إيران تراهن على الصمود وتعطيل الطاقة للتغلب على أمريكا وإسرائيل

حجم الخط
0

دبي: تراهن إيران على قدرتها على الصمود أمام الولايات المتحدة وإسرائيل، ليس عسكريا، وإنما من خلال تحويل الحرب إلى صراع قاس يصعب تحمله. واستراتيجيتها في سبيل هذا واضحة: إطلاق الطائرات المسيرة والصواريخ وقطع طرق الطاقة الحيوية وزعزعة الأسواق العالمية بقوة ‌كافية لإجبار واشنطن على التراجع أولا.

وعلى الرغم من صدمة الضربات الأمريكية الإسرائيلية وفقدان شخصيات رئيسية، فإن الحرس الثوري- الذي كان على الدوام الحارس الأساسي للجمهورية الإسلامية- يسيطر بثبات على الوضع ويوجه ساحة المعركة وينفذ خطط الطوارئ المعدة مسبقا ويملي الاستراتيجية والأهداف في الحرب.

ولعب الحرس الثوري أيضا دورا حاسما في ترقية مجتبى خامنئي إلى منصب الزعيم الأعلى بعد مقتل والده آية الله علي خامنئي في الضربات الأمريكية الإسرائيلية في بداية الحرب.

وقال فواز جرجس من كلية لندن للاقتصاد “إنهم يخوضون معركة وجود، هذه حرب شاملة”. وأضاف “إنهم يعتقدون أن بقاءهم على المحك. إنهم مستعدون لتدمير المعبد على رؤوس الجميع”.

وأضاف أليكس فاتانكا، وهو باحث كبير بمعهد الشرق الأوسط وخبير في السياسة الإيرانية، “إنهم مثل حيوان ينزف مصاب بجروح، ولكنه لذلك أكثر خطورة من أي وقت مضى”.

وهذه العقلية الحربية الشاملة هي السبب وراء تصعيد إيران ضرباتها عبر الخليج، مستهدفة مراكز الطاقة من قطر إلى السعودية لرفع الاضطراب الاقتصادي لأقصى حد في محاولة محسوبة لزيادة التكاليف على جيرانها وأوروبا والولايات المتحدة واختبار إرادة واشنطن السياسية.

وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للمشرعين الجمهوريين الاثنين إن الحرب ستستمر حتى “هزيمة إيران هزيمة كاملة وحاسمة”، لكنه توقع أن تنتهي قريبا.

وأضاف أنه بمجرد انتهاء الولايات المتحدة من العملية العسكرية على إيران، فلن يكون لدى طهران أي أسلحة تستخدمها ضد الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفاء واشنطن لفترة طويلة. ويقول عالمون ببواطن الأمور في إيران إن هذا التصعيد كان متوقعا قبل وقت طويل من بدء الحرب قبل 11 يوما.

وافترض المخططون الإيرانيون أن المواجهة مع واشنطن وإسرائيل أمر لا مفر منه، وأعدوا استراتيجية متعددة المستويات منسقة عبر شبكات الحرس الثوري العسكرية المترامية الأطراف وقوات بالوكالة. والآن، ومع قلة ما يمكن أن تخسره، تنفذ إيران تلك الخطة وتحول الصراع إلى حرب استنزاف طاحنة تهدف إلى إرهاق خصومها سياسيا واقتصاديا.

وبدأت العواقب تظهر بالفعل في الداخل.

ويقول العالمون ببواطن الأمور إن اختيار مجتبى زعيما أعلى يثبت هيمنة الحرس الثوري “كصانع الملوك”. ويشيرون إلى أن ميزان القوى قد تغير. وعلى الرغم من اختيار زعيم أعلى جديد، فإن مستقبل الجمهورية الإسلامية وسلطة المؤسسة الدينية نفسها يعتمدان الآن على قدرة الحرس الثوري على الصمود في وجه العاصفة التي أطلقتها الحملة الأمريكية الإسرائيلية.

إلى متى؟

لكن أحد العوامل المجهولة الحاسمة في الحرب، مثلما يقول مهند حاج علي الباحث الكبير في مركز كارنيجي للشرق الأوسط، هو المدة التي يمكن للحرس الثوري أن يستمر فيها بحملته الصاروخية، التي تشكل العمود الفقري لاستراتيجيته ضد أعدائه.

ويقول مسؤولون أمريكيون إن جزءا كبيرا من ترسانة إيران قد دُمر بالفعل، لكن مصادر إقليمية تقول إن طهران قد لا تزال تحتفظ بأكثر من نصف مخزونها قبل الحرب. وإذا صحت هذه التقديرات، فإن إيران يمكن أن تستمر في إطلاق الصواريخ لعدة أسابيع أخرى، وهو إطار زمني قد يكون مهما لواشنطن مع تزايد الضغوط الاقتصادية في الداخل والخارج.

ويمتد نفوذ الحرس الثوري أيضا إلى ما هو أبعد من ساحة المعركة، حيث يعيد تشكيل الحياة اليومية. وقال مراقب إيراني إن البضائع التي كانت تظل ‌لأسابيع في الموانئ يتم الآن تخليصها على الفور. وتأتي الإجراءات الورقية لاحقا.

ووصف المسؤولون ذلك بأنه استعداد لاقتصاد حرب، لضمان استمرار خطوط الإمداد تحت الضغط، مع تعزيز سيطرة الحرس الثوري على الدولة وتأكيد استمرار الحكم.

وللاستقرار الداخلي القدر نفسه من الأهمية. وأفاد مراقبون ومصادر داخل إيران بأنه لا توجد حتى ‌الآن أي مؤشرات على احتجاجات أو انشقاقات في صفوف النخبة أو انقسامات داخل المؤسسة. ووصف أحد العالمين ببواطن الأمور في طهران المدينة بأنها تتعرض للقصف لكنها لا تزال تعمل. وقال “تهتز النوافذ ليلا ونهارا، لكن الحياة تستمر”. ولا تزال المتاجر والبنوك مفتوحة والإمدادات متوفرة ولم يفر معظم السكان من العاصمة.

ومع ذلك، أشار إلى أن الهجمات قد تؤدي إلى نتائج عكسية عما تهدف إليه واشنطن وإسرائيل. فعلى الرغم من المظالم الطويلة الأمد مع الحكومة، فإن موجة من التضامن ‌الوطني تنتشر مع استهداف الهجمات للبنية التحتية والحديث علنا عن احتمال اندلاع موجات تمرد داخلي.

وقال المصدر “الناس ليسوا مستعدين لتفكك إيران”. وفي الوقت الحالي، قد يمنح هذا الشعور القيادة مزيدا من الوقت. وأضاف المصدر “لا أعرف ما إذا كان النظام سيبقى على المدى الطويل. لكنه لن ينهار خلال الأسبوعين المقبلين”.

من سيتراجع أولا؟

وبالنسبة للخبراء الاستراتيجيين من كلا الجانبين، تتحدد الحرب على نحو متزايد من خلال اختبارين متوازيين للقدرة على التحمل: الأول ما إذا كان بإمكان إيران الاستمرار في إطلاق الصواريخ والثاني ما إذا كان بوسع الولايات المتحدة وإسرائيل تحمل التكاليف الاقتصادية والعسكرية والسياسية لوقفها. وقال جرجس “السؤال الكبير هو من سيتراجع أولا في هذه الحرب الشاملة، دونالد ترامب أم قادة إيران؟”.

ومن خلال رفع أسعار الطاقة وجعل الاقتصادات الغربية تئن تحت وطأة المعاناة المالية، تأمل طهران أن يؤدي الضغط إلى إجبار الولايات المتحدة على التراجع.

وتشير المؤشرات الأولية إلى أن الآثار بدأت تظهر بالفعل. فأسعار النفط ترتفع وتكاليف الغاز تزداد والاضطراب السياسي يتزايد في واشنطن مع تداخل التداعيات الاقتصادية مع انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر تشرين الثاني. وقال جرجس إن ترامب قد يسعى في النهاية تحت هذا الضغط إلى الخروج من المأزق بإعلان النصر، مستشهدا بقتل الزعيم الأعلى الإيراني وتدمير قدرات إيران النووية والصاروخية وبنيتها التحتية العسكرية الرئيسية. غير أنه بالنسبة لطهران، سيكون البقاء وحده كافيا.

وحتى لو دُمر معظم بنيتها التحتية الاستراتيجية، يمكن للقيادة الإيرانية أن تعلن الانتصار والبقاء في مواجهة واحد من أكبر الأساطيل العسكرية في التاريخ. وقد تخرج إيران جريحة، لكنها في هذا الوضع قد تكون بالخطورة نفسها- وربما أكثر تقلبا وغموضا- من المؤسسة التي دخلت هذا الصراع.

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية