حدث قبل سنوات أن دخلت مطعما إيرانيا في عاصمة أوروبية برفقة صديق كانت قد فرّقت بيني وبينه السنون والظروف. بعد أن أكلنا وشربنا، جاءنا مَن اعتقدنا من تحركاته في المكان أنه صاحب مسؤولية ليسأل هل نريد شيئا آخر. سارع صديقي للجواب: قهوة عربية لي. ردّ الرجل بأسرع منه وبلغة مهشَّمة: لا يوجد.. هذا مكان فارسي! قالها بحدة وقلة ذوق أقرب إلى الوقاحة. قلت له: إذا كانت هذه طريقتك في معاملة زبائنك فهنيئا لمنافسيك. دفعنا الحساب وخرجنا من دون كلمة شكر واحدة.
رفضت، كما أحاول دائما، أن تجرّني هذه الواقعة إلى إصدار أحكام «سجادية» عن الإيرانيين فقط لأن أحدهم كان فظاًّ معنا. لكنها فتحت نقاشا مع صديقي حول إيران والإيرانيين وعلاقتهم بالعرب والأحكام السائدة لدى هؤلاء عن أولئك.
قال صديقي «عمري ما حبيت الإيرانيين». وقال إن الانطباع الذي لديه أنهم ينظرون للعرب باحتقار ودونية. فقلت إن انطباعي أن ما تعتبرها نظرة احتقار للعرب ليست حكرا على الإيرانيين، وأن هناك الكثير من الأتراك، على سبيل المثال لا الحصر، ينافسونهم فيها. أما الغربيون والإسرائيليون وغيرهم فحدِّث ولا حرج.
يفرض الجدل حول إيران نفسه بين العرب كلّما تأزمت أوضاع دولة من دول الشرق الأوسط داخليا (لبنان مثلاً) أو اشتعلت جولة من جولات الحروب الإقليمية التي ترفض أن تتركه.
أصبحت إيران جزءا من نسيج الشرق الأوسط وتقلباته اليومية، فكان طبيعيا أن تثير الانقسام بين مؤيد معجب بها وبما حققته، ومحتج عليها متقزز مما تفعل. ولم تشفع لإيران جهودها المستمرة لربط حضورها ودورها في الشرق الأوسط بالصراع مع إسرائيل ودعمها المزعوم للقضية الفلسطينية.
اللافت في الأمر أن علاقة قطاع واسع من العرب، شعوبا وحكومات، بإيران تطورت خلال السنوات العشرين الأخيرة في اتجاهين: من اعتبار إيران مجرد جار مثير للشك والريبة إلى عدو يجب التصدي له عند فئة. ومن اعتبارها عند فئة أخرى مجرد جار إيجابي يمكن الاستفادة منه إلى حليف يُعوّل عليه لأنه الوحيد القادر على رفع معنويات سكان المنطقة وتحقيق ما عجز عنه الحكام العرب والشعوب معاً.
إن المنطقة العربية، ومثلما هناك من يدّعي أنها لا تتحمل التدخلات الإيرانية، فهي حتما لا تتحمل الغطرسة الإسرائيلية (والأمريكية)
في الحالتين هو نوع من التعويض.. تعليق العرب خيباتهم على ما يفعل غيرهم من هنا، والبحث عن إنجازات الآخرين لنسبها لأنفسهم كما فعلوا في كل شيء، من السياسة إلى الفن وكرة القدم، من هناك. لقد أصبحت ثقافة اتهام الآخر لدى هؤلاء، والاستيلاء على إنجازاته لدى أولئك ثقافة عربية قومية بامتياز. ينسحب هذا على خيوط علاقة العرب بإيران وتركيا وحتى فرنسا بالنسبة للبعض.
إذا استثنينا الولاءات العقائدية والطائفية، يصبح ممكنا القول إن منسوب الغضب والحقد على إيران يرتفع كلما كان الطرف صاحب هذا الشعور قريبا من مسرح تحركها ومتأثرا به مباشرة، كما هو الحال في سوريا والعراق ولبنان. وتقلُّ المشاعر السلبية كلما بعدت المسافات فيحل محلها الإعجاب في دول بعيدة عن مسرح التوتر، كما هو الحال في دول شمال إفريقيا حيث يغلب الشعور بالحياد الإيجابي تجاه إيران، وأحيانا الإعجاب.
وفي حضرة القنوات الفضائية ثم منصات التواصل الاجتماعي في مرحلة لاحقة، انتشرت هذه المقاربة بقوة وسرعة أكبر وأصبحت جزءا من نقاش صاخب ومستمر.
من الطبيعي أن إسرائيل استثمرت في الخلافات العربية حول إيران وساهمت في تغذية المشاعر السلبية تجاهها لأنها المستفيد الأول من تداعياتها. ألم يقل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في أول تعليق له على الحرب الحالية إن إسرائيل تدافع عن جيرانها العرب؟ وقبل ذلك كم من مرة كرَّر هو وقادة إسرائيليون آخرون أنهم يتشاركون مع العرب في العداء لإيران.
اليوم وإيران في حالة حرب مع إسرائيل، ومن ورائها الولايات المتحدة وأوروبا، ينقسم العرب مرة أخرى بين مبتهج وحزين. المواقف في أغلبها عاطفية مدفوعة بعقلية القطيع، وليس أكيداً أن الغوغائيين الذين يملأون منصات التواصل الاجتماعي ضجيجا، في هذا الاتجاه أو ذاك، يدركون عواقب هذه الحرب على الجغرافيا والمستقبل العربيَين إذا ما امتدت زمنيا واتسع نطاقها جغرافيا. كما يغيب عن النقاش الخوف من أن لا إسرائيل ولا إيران سترحم العرب إذا ما قُدِّر لواحدة أن تقهر الأخرى. فإذا ما انتصرت إسرائيل ستمد رجليها حتى شمال إفريقيا، وإذا ما انتصرت إيران ستعيد إحياء شبكاتها الإقليمية بشكل يدفع ثمنه العرب قبل غيرهم.
التشفي في إيران لا يحقق للعرب مكاسب استراتيجية لأن إسرائيل، وبعد أن تنتهي من إيران، ستعلن نفسها إله الشرق الأوسط الجديد ترسم حدوده وتكتب تاريخه ومصيره مثلما يفعل المنتصرون دائما.
لا يعني هذا أن إيران ستحمي العرب من العصا الإسرائيلية، لكنها على الأقل تشغلها عنهم ولو جزئيا ومؤقتا.
في كل الأحوال سيبقى العرب، كما كانوا دائما، العنصر السلبي عديم التأثير في معادلات تعنيهم قبل غيرهم. وستتعاظم سلبيتهم وشعورهم بالصغر لأن الذي ينتصر في الحرب الحالية سيُعيّرهم ويُحمّلهم جميل أنه أراحهم من الآخر.
لكن من المهم القول إن المنطقة العربية، ومثلما هناك من يدّعي أنها لا تتحمل التدخلات الإيرانية، فهي حتما لا تتحمل الغطرسة الإسرائيلية (والأمريكية). ولذلك تصبح الحاجة إلى نوع من التوازن أكثر من ضرورة. وإذا كان لا مفر من أن الشيطان هو الذي يحقق التوازن المطلوب في غياب غيره، فليكن.
لقد شاهدنا ماذا فعلت الولايات المتحدة وتفعل بالعالم منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، وذلك بسبب غياب قوة ردع عسكرية واستراتيجية تقابلها. أحمق من ما زال يعتقد أن إسرائيل والولايات المتحدة ستكونان مصدر خير للعرب.
كاتب صحافي جزائري