«إلياس خوري»… الكتابة وأسئلة الخيال والواقع

القاهرة ـ «القدس العربي»:  «ما يستحق أن نموت من أجله، هو ما نريد أن نعيشه».
»حرب 1948كانت حرباً بين العرب، وليست حرباً ضد إسرائيل».
(إلياس خوري)
تمر هذه الأيام الذكرى الأولى لرحيل الكاتب والروائي والناقد اللبناني إلياس خوري (12 يوليو/تموز 1948 ــ 15 سبتمبر/أيلول 2024)، والذي يُعد من الكُتاب العرب القليلين الذين حاولوا توحيد الرؤية في كل ما يكتبونه، بمعنى عدم الفصل بين ما يكتبه سواء في مجال الإبداع والنقد الأدبي، أو الكتابة والممارسة السياسية، أي ما يعيشه ويكتبه بالفعل، مهما كانت هذه الآراء محل جدل كبير. فما كان يهم الرجل هو موقفه المؤمن به بغض النظر عن إيمان الآخرين بما يعتقده، خاصة الشك في مفهوم (الضحية) و(المؤامرة) وكيفية معالجتها ومقاومتها بمعنى أدق.
من ناحية أخرى تثير أعمال خوري على اختلافها الكثير، من حيث ارتباطها بالواقع وقضاياه ومساحة الخيال، الذي يبدو في بعض الأحيان أنه يُعيد تشكيل هذا الواقع، وفق صياغة وثيقة الصلة بهذا الواقع، فأي منهما يُشكّل الآخر ويُنتجه؟ هذا التساؤل يمتد إلى مؤلفات ومقالات ودراسات إلياس خوري. في الموضوع التالي نستعرض بعض أقواله من خلال حواراته، وكذا بعض ما كُتب عنه وعن أعماله..

الواقع والخيال
ونبدأ بمفارقة الواقع والخيال، وأي منهما لديه القدرة على صياغة الآخر، ونذكر موقفين مختلفين ذكرهما خوري خلال أحاديثه، من خلال عملين أدبيين له، أولهما رواية «الوجوه البيضاء» 1981 فيقول «هي رواية عن رجل فقير كان يعمل في البريد، واستشهد ولده الوحيد. مرّ هذا الرجل بلحظات عصيبة على المستوى النفسي، ووُجد في النهاية «يطرش» حيطان بيروت بالأبيض، ويبدو أنه قُتل مثلما هو مكتوب في الرواية. فمرة كنت جالساً في مكتبي في جريدة «السفير»، إذ يأتيني شاب يخبرني أنهم رأوا خليل أحمد دياب. قلت:»شو!» قال: «نعم، قرب فندق الكارلتون.» سألت: «ماذا يفعل؟» أجاب الشاب: «يطرش». ذهبنا بالسيارة، ووجدنا شخصاً مثله تماماً. اللباس ذاته، وله اللحية ذاتها، و»الكبوت» ذاته، و»يطرش». تقدمت منه لأتحدث إليه، لم يرد. رمى «البويا» وهرب. ربما خاف من أن أكون قد أتيت لمحاسبته على ما يفعل. شعرت آنذاك بأن هذه القصة هائلة عن علاقة الواقع بالخيال، من دون أن أقوم أنا بربطهما، فقد خُلقا مربوطين». (راجع بانة عبد الله ماضي. مجلة الدراسات الفلسطينية عدد 142 ربيع 2025). وفي موقف آخر يذكر أنه «بعد صدور رواية (باب الشمس) بسنوات، وتحديداً سنة 2013، أقدم شبان فلسطينيون على احتلال منطقة فلسطينية وأطلقوا عليها اسم «باب الشمس» ونصبوا فيها الخيم ودافعوا عنها واشتبكوا مع الإسرائيليين. وقتها اكتشفت أن المتخيل أصبح واقعاً، مثلما الواقع يتحوّل إلى الخيال… أعتقد أن الواقع يصنع الخيال، والخيال يصنع الواقع، وأنا أعيش في المنتصف بين الواقع والخيال، وهو الذي ينتج روايتي، وفي رأيي هكذا ينتج الأدب» (راجع.. المدن في 22/4/2024).
الأمر نفسه تؤكده سيزا قاسم عند تناولها رواية «أولاد الغيتّو» فتذكر أن خوري يقول، إنه لم يكتب هذه الرواية، بل حصل على النص من فتاة كورية من طلابه في جامعة نيويورك الذي يدرّس فيها. لم يكن النص مكتملاً، ولكنه كان عبارة عن صفحات مكتوبة على دفاتر جامعية عادية، فاحتار إلياس أمام هذه الدفاتر ماذا يفعل بها؟ هل ينسبها إلى نفسه ويصوغها في شكل رواية؟ إلا أنه في النهاية قرر أن ينشرها كما هي. فمن هو صاحب هذه الدفاتر؟ إنه رجل ملتبس الهوية. يظنه البعض إسرائيليا لأنه يتحدث العبرية بطلاقة ويعمل في مطعم يملكه رجل إسرائيلي، بينما يظنه آخرون فلسطينياً، لأنه يمتلك ناصية اللغة العربية. حتى إن خوري قابل الرجل عن طريق طالبته الكورية التي عرّفته به. وحدثت مشادة بينهما لأن الرجل، واسمه (آدم دنون) اعترض على أن روايته «باب الشمس» مليئة بالمغالطات، لأنه يعرف كل الأشخاص المذكورين في الرواية وأن إلياس خوري أجحفهم حقهم.
يخلط الكاتب الأمور منذ الصفحات الأولى، إذ يدخل الواقع في المتخيل، والخيال في الواقع. ويدخل إلياس خوري نفسه في عالم الرواية التخييلي، وبذلك يؤكد أن لا حقيقة للواقع، ولا وهم في التخييل.

الحرب اللبنانية
كتب خوري العديد من الروايات عن الحرب اللبنانية، وقد نشر روايته الأولى «عن علاقات الدائرة» في العام نفسه من اندلاع هذه الحرب 1975. كذلك في «الجبل الصغير» 1977، و»الوجوه البيضاء» 1981. فهاجس الحرب شغله حتى بعد انتهاء المعارك، فلم تضع نهاية أكيدة للحرب الأهلية. وكانت الحرب حافزاً كي يعود خوري إلى جذور المشكلة اللبنانية تاريخياً وسياسياً، فكانت العودة إلى أحداث مفصلية في تاريخ بلاد الشام في وقت كانت فيه القوى الدولية العظمى تسعى إلى تفتيت السلطنة العثمانية، فكانت أحداث 1840 ــ 1860 التي عمّت لبنان وامتدّت إلى دمشق، ثم مجازر التطهير العرقي ضد الأرمن والسريان في مطلع القرن العشرين. هذان الحدثان الكبيران أعادا تشكيل منطقة بلاد الشام بما نتج عنهما من عنف وموت واقتلاع وتهجير، فنجد خوري في «مجمع الأسرار» 1994 يقدّم رؤى عميقة تتعلق بطبيعة العنف السياسي/الاجتماعي في المنطقة، فيتابع هجرة آل نصّار إلى كولومبيا بعد المذبحة التي تعرضوا لها في جبل لبنان الجنوبي، ليندمجوا بغرباء الحروب الأهلية التي تناسلت في كولومبيا أواخر القرن التاسع عشر. ثم تأتي الهجمة الصهيونية الاستيطانية، لتقتلع الشعبَ الفلسطيني، عبر القتل والذبح والتهجير من الأرض لتُكمل دائرة الموت ولتقيم على أنقاض بلاد الشام مملكة للغرباء. ولا يفهم خوري هذه الحرب بمعزل عن صيرورة الجدلية التاريخية منذ منتصف القرن التاسع عشر، وما أفضت إليه من تأسيس لدولة العسف والقمع العربية، التي يسمّيها (دولة المماليك الجدد) فتاريخنا الحديث هو نتاج مباشر لهذه الفترة، التي ما زالت مستمرة حتى اليوم. (اللغة واستراتيجيات النص/ماهر جرّار. مجلة بدايات عدد 35 عام 2022). ويقول خوري عن هذه الحرب.. «عندما أنظر إلى الحرب الأهلية اللبنانية في القرن التاسع عشر وهي حرب طويلة امتدت عشرين سنة، وخلفت بالمقاييس الحالية دماراً هائلا، وعدداً ضخماً من القتلى والجرحى والمهجَّرين، ولم يُكتب عنها نص واحد، لماذا؟ هنا لا يصلح القمع أو الاستبداد كإجابة، فلم تمنع الأنظمة الاستبدادية أحداً من الكتابة عن تلك الفترة. رأيي أنه الخوف، فالبنية الثقافية تخاف من مواجهة حقائق الواقع، تخاف من أن تسمي الأشياء بأسمائها، لذا أرى أن الحرب الأهلية اللبنانية التي بدأت في سبعينيات القرن العشرين، كانت لحظة مفصلية في الثقافة العربية، لأننا اكتشفنا أن الخوف من تسمية الأشياء بأسمائها هو مجرد وهم، أمام كل هذا الانفجار الذي ضرب لبنان ساعتها، فآن الأوان أن نسمي الأشياء بأسمائها، انطلاقاً من هذا أرى أنه لدينا عمل لا بد أن ننجزه، لا علاقة له بالتاريخ». (حواره مع محمد فرج. أخبار الأدب).

«يالو»
كتب إلياس خوري روايته «يالو» عام 2012، وتدور أحداثها في عام 1993، وهو ما يؤكد أن الحرب لم ولن تنتهي بعد، فأسبابها لم تُحل ومشكلاتها تتفاقم مهما خبت. ومن هذا الواقع العبثي تنطلق الحكاية الأكثر عبثية، حكاية وحكايات (يالو). هذا الشاب السرياني يتم القبض عليه وإسناد العديد من التُهم إليه كالاغتصاب والسرقة، بل وحوادث التفجير. وتحت الضغط والتعذيب تتوالى اعترافات (يالو)، التي هي عبارة عن حكايات مختلفة تتناغم وعبث ما يحدث له، ما بين الهلاوس والأحلام والتغييب عن الواقع. إلا أن كل هذه الاعترافات/الحكايات لا تشفع له، ولا يُغادر محبسه إلا بعد اكتشاف المجموعة أو العصابة الحقيقية التي قامت بعمليات التفجير في المدينة ـ لاحظ إسناد عدة تُهم لا تستقم وفاعل واحد ـ فما حكاياته واعترافاته، إلا سيرته الشخصية التي يتخيلها هو، بغض النظر عن صدقها من عدمه. وقبل إخلاء سبيله يقول له المحقق.. «ما تآخذنا يا مسيو يالو، عذبناك معنا. قصتك سخيفة وما بتستاهل. اكتشفنا عصابة المتفجرات واعترفوا بكل شي، وإنت ما إلك علاقة… ليش تذاكيت علينا وكتبت قصص ما إلها نهاية، وهيدا يللي خلانا نشك فيك، بينما إنت أهبل».

«سينالكو»
في العام نفسه 2012 يكتب خوري رواية «سينالكو» ومعناها خالٍ من الكحول، التي تعد رؤية وقراءة أخرى للحرب اللبنانية. فمن خلال حكاية التوأمين «كريم ونسيم»، هكذا يبدوان، ولكن الفارق بينهما تسعة أشهر، وهو ما كان يتباهى به والدهما. فالأول (كريم) كان يسارياً ومقاتلاً ضمن حركة (فتح)، بينما (نسيم) مقاتل في صفوف (حزب الكتائب). وبينهما (الأب) الذي يتوارى بصره شيئاً فشيئاً، وكأنه لا يريد أن يرى شيئاً. يعيش كريم ويستقر في فرنسا، متزوجاً من فرنسية، ويعود إلى مدينته بيروت بدعوة من شقيقه، الذي سيقوم ببناء مستشفى خيري، هذا الشقيق الذي تزوج من حبيبة كريم. هنا يصبح كريم في مواجهة تاريخه مرّة أخرى، ليتضح أن (سينالكو) هو اسمه الحركي حينما كان يُقاتل في صفوف اليسار، ليجد رفاق نضاله قد تحولوا إلى إسلاميين متشددين، وهم الذين كانوا يناضلون ضد الفكر الديني، وما المدينة التي عاد إليها إلا عدة مدن تخضع بعض أماكنها إلى رفاق النضال القدامى، في زيّهم الجديد، فما كان منه إلا الهرب مرّة أخرى، والعودة إلى فرنسا. فكرة الغريب هذه والمتنقل دائماً دونما وطن تتواتر في معظم أعمال خوري، مهما تنوعت الحكاية وشخصياتها.

فلسطين
وقبل استعراض بعض أعمال إلياس خوري عن فلسطين ومأساتها، نستذكر آراءه وقد كتب عن ناسها، وكذا بعض الآراء في القضية نفسها، وكيف يراها ويرى المتآمرون عليها، فيقول.. «أحد أهم أشكال الفن الفلسطيني، هو التطريز. والتطريز هو تعبئة الفراغات بالخيطان، وفي بعض المرات تكون التعبئة بلا فراغات. وبالتالي، فإن وظيفة الكاتب هي تفتيق التطريز، وإعادته إلى خيطان، هذا هو كسر الصمت. والفلسطيني عندما يريد أن يحكي يكون كأنه يفتق التطريز. الكلام مؤلم للفلسطيني مثل ألم المرأة التي تطرز وتضطر إلى فك التطريز من أجل إعادة استخدام الخيطان. ومن أجل أن نستطيع أن نكتب، علينا أن نكون شجعاناً بما يكفي لنفكّ الخيطان كي نتمكن من إعادة تركيبها من جديد. هذه هي اللعبة كلها… إن الخرس والصمت هما نتاج القمع، ونتاج المنع، ونتاج حشر الفلسطيني في زاوية فظيعة هي قمع الأنظمة العربية من جهة، وقمع إسرائيل من جهة أُخرى. شعب موجود بين قمعين، كل قمع أشرس من الآخر، وكل قمع أقسى من الآخر. وبالتالي، لجأ الفلسطيني إلى سلاح تفتيق الخيطان ليقاوم هذا القمع. هكذا يستطيع الفلسطيني أن يحكي وأن يركّب وأن يعيد كتابة ما حدث بلغة جديدة». (بانة عبد الله ماضي. مجلة الدراسات الفلسطينية عدد 142 ربيع 2025).
ويقول في حوار آخر.. «في رأيي أن مَن أنشأ إسرائيل هم العرب أنفسهم، فأكبر عامل في نشوء وصعود وتعاظم قوة إسرائيل هو العالم العربي … فلسطين كانت أحد الأحجبة التي تستعملها الأنظمة لحجب المسائل الاجتماعية، لكن لم تكن فلسطين فعليا قضية العرب، بل أكثر من ذلك أرى أن من يقولون إن فلسطين هي قضيتهم، إنما يحبون فلسطين ويكرهون الشعب الفلسطيني، وأنا أكره فلسطين وأحب الشعب الفلسطيني، ففلسطين مهمة لأن فيها الشعب الفلسطيني، التراب مهم لأن أجدادنا قبروا فيه، وليس لأننا نحب التراب، هذا هو الواقع فالأنظمة العربية تكره الفلسطينيين» (حواره مع محمد فرج. أخبار الأدب). ويذكر في رواية «باب الشمس».. «والله ما كانت حرباً، والله مثل الحلم. لا تصدق يا ابني أن اليهود ربحوا حرب الـ48. في الـ 48 لم نحارب. لم نكن نعرف، ربحوا لأننا لم نحارب، هم أيضاً لم يحاربوا، فقط ربحوا، وكانت مثل المنام». ووفق هذه الرؤية تواترت أعمال إلياس خوري التي تناولت الوضع الفلسطيني، فلم يُصدّر شعارات وخطبا فجة مُحمّلة بأيديولوجيات مُبهمة لا تنتمي إلى الأدب، فالأمر الأول والأخير يكمن في كتابة أدب يليق بتجربة إنسانية، بعيداً عن مقولات جافة ومُرهقة لا يحتملها النص الأدبي ـ وحتى مقالات الرأي التي يكتبها كان صراطها الأدب ـ فما يهمه هو الإنسان وتأثير ما يحدث على أبسط ما يفعله في حياته.

فقط قصة حب
يقول خوري عن روايته الأشهر إعلامياً «باب الشمس» 1998، بعد تحويلها إلى فيلم سينمائي عام 2004.. «النكبة ليست من الماضي، النكبة مستمرة إلى اليوم. التقاط اللحظة، كان فقط من أجل كتابة قصة حب، وليس أبداً للتاريخ، كما يردد من يتحدثون عن «باب الشمس»… كتبتها وكان في رأسي أمر واحد، هو أن أكتب قصة حب. كنت أتساءل دائماً، لماذا قصص الحب عند العرب مخترعة وليست حقيقية؟ ولماذا لا أكتب بكل بساطة عن حب رجل لزوجته. وهذا ما كان… الأدب هو تعبير عن حب، عن حبنا للآخر بالمعنى العميق للكلمة. ولدت الروايات لتعبّر عن الدواخل البشرية، وإن رأى فيها البعض تأريخاً أو توثيقاً أو أي شيء آخر، فليس هذا هو الذي كان مقصوداً في البدء».

«أولاد الغيتّو»
«هل ضرب الله موعداً لليهود على جثثنا؟ ولماذا لم ينزل من عليائه وينقذهم من أفران الوحش النازي الذي كان يريد إبادتهم؟ لعبة القداسة والميعاد كلها لا معنى لها، فحكاية الفلسطينيين، مثل جميع الحكايات لا بداية لها… فحين تكون الأرض مقدسة، تصير جزءاً من عالم آخر، ولا يعود واقعها مهماً، ويصير سكانها ضيوفاً على الأبدية، أي يصبحون لا شيء. هذه لعنة فلسطين» ( رجل يشبهني). هذه العبارات من خاتمة ثلاثية «أولاد الغيتو.. اسمي آدم 2016»، «نجمة البحر» 2019، «رجل يشبهني» 2023». الذي يقول خوري عنها.. «راوي روايتي (آدم دنون) كان يجرّب أن يكتب رواية عن فلسطين، واختار حكاية وضاح اليمن، لكي تكون مادة روايته، ورأى في موت وضاح اليمن الصامت أعلى درجات الإنسانية، كان يعارض بمعني المعارضة في الشعر القديم رؤية غسان كنفاني في «رجال في الشمس») ثم يتعرض آدم لظروف ما، فيقرر التوقف عن روايته، فالجزء الأول من «أولاد الغيتو» هو مخطط رواية آدم عن وضاح اليمن ـ عملياً هي رواية مكتملة في صورة مخطط ـ ثم يبدأ آدم في كتابة شيء آخر لأنه رأى أن الاستعارات لا معنى لها، وأنه يجب أن يكتب الحقيقة، ولكنه يكتشف وهو يكتب الحقيقة أنه قد صار استعارة» .
آدم بطل رواية «أولاد الغيتو» هو الطفل الفلسطيني الناجي من مذبحة اللد، والطفل الأول الذي وُلد في غيتو اللد، والشاب المتقمص لشخصية اليهودي من الأصل البولوني بين تل أبيب ونيويورك، والزائر لغيتو وارسو ضمن وفد الطلاب الإسرائيلي، ظناً من زملائه، أنه سليل غيتو وارسو لا ابن غيتو اللد. لكنه في النهاية يموت وحيداً في شقته في نيويورك، بعد أن يسجل لنا في دفاتره حكايته الفلسطينية. أما في الجزء الثاني «نجمة البحر»، فتواجه النكبة الهولوكوست كشكل من أشكال التأمل للمصير الإنساني، وهنا يكشف آدم عن هويته الحقيقية كفلسطيني قادم من غيتو اللد، بعد أن تعرّف في مدينة وودج البولونية إلى ماريك إديلمان بطل غيتو وارسو، واللابطل في نظر الشعب الإسرائيلي، لأنه لم يؤمن بأن الدعوة الصهيونية هي الجواب الوحيد عن إبادة اليهود، والذي رفض الهجرة إلى بلدهم وقرر البقاء والعمل كطبيب في بلده الأم بولندا. يقول خوري.. «في محاولتي التمييز بين الذاكرة والحاضر، استفضت قليلاً من أجل تأكيد افتراضي أن النكبة لم تحدث منذ سبعين عاماً، وإنما هي مسار مؤلم بدأ في سنة 1948 ولا يزال مستمراً إلى اليوم. فالذاكرة يمكن علاجها عبر التشديد عليها وتأكيد شعور المذنب بذنبه، تمهيداً لتحويلها إلى ذاكرة إنسانية عامة، أما الحاضر فيحتاج إلى العمل من أجل تغييره، وإلى أدوات سياسية وفكرية ونضالية تجمع جميع المناهضين للاستعمار الاستيطاني بصرف النظر عن قومياتهم وانتماءاتهم الإثنية والدينية. كذلك يستدعي خوري في الجزء الثالث «رجل يشبهني» الشاعر الفلسطيني راشد حسين (1936 ــ 1977) الذي مات محترقاً في نيويورك، والذي يقول خوري على لسانه.. «لم يفهم أحد أنني أردت لليهود والإسرائيليين أن يروا صورهم في مرايا ضحاياهم، وأنني حين رأيت نفسي في مراياهم اكتشفت أننا نحن وهم نعيش كذبة كبرى… تخيل نفسك أمام مرآة ترفض أن تراك، بل تمحو صورتك». (محمد علي الأتاسي. فلسطين مرآة للعالم: الهولوكوست والنكبة في كتابات إلياس خوري. مجلة الدراسات الفلسطينية. عدد 142، ربيع 2015)
ونختتم بعبارت إلياس خوري وهو على فراش المرض الذي لازمه لفترة ليست بالقصيرة، فيقول.. «أنا في هذا المكان الصعب والمتقلّب في المعنويات وفي حالات الفرح والحزن. الألم لم ينتهِ مني بعد، ويأخذ الآن أشكالاً مختلفة. الكتابة هي فعل مؤلم بحد ذاته، هي تعبير عن الإنسان وعن دواخله وعواطفه وعلاقاته مع الآخرين. عندما تضع نفسك في هذا الوضع وتضيف إليه ألماً جسدياً هائلاً، يصبح الوضع غير معقول وغرائبياً. لكنك، رغم هذا، تصبح شخصاً أكثر تواضعاً، وأكثر حناناً ولطفاً ومحبة».

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية