إنجاز عملية تبادل الأسرى و”القسام” تؤكد أن غزة قدّمت أغلى ما تملك

أشرف الهور
حجم الخط
0

غزة- “القدس العربي”: في أكبر عملية تبادل للأسرى بين الفلسطينيين والإسرائيليين، أطلقت المقاومة في قطاع غزة سراح 20 إسرائيليا مقابل نحو 2000 أسير فلسطيني. وتمّت العملية بعيدا عن المراسم العلنية المعتادة، في إطار المرحلة الأولى من صفقة التهدئة التي وُقّعت قبل أربعة أيام، على أن تتبعها مراحل لاحقة لإنهاء الاحتلال وبدء إعادة الإعمار.

صفقة بلا مراسم

بخلاف صفقات التبادل السابقة، لم تُنظَّم احتفالات أو فعاليات علنية. فقد أفرجت المقاومة عن آخر 20 أسيرا إسرائيليا على قيد الحياة لديها منذ السابع من أكتوبر 2023، بعد مفاوضات شاقة تخلّلها خلاف حول الإفراج عن كبار قادة الأسرى الفلسطينيين.

جرت العملية الأولى في مدينة غزة عند الثامنة من صباح الاثنين، حيث سلّمت المقاومة سبعة أسرى إسرائيليين داخل مبنى مغلق حُدد موقعه سرا. دخلت سيارات الصليب الأحمر الدولي المبنى عبر بوابة أُغلقت فورا، وسط انتشار لعناصر من “كتائب القسام” بلباس أسود وأسلحة رشاشة، فيما تجمّع مواطنون أمام المكان بعد انكشاف موقع التسليم.

وانطلقت عربات الصليب الأحمر إلى نقطة متفق عليها مع الجانب الإسرائيلي، حيث نُقل الأسرى إلى قاعدة “رعيم” قرب الحدود. وفي مشهد مشابه، سلّمت المقاومة 13 أسيرا آخرين من خان يونس داخل حقل زراعي، قبل أن يتم تسليمهم إلى الجيش الإسرائيلي.

وبحسب مصادر “القدس العربي”، لم تُكشَف مواقع التسليم الدقيقة إلا في اللحظات الأخيرة للجنة الصليب الأحمر، بعد أن جمعت المقاومة الأسرى من أماكن احتجازهم المختلفة. وأوضحت اللجنة أن دورها في العملية “وسيط محايد” دون أي تدخل في المفاوضات.

اختفت هذه المرة البروتوكولات التي كانت ترافق الصفقات السابقة، مثل المنصات واللافتات التي تحمل صور قادة “حماس” وشعاراتها، التزاما ببنود اتفاق التهدئة الذي نص على تجنّب المظاهر الاحتفالية. كما لم تُدعَ وسائل الإعلام إلى مواقع التسليم، واكتفت الحركة بتوثيق العملية داخليا.

اتصال من غزة إلى تل أبيب

اللافت في هذه الصفقة كان سماح “كتائب القسام” للأسرى الإسرائيليين بإجراء مكالمات قصيرة مع عائلاتهم قبل تسليمهم. وظهرت لقطات بثها الجيش الإسرائيلي تُظهر الأسرى بحالة صحية جيدة، يسيرون بشكل طبيعي دون آثار إنهاك.

في المقابل، نظّمت “حماس” احتفالات حاشدة في غزة لاستقبال الأسرى الفلسطينيين المحرَّرين. وأشرفت اللجنة الدولية للصليب الأحمر على نقلهم من معبر كرم أبو سالم إلى خان يونس، وسط صعوبات كبيرة في توفير الحافلات نتيجة الدمار الواسع الذي خلّفته الحرب.

وصل معظم الأسرى إلى قطاع غزة بعد انتظار طويل، بينما نُقل آخرون إلى مصر بسبب رفض إسرائيل إعادتهم إلى الضفة الغربية. وذكرت هيئة شؤون الأسرى ونادي الأسير أن من بين المفرَج عنهم 250 أسيرا من ذوي الأحكام العالية، بينهم 154 جرى إبعادهم، و96 أُطلق سراحهم داخل الأراضي الفلسطينية، من بينهم ثمانية من سكان غزة.

شهادات من الأسر

روى عدد من الأسرى المفرج عنهم معاناتهم في السجون الإسرائيلية. وأكد أحدهم، اعتُقل بعد السابع من أكتوبر، أنهم تعرّضوا للتعذيب وسوء المعاملة، وازدادت قسوة السجانين خلال الأيام الأخيرة قبل الإفراج. وقال أسير آخر: “أول مرة أرى السماء بلا سياج”.

من بين الأسرى شقيقان فقدا والدهما وأحد أشقائهما خلال الاعتقال. وروى أحدهما أن التعذيب ومنع العلاج كانا ممنهجين داخل السجون. وفي مشاهد مؤثرة، تسلق أطفال الحافلات لعناق ذويهم، وسجد الأسرى على الأرض فور نزولهم، بينما نُقل بعضهم على كراسٍ متحركة.

وقال أسير يُدعى محمد لـ”القدس العربي” إن السجانين كانوا يطلقون الرصاص المطاطي على الأسرى ويمنعون عنهم الدواء، مضيفا أن جده البالغ 83 عاما استُشهد تحت التعذيب في سجن “سديه تيمان”. وأوضح أنهم لم يذوقوا طعاما كافيا منذ ثلاثة أيام بسبب التنقلات المتكررة بين السجون.

تكريم الأسرى

احتشدت جماهير غفيرة في ساحة مجمع ناصر الطبي بخان يونس لاستقبال الأسرى، مرددة هتافات مؤيدة للمقاومة. ومن بين المفرَج عنهم من قضى أكثر من 25 عاما في الأسر، وآخرون اعتُقلوا خلال الحرب الأخيرة. كثيرون عادوا بأمراض مزمنة بعد سنوات من العذاب وسوء المعاملة ونقص الطعام والماء.

وأكدت عائلات الأسرى أن بعض ذويهم كانوا مفقودين منذ أشهر، ولم يُعرف مصيرهم إلا بعد إدراج أسمائهم في الصفقة. وخضع معظمهم فور وصولهم لفحوص طبية في مجمع ناصر.

ثمرة الصمود

وصفت “كتائب القسام” الاتفاق بأنه “ثمرة صمود شعبنا وثبات مقاوميه”، مؤكدة التزامها بتنفيذ بنود الصفقة ما التزم الاحتلال بها. وقالت إن إسرائيل فشلت في استعادة أسراها بالضغط العسكري رغم تفوقها الاستخباري، واضطرت إلى القبول بالتبادل، مضيفة أن المقاومة أوفت بوعدها باستعادة الأسرى الفلسطينيين.

وقالت في بيانها: “لقد قدّمت غزة ومقاومتها أغلى ما تملك، وسعت بأقصى ما تستطيع لكسر قيدكم. عهدًا أن تبقى قضيتكم في صدارة أولوياتنا الوطنية حتى تنالوا حريتكم جميعا”.

وأكدت حركة “حماس” أن الصفقة تأتي ضمن تنفيذ المرحلة الأولى من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لوقف الحرب على غزة، مشددة على ضرورة التزام إسرائيل بجميع بنود الاتفاق، ومواصلة الوسطاء ضمان تنفيذه الكامل.

وقالت: “تحرير أسرانا الأبطال، ومن بينهم أصحاب المؤبدات، هو ثمرة بطولة وصمود شعبنا، ولن يهدأ لنا بال حتى تحرير آخر أسير من سجون النازيين الجدد، وزوال الاحتلال عن أرضنا ومقدساتنا”.

ملامح المرحلة الأولى

تنفَّذ الصفقة وفق المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار بين حماس وإسرائيل، الذي طرحه الرئيس الأمريكي، ودخل حيّز التنفيذ الجمعة الماضية. وتشمل الخطة انسحابا جزئيا للجيش الإسرائيلي من قطاع غزة، وصفقة تبادل الأسرى، وتسهيل دخول المساعدات الإنسانية إلى السكان.

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية