيننا مجرمين متميزين لا قبل لها بهم يديرون لعبة الدم بيننا بكفاءة.
العدو واحد وواضح وأي بوصلة لا تشير لتحرير القدس {خائنة} كما يقول صديقنا ممدوح العبادي.
ولا يمكن القبول بأن تجلس قم إلى جانب تل أبيب في قائمة الأعداء وتلك مشكلة ليس النظام العربي فقط هو المسؤول عنها بل النظام الإيراني بصورة خاصة وعليه أن يقدم للناس إجابات على كل الأسئلة المعلقة التي تتعلق بأدائه في العراق أولا وفي سورية ولبنان ثانيا.
لا أقبل شخصيا تحت أي ظرف أن ينافس إسرائيل أي طرف آخر في سجلات عداوتي وخصومتي لكن على طهران أن تسحب كل الذرائع التي يمكن أن يتمسك بها وكلاء الولايات المتحدة في المنطقة العربية لتسويق وترويج العداوة مع أهل السنة حيث لا زال ما يحصل ضدهم في سجون حكومة المالكي في بغداد مدعاة للقلق والإرتياب.
صفقنا بالروح والقلب والوجدان لحزب الله عندما وحد لصالح الأمة بوصلة السلاح والمقاومة ضد العدو الإسرائيلي لكن لا نستطيع التصفيق له عندما انحرف في بوصلته تحت وطأة إيقاع المنطقة وحساباتها مستدعيا في إعلامه وخطاب بعض قادته أدبيات الزمن الغابر التي تسمح لبعض ضعاف النفوس بيننا في ترويج الفتنة والتحدث باللسان الطائفي.
المتربصون بهذه الأمة صنعوا فتنة جديدة في مصر المحروسة بعد الفصام الذي أشغلونا به في سورية ولا زال الدرس الأساسي للربيع العربي هو ذلك الذي يستغرب من حجم الغضب الذي كشفه الربيع بيننا وضد بعضنا فلو وجه هذا الغضب لإسرائيل لزالت فعلا من قديم الزمان.
وإسرائيل بدورها لا زالت المصنع اليتيم للألم والمعاناة في عالمنا الذي نعرفه وسؤال الإستفسار بين قم وتل أبيب ناتج فعلا عن حال الأمة المزري حيث يروج البعض هذه الأيام لمشروع جون كيري الجديد لإنعاش المفاوضات وعملية السلام في المنطقة على أساس أنه محاولة لإستعادة زمام المبادرة للنظام الرسمي العربي بالتعاون مع إسرائيل للأسف تحت عباءة الخوف من الطموحات الإيرانية والهلال الشيعي والتدخلات التركية.
الجماعة في عمان ورام الله يطيشون فوق شبر من المياه مع كيري المتحمس جدا وأحد المقربين من الرئيس الفلسطيني محمود عباس قال لي شخصيا بأن عباس يشعر بأن العملية التي أطلقها كيري ودفعت صائب عريقات للسفر مجددا إلى واشنطن قبل يومين {عبثية} من حيث النتائج.
عباس يرى أن النقطة الوحيدة الجيدة في العملية الجديدة تتمثل في إحتمالية الإفراج عن 104 أسرى من المحكومين بالمؤبد.
دون ذلك لا يرى رئيس فلسطين أي فائدة ترجى من المفاوضات الجديدة بعدما تبين للجميع أن شخصين فقط متحمسان لها هما وزير الخارجية الأمريكي جون كيري ونظيره الأردني ناصر جودة الرجل الأبرز وقد يكون الوحيد في المطبخ السياسي الأردني.
بالنسبة لأحد الخبراء في التفكير الإسرائيلي فتل أبيب تريد {عملية} ولا تريد {سلاما} والهدف واضح ويتمثل في الحفاظ على التوزانات في المعادلة الداخلية والظهور بمظهر إيجابي مع الغرب وتحديدا أوروبا وتضليل أوباما بنفس الوقت.
إنها مرة أخرى طبخة الحصى التي تلهي الجميع وتضللهم عبر لعبة الإيحاء بالمفاوضات أكثر من إطلاق مفاوضات منتجة وحقيقية.
إسرائيل بذلك تكرس القـــــناعة بأنها كانت ولا زالت وستبقى هي {العدو والخصم} ولا يمكن إستغلال الأوضاع الصعبة في أكثر من بلد عربي لإنتاج إيحاءات متباينة عن أعداء آخرين.
ينبغي أن لا تتشتت البوصلة وأن يتوقف الخلط بين قم وتل أبيب على أن تبادر قم هي الأخرى لطمأنة الشارع العربي والنظام العربي الرسمي وعلى أن تعمل طهران على ضبط إيقاع أزلامها في العراق وسورية ولبنان وفقا لمعادلة عربية إسلامية جديدة قوامها الإحترام المتبادل وتفهم المصالح الثنائية والأهم حماية الأبرياء من مذابح الإستهداف الطائفي المجنونة وفي الطرفين قبل ان يتفرغ الجميع لاحقا للعدو الأصلي والحقيقي.
عندها فقط سنعفي أنفسنا وشعوبنا من تبعات وتداعيات ونتائج الصراع الطائفي وستبقى تل أبيب كما كانت دوما العدو الواحد والأوحد ولا شيء إطلاقا دون ذلك ما دامت فلسطين محتلة.
‘ مدير مكتب ‘القدس العربي’ في الاردن